رواية "صمت الأحلام" لهديّة علي، جرأة في الطرح وبراعة في الأسلوب (1-2) | محمّد صفّوري

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر


تقريظ
"صمت الأحلام" هو الاسم الذي اختارته الكاتبة لروايتها، ممّا يثير عدّة تداعيات سيميائيّة دلاليّة، أقربها وأوضحها، برأينا، هو صمت البطلة، أي سكوتها عن البوح بما جرى لها، وهو المعنى القريب الذي يعنّ للقارئ في تصريح البطلة التي تقول: "اقتنعت أنّه ما كان عليّ أن أصمت هذا الصمت الذي جرّ  لصمت أحلامي ولخبوّ بريقها ولدمار حياتي"(الرواية: 357)، وحين نتأمّل اسم الرواية نجده يتألّف من كلمة "صمت" مضافةً إلى "الأحلام"، أي استعارة المحسوس "صمت" للمجرّد "الأحلام"، ممّا يوحي بالموت الذي تتوقّف عنده الأحلام وينقطع الأمل في الحياة، وفي ذلك إشارة لموت البطلة، وقد يُذكِّر الاسم برواية "صمت الفراشات" للكويتيّة ليلى العثمان، ذلك الصمت المفروض على المرأة العربيّة تكريسًا لتهميشها وتهشيمها، ومن ثمّ وأد أحلامها في ذلك المجتمع الذي تعيش فيه، ولا يرفع المحظورات إلّا في وجهها دون الرجل، ممّا يفتح النقاش لتأويلات عديدة أخرى.
"صمت الأحلام" هي رواية الموت الذي يفجّر كلّ أحداث الرواية؛ مضامينها، علاقات الشخصيّات المختلفة، وتزاحم الأساليب الفنّيّة العديدة الموظّفة في الرواية، فتمسك بتلابيب القارئ وتشدّه لمتابعة القراءة ليقف في نهايتها على حقيقة موت بطلتها أحلام، ذلك الموت الذي يتصدّر الرواية، ليوقع القارئ في دوّامة من الشكّ تجعله يعتبر كلّ شخصيّة من شخصيّات الرواية الرئيسة هي القاتل، ويبقى القارئ حائرًا مشدوهًا، وهو يتابع القراءة، حتى تصرّح الكاتبة مع نهايتها بهويّة القاتل الحقيقيّة، إنّها رواية أشبه بالروايات البوليسيّة المشهورة على غرار  روايات الكاتبة الإنجليزيّة، أجاثا كريستي وغيرها.
رواية "صمت الأحلام" رواية عصيّة على الفهم بالنسبة للقارئ العادي لما يُفاجَأ به من تداخل مضامين عديدة غنيّة بالأحداث المثيرة، إضافة لتعدّد التقنيّات الفنّيّة والبلاغيّة الموظّفة فيها، الأمر الذي يشكّل صعوبة جمّة في لملمة أحداثها والإمساك بالخيط الرفيع الذي يربط بين الأحداث بشهادة الكاتب محمّد نفّاع في تقديمه للرواية (12).

محور الرواية
تشكّل قضيّة المرأة المحور الرئيس الذي تدور حوله أحداث الرواية، وعنه تتولّد قضايا حياتيّة أخرى؛ اجتماعيّة، سياسيّة، دينيّة، تراثيّة، ثقافيّة، إنسانيّة، وغيرها.
تهزّ الراوية القارئ في استهلال الرواية بخبر موت بطلتها، أحلام الخالد، صبيحة يوم زفافها بعد تلك السهرة الرائعة التي حرصت كثير من صبايا ونساء القرية على حضورها، فتدور الشكوك وتكثر الإشاعات حول سبب موتها؛ منهم من ادّعى موتها بالسكتة القلبيّة كما مات والدها، ومنهم من قال بانتحارها، واعتقد آخرون أنّها قتلت على يد أحدهم، ممّا يشدّ القارئ لمتابعة أحداث الرواية التي لا تفصح بحقيقة موتها إلّا بعد أن يأتي على نهايتها، ويدرك أنّ قاتلها ليس سوى زوج أمّها مفيد الذي وقع في غرامها مثلما وقعت هي الأخرى، فمارسا علاقة جنسيّة امتدّت نحو سنتين، وحين أرادت الزواج من غيره لم يطق رؤيتها زوجة لغيره، فقام بدسّ السمّ لها في كوب الشاي، كما جاء في اعترافه، لتفارق الحياة نتيجة ذلك.
تكشف هديّة علي في رواية صمت الأحلام بجرأة بالغة عن آفة اجتماعيّة مسكوت عنها، هي آفة غشيان المحارم، مشيرة في تضاعيف روايتها إلى تكرار الظاهرة، إذ تتساءل الراوية: "أولا توجد نسبة غير قليلة عدا عن الإخوة والأعمام والأخوال وأحيانًا الجدّ من الآباء البيولوجيّين الذين تعدّوا [اعتدوا] على بناتهم اللاتي لربّما هنّ من لحمهم ودمهم؟" (الرواية، 351). بذلك تشكّل الرواية صرخة مدوّية في وجه المجتمع، داعية للرفع من قيمة المرأة وعدم استغلالها، وقطع دابر هذه الظاهرة المحرّمة من أجل بناء مجتمع سليم خالٍ من الشذوذ.

البعد الاجتماعيّ
يهيمن البعد الاجتماعيّ على أحداث الرواية التي تدور في قرية درزيّة جليليّة تفخر بها الراوية ثريّا في قولها: "فبنظري جمال بلدان العالم بأكملها يتقزّم أمام جمال بلدي، بلدي عروس الجليل بجبالها الراسيات المكلّلات بأشجار السنديان والقاتل والملّ، بوديانها المبرّجة بأشجار القيقب والخرّوب والغار، بسهولها التي تفحّ ربيعًا شذى أزهار التفّاح والكرز والمشمش، بهوائها المنعش أيّام القيظ، ببيوتها الجامعة بين جدرانها الناس المتحلّين بالطيبة والأصالة (الرواية: 126 – 127). هذه الطبيعة تنسجم وطبيعة قرية "بيت جن"، إضافة لما تذكره الراوية من قضاء يوم ممتع في "أرض الزابود" الواقعة في منطقة نفوذ "بيت جن" (الرواية: 135).
 تعنى الراوية بوصف كلّ ما يدور في القرية من أحداث تعكس الواقع المعيش فيها، ولا تذر شاردة ولا واردة إلّا وتأتي على ذكرها، لتقدّم رواية مكثّفة بالأحداث التي تأتلف أحيانًا مع بعضها أو تختلف في أحيان أخرى، فتنأى عن موضوع الرواية الرئيس. من أبرز تلك الأحداث استهلال الرواية بموت أحلام الخالد، ثمّ استرسالها في الحديث عن الموت موثّقة ما يقال فيه من تناويح وندبة تفري الأكباد حزنًا على الفقيد، وكذلك الحديث عن الأعراس وما يُسمع فيها من مهاهاة؛ فخرًا بالعروسين، مصوّرة تكافل أهل القرية ومشاركتهم الفاعلة في كلّ حدث يقع فيها، وتعمد الكاتبة إلى تكثيف هذه الأمور في مواضع عديدة من الرواية؛ تجسيدًا للألم الذي يعتصر نفوس أهل الفقيد، أو تمجيدًا لنسب كلّ من العريسين والفخر بهما، ممّا يثقل على مدارك القارئ.  
تعرض الراوية شكلًا آخر لتعاطف الدروز وتكافلهم مع الشعب السوري عامّة والمجتمع الدرزي خاصّة، في أحداث السويداء والحرب الأهليّة التي دارت هناك، فيهبّ الشيوخ من القرى الدرزيّة قبل الشباب؛ ليشاركوا في المظاهرات الحاشدة، غيرةً على الدين، والشرف، والكرامة، ناهيك بالتبرّعات السخيّة التي جُمِعت من كلّ القرى الدرزيّة، وأُرسلت لإخوانهم في السويداء؛ تضامنًا مع صمودهم وتمسّكهم بوطنهم وبيوتهم، ولم تتوانَ أمّ الراوية عن إرسال ما جمعته من مال؛ نصرة للمهاجرين السوريين الذين يعانون الفقر والجوع والمرض (الرواية: 102 – 103).
تناقش الرواية موضوع العلاقة الجنسيّة بين الأزواج على لسان الراوية ثريّا التي تستدعي ما قرأته في إحدى الروايات بأنّ على الزوجة "أن تتصرّف كعاهرة في سرير الزوجيّة، بمعنى ألّا تخجل، وهي تمارس الحبّ مع زوجها حلالها، وعليها أن تروي ظمأه الجسديّ والنفسيّ وأن تدلّله بحجّة ألّا يفلت من يدها، ويبحث عن نشوته بعيدًا عن سريرهما"، ثمّ تتساءل ثريّا: "فهل ممارسة الحبّ بين الزوجين هو حقًّا أحد أعمدة البيت الرئيسيّة، إن اختلّ فقد تختلّ وتنهار معظم الأعمدة الأخرى؟! (الرواية: 273). تبيّن ثريا أنّها تمجّ مثل هذه الموضوعات ممّا جعلها تتوقّف عن مواصلة قراءة رواية "إحدى عشرة دقيقة" لأنّ مضمونها لم يرق لها (الرواية: 273). في موضع آخر من الرواية تصف الراوية الكاتبة شوق كلّ من مجدي وزوجته ثريّا لبعضهما، إنّهما "يتحرّقان شوقًا حين ينصتان لرغبات جسديهما وخاصّة عندما تستحوذ الرغبة على عقلهما، وهما مَنْ نهلا سابقا من نعيم الحبّ وتذوّقا لذّة الوصال في سهرات العشق الحميميّة، حين تبدأ بالشرارة الأولى بالاستسقاء من شفتيها المتورّدتين، وتنتقل للتّمتّع بخيرات جسدها إلى أن يوصلها" (الرواية: 40). رغم ذلك الشوق تتمنّع ثريّا على زوجها مجدي بعد خروجه من السجن؛ عقابًا له لتجارته بالمخدّرات وسجنه، إلّا أنّ مقاومتها تنهار  ويغرقان في ممارسة جنسيّة مثيرة تعيد حياتهما إلى مجراها الطبيعيّ، تقول الراوية: "وضعتْ غطاء واحدًا لكليهما، وطلبَتْ منه أنْ ضمّني ولا تُثر شهوتك، اُشعرْ بأنفاسي ولا تلتهم شفتيّ، شُمَّ رائحة عطري الممزوج بأنوثتي ولا تغريني، اكتوِ بنيران جسدي ولا تصلني، فعلَ كما أرادت، ضمّها من الخلف وحوّطها برجولته، فأدارت له وجهها تحذّره من الاسترسال أكثر [...] فينقلب السحر على الساحر بعدما تدفن وجهها بصدره وتبكي، فيكفكف دمعها بدموعه ويمتزجان كجسد واحد"(الرواية: 45). وفي هذا تأكيد على دور العلاقة الجنسيّة بين الأزواج في تبديد الاضطراب من حياتهما.
تتّكئ الراوية في مسألة تسوية الخلاف بين الأزواج على كتاب "عبقريّة محمّد" لعبّاس محمود العقّاد، وكتاب رشيد رضا "نداء الجنس اللطيف" في حديثه عن الهجر كضرب من ضروب تأديب الزوج، ثمّ يبيّن أنّ "الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجيّة، فتسكن نفس كلّ من الزوجين إلى الآخر ويزول اضطرابها الذي أثارته الحوادث قبل ذلك" (الرواية: 45).
تلامس الرواية قضيّة تميّز الرجل الشرقيّ عن المرأة رغم المسؤوليّات الجمّة الملقاة على عاتقها، فرغم خروجها إلى ميدان العمل ما زالت تنوء بأعباء البيت الملقاة على عاتقها، حتّى صارت هي "الجنّى والبنّى" دون أن تلقى تقديرا على ذلك، على نقيض المرأة في المجتمع اليهودي مثلًا إذ يشاطر الرجل المرأة في أعمال البيت المختلفة (الرواية:241 – 242). تعزو الراوية هذا التمييز بين الذكر والأنثى إلى التربية في المجتمع الشرقيّ، إذ يحظى الذكر بامتيازات كثيرة عن الأنثى، وتبيّن الراوية، على مساحة واسعة من الرواية، أشكال التمييز بينهما، إنّه تمييز واقع على الأنثى من قِبَل الأنثى قَبْل أن يكون من قِبَل الذكر(الرواية: 256 – 263). 

البعد الدينيّ والتراثيّ
ترجئ الراوية مشروعها في الكشف عن هويّة قاتل أحلام الخالد، والاهتداء لكيفيّة موتها لتناقش بعض مصطلحات العقيدة الدينيّة الدرزيّة البارزة كعقيدة التقمّص، تلك العقيدة التي توثّقت في فكرها بعد موت أحلام الخالد اعتمادًا على كتاب "صفحات لم تقرأ" لمحمود هايل الجباعي، وفيه يبيّن أنّ الجسد هو قميص للنفس الخالدة اعتمادًا على دعوة التوحيد، وعلى الكتب الدينيّة السماوية الأخرى، وتدعم آراءها بآيات من القرآن الكريم، وآراء الفلاسفة والمفكّرين كأفلاطون، وجبران خليل جبران، ثمّ تأتي بنماذج لناطقين (الناطق هو شخص دبّت روح غيره فيه وصار يتحدّث عن حياته السابقة) كابن عمّ ثريّا الذي حكى كلّ ما حصل معه في جيله السابق، والبنت التي نطقت وأخرجت "تنكة" الذهب التي خبّأتها في "سنسلة" قرية مجاورة، والولد الذي ما أن بدأ يتكلّم حتّى نطق باللغة الإنجليزيّة بدلًا من العربيّة، لغة الأمّ، وهكذا تتابع ثريّا، الراوية، طرح الموضوع لتصل إلى والدها الذي تقمّصت روحه جسد ضابط سوري التقته هي وأمّها ومَن رافقهما في رحلة إلى سوريّا، فسأل عن أخيها سالم، وذكّرهم بتفاصيل كثيرة من حياته معهم حتى تأكّدوا أنّه والدهم "سليمان الماضي" الذي لم يتركهم خلال مكوثهم في سوريّا، بل امتدّت العلاقة معه، فأعدّت أمّها وليمة كبيرة على حسابها، وتمّ لقاء آخر بينهما في الأردن بعد مغادرة سوريّا التي أكثرت أمّها الحديث عن متعتها في تلك الزيارة (82 – 103). ومع نهاية الرواية تعود الراوية / الكاتبة لتذكّر بعقيدة التقمّص في حديثها بعد سنتين من موت أحلام وتأمل لها أن تكون سعيدة، وأن يكون الله قد بعثها لأهل يستحقّونها (الرواية: 375).
 تلتفت الراوية لموضوع القيم الاجتماعيّة والأخلاقيّة في المجتمع الدرزي من خلال نقاشها لدرس التراث في المدارس الدرزيّة؛ ليفهم الطلاب أمور حياتهم ودينهم أيضًا، ويرسّخوا تلك القيم في عقولهم ونفوسهم، مشيرة إلى المحاضرات الدينيّة التي تعقد في رحاب مقام النبي شعيب عليه السلام، فتطري القلوب وتجلي [تجلو] النظر، وتغسل الأذن من الأمور التي قد تقفل أمامهم مجال التوبة والإيمان (الرواية: 211 – 212). 
تشير الراوية لجمهور من النساء المتديّنات المدعوّات "الخيّات"، ومعظمهنّ من النساء المتقدّمات في السنّ، كجدّة أحلام لأبيها "أمّ السعيد" وأمّ الراوية ثريّا التي لجأت إلى الدين وقضت فترة طويلة من حياتها وهي مشغولة بأمور الدين، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وكذلك سهام، أمّ البطلة أحلام التي لجأت إلى الدين بعد أن تقطّعت أواصر العلاقة بينها وبين زوجها مفيد، ونحو ذلك، كما تبيّن إجراءات دخول المرأة في دائرة الدين أو ما يسمّى "طلب الدين"، أو " استلام الشرح" بعد موافقة جمهور المشايخ على دخولها في الدين اعتمادًا على سلوكها وأخلاقها، إذ يحظر على المرأة المتديّنة حضور الأفراح إذا اشتملت على الغناء والموسيقى، وإلّا تمّت مقاطعتها الدينيّة (الرواية: 69 – 70). كما يُحظر على المرأة المتديّنة اقتناء جهاز تلفزيون لأنّه برأي "الخيّات" من صنع الشيطان. تقع هذه القيود على عاتق المرأة أكثر من الرجل، فالمشايخ يتساهلون مع الرجل ولو اقترف الذنوب، فكثير من المشايخ اقترفوا الرذائل قبل استلامهم الدين أو الشرح (الرواية: 369).

البعد السياسيّ
تكشف الراوية النقاب عن علاقة بني معروف بالسلطة حيثما حلّوا، كونهم "أقليّة في كلّ دولة، وبضمنها إسرائيل، فهم يؤيّدون النظام في وطنهم، ولا يخونون هذا الوطن، وولاؤهم عميق لمن يحميهم"(الرواية: 30)، ثمّ تناقش مسألة خدمة الدروز في جيش الدفاع الإسرائيليّ مبيّنة الآراء المتضاربة حول ذلك، فمنهم من يرى أنّ انخراط الدروز في صفوف الجيش الإسرائيليّ يعتبر خدمة كبيرة للطائفة بمواقفهم الشجاعة، وهناك مَنْ يعتقد أنّ الجنود الدروز شوّهوا صورة الدروز كعرب، وأصبحوا محطّ نقمة لدى المسلمين؛ فهم يحاربون إخوانهم في العروبة، وهذا وحده عيب وعار لا يقبله المنطق السليم، ثمّ تشير إلى تطوّع كثير من الشباب المسلمين والمسيحيّين للخدمة في الجيش رغم أنّها غير مفروضة عليهم كالدروز؛ طمعًا في الحصول على بعض الامتيازات كالعمل في سلك الشرطة والجيش(الرواية: 32)، ممّا دفع كثيرًا من البنات الدرزيّات والعربيّات للخدمة المدنيّة الوطنيّة لتسهل عليهنّ الحياة في الجامعات ومجالات العمل، مقتنعات أنّ التطوّع لمدّة سنتين يؤمّن لهنّ مخصّصات شهريّة تساوي ما يتلقاه من يخدم في الجيش، إضافة لاكتساب خبرات مختلفة؛ كتقوية الشخصيّة وتنميتها، التعوّد على النظام والمسؤوليّة، وفتح الآفاق لمجالات الحياة المختلفة، معتقدات أنْ لا علاقة بين الخدمة المدنيّة والعسكريّة (الرواية: 98). تعلّق الراوية على انخراط الدروز والعرب في الخدمة العسكريّة، ساخرة ممّا ينتج عن هذه الخدمة، وكأنّها وعود عرقربيّة بقولها: "وكأنّ جميع طلباتنا من اليوم وصاعدًا سوف تستجاب عند المسؤولين في هذه الدولة، فيصبح عدد المعانين من البطالة أقلّ بكثير من عددهم اليوم، وسوف تفتح أمامنا مجالات العمل على مصاريعها!" (الرواية: 32).
توثّق الرواية مشروع عضو الكنيست السابق الكاتب سعيد نفّاع وعمله على الجمع بين عائلات عربيّة من إسرائيل، وأقاربهم في سوريّا، وتلمّح لموقف الدروز من أحداث سوريّا عامّة والسويداء خاصّة، والهبّة الدرزيّة التضامنيّة مع إخوانهم هناك بعد الهجوم الغاشم لداعش على أهل السويداء، وما أفرز من "الألم والمرارة والاستهجان والاستنكار الغاضب لنزف دماء الأبرياء، وللدمار والخراب بدل اجتماع أبناء الوطن الواحد.. الراعي والرعيّة لإصلاح وإعمار الوطن وليس لدماره" (الرواية: 106 – 107).
تواصل الراوية سردها لتوثّق ما جرى من أحداث سياسيّة حقيقيّة من تاريخ فلسطين، كتهجير ستّة ملايين فلسطينيّ وتشريدهم، فعاشوا في مخيّمات مختلفة بعيدًا عن وطنهم، مذكّرة بإبادة ستّة ملايين يهوديّ، هجوم إسرائيل على غزّة وما أحدثه من دمار وخراب وقتل للأبرياء، خطف الشباب اليهود الثلاثة وقتلهم على أيدي العرب، إنّها تناهض العنف بشتّى أنواعه، وقد زعزعها حرق الشاب المقدسيّ "محمّد أبو خضير" قبل قتله على يد متطرّفين يهود، مشيرة في كلّ ذلك لموقفها من العنف والقتل الذي يغتصب نفسها الميّالة لحبّ الحياة والعيش بأمان وسلام، فالأحداث الأخيرة في العالم العربيّ أو بين إسرائيل وفلسطين هشّمت وجدانها وصقلت شخصيّة تشعر بأنّ لها طرفًا في ذلك النزاع، مؤمنة بضرورة التوصّل إلى اتّفاق يرضي الطرفين (الرواية: 27).

البعد الثقافيّ
يتشكّل مجتمع الرواية من أبناء وبنات الطائفة الدرزيّة من أعمار مختلفة، ويعيشون في قرية جليليّة جبليّة ذات طبيعة ساحرة بجمالها، يميّزهم التكافل الاجتماعيّ، والتمسّك بالقيم الأخلاقيّة التي يستقونها من دينهم وتراثهم، وهم يحرصون على تذويت تلك الأخلاق في نفوس صغارهم، إلّا أنّهم متفاوتون في مستوياتهم الثقافيّة، فحين حرم أبناء الجيل القديم من حقّهم في التعلّم، على الغالب، كسائر أبناء المجتمع العربيّ، اهتمّ الشباب باكتساب العلم والثقافة، غير قانعين بالدراسة الثانويّة فقط، بل ارتادوا معاهد التعليم العالي، كالجامعات والكلّيّات، ونهلوا منها حتّى العلل فصار منهم الأطبّاء، المحامون، المهندسون، المعلّمون، الموظّفون في سائر الوظائف الرسميّة، كما انخرط بعضهم في صفوف الجيش بعد الخدمة الإلزاميّة، أو التحقوا بالشرطة ومصلحة السجون، فوصلوا بفضل جدّهم وتشجيع ذويهم لأعلى المراتب، كالطبيب وسام الجبليّ وابنه أمير الذي يدرس الطبّ في "التخنيون"، المحامي نضال، المستشار الضريبي مجدي، والأستاذ مفيد، والسيّد عماد زوج فاطمة، صديقة ثريّا، وهو رجل كثير المطالعة، يجيد اللغة العربيّة، ويعمل مهندسًا معماريًّا، وقد علّم بناته في الجامعات، وغيرهم. 
حقّق أهل القرية؛ ذكورها وإناثها قفزة ثقافيّة جديرة بالتقدير، نخصّ بالذكر جمهور النساء، فمعظم نساء الرواية يتمتّعن بثقافة أكاديميّة رفيعة كالمعلّمة ثريّا التي يشهد لها بمقدرتها البارزة في اللغة العربيّة وكتاباتها المثيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ، إضافة لإصدارها رواية تمّت مناقشتها في نادي حيفا الثقافيّ، وهي تعتبر امرأة نشيطة تشارك في المؤتمرات الأدبيّة، وتسعى لتحقيق منهجها في الحياة بأن تعلو وتتطوّر دائمًا، الأمر الذي هدّد علاقتها بزوجها مجدي، فأدركت نفسها حتى زال الاضطراب عن جوّ أسرتها. وكذلك ابنتها أحلام سليمان التي تعدّ من خيرة البنات، ليس فقط كونها جميلة ومستقبلها العلميّ والعمليّ مضمون، إذ تدرس موضوع الصيدلة في جامعة القدس، وتبرع في عزفها على آلة البيانو بإحساس باذخ الأنوثة، ومثلها أختها مرام فرغم عاهة الصمم التي ولدت معها إلّا أنّها تمكّنت من إتقان العزف على البيانو كأختها أحلام بعد تثبيت سمّاعات خاصّة في أذنيها، وهي تشعر بمتعة كبيرة عند سماعها للألحان الناعمة الرقيقة التي تفضّلها على الحديث مع البشر، وقد عوّضها الله عن صممها بجمالها وقدراتها العقليّة، فتفوّقت في دراستها وخاصّة باللّغة الإنجليزيّة. ومن الشخصيّات النسائيّة الأخرى السيّدة مروج، زوجة الدكتور وسام الجبليّ التي درست موضوع الاقتصاد في الجامعة، فشغلت منصب نائب مدير بنك، وهي تعتقد أنّ أهمّ شيء في الحياة هي الشهادة والعمل، أمّا الجمال والحبّ فغير مهمّين، فالحبّ يأتي بعد العشرة.
أمّا بطلة الرواية، أحلام الخالد، فهي فتاة رائعة الجمال برأي الراوية التي تؤكّد فوزها بلقب ملكة الجمال لو أتيح لها الترشّح لتلك الجائزة، تجيد اللغات الثلاث؛ العربيّة، الإنجليزيّة، والعبريّة، لكنّها لم تتمكّن من مواصلة دراستها في الجامعة لظروف عائلتها الاقتصاديّة، وتشهد كتاباتها أنّها تتمتّع بقدرة لغويّة عالية، تلك القدرة التي سبّبت لها خلافات عديدة مع معلّمة العربيّة وهي تناقشها، تصحّحها، وتبدي آراء مغايرة لآرائها، وقد اكتسبت مقدرتها اللغويّة من خلال مطالعاتها ونقاشاتها مع عمّها مفيد، وعمّها نضال، وتطرح آراءها عبر "الفيس بوك" باسم مستعار هو "الوردة الذابلة"، وكانت من قبل تكتب باسمها الحقيقيّ، فتصيد القرّاء بكلماتها، وقد شغلت معظم وقتها في صناعة الكعك والشوكولاطة، ممّا يدرّ عليها بعض المال لتساعد في تأمين حاجات أسرتها.
تتزاحم الشخصيّات النسائيّة في فضاء الرواية، فتذكر الراوية أيضًا ربى، ابنة وسام الجبالي التي توشك على الانتهاء من دراسة موضوع اللغة الإنجليزيّة في الجامعة، وشعاع زوجة نضال وابنته تحرير، إضافة لبعض الشخصيّات النسائيّة اللواتي لم تتح لهنّ الظروف لمواصلة الدراسة الجامعيّة أمثال سهام، والدة البطلة أحلام الخالد، وفاطمة صديقة ثريّا التي انصرفت بكلّيّتها إلى الدين وأبدعت في صنع خبز الصاج، والفطائر على أنواعها، ونحو ذلك.
تؤكّد هذه النماذج النسائيّة ما طرأ من تطوّر ملحوظ على مكانة المرأة الدرزيّة، إذ خرجت عن وظيفتها التقليديّة من العناية في البيت، الزوج، والأولاد التي ما زالت تقوم بها، إلى الانفتاح على مجالات الحياة المختلفة؛ كارتياد معاهد التعليم العالي واكتساب ثقافة أكاديميّة ومن ثمّ مزاولة العمل في المجال الذي درسته، سواء كانت معلّمة، أو موظّفة، ونحو ذلك، إضافة لفاعليّتها البارزة في الندوات المختلفة التي تعقد في البلاد، والمشاركة في المناقشات المختلفة عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ، و"الفيس بوك" لطرح آرائها وما تؤمن به من أفكار، ممّا يشير إلى القفزة النوعيّة التي طرأت على مكانتها ودورها في الحياة.

تقنيّات الرواية الأسلوبيّة والفنّيّة
ينسحب مبدأ التعدّديّة على التقنيّات الفنّيّة والأسلوبيّة في رواية "صمت الأحلام"، ممّا يعكس سعة اطّلاع الكاتبة على المنجز الأدبيّ في العالمين الغربيّ والعربيّ على وجه الخصوص، ويشهد لها بتمكّنها من آليّات السرد الروائيّ الحديث كتعدّد الأصوات في الرواية، اللجوء إلى ظاهرة الميتا – كتابة، نقد الأعمال الأدبيّة، استخدام تقنيّة التناصّ، الاقتباس، الاسترجاع، والاستطراد، والتداعيات، مع تكثيف لتقنيّة المونولوج عبر التساؤلات والاستفهامات الكثيرة التي تبثها في تضاعيف الرواية، إلى جانب الحوارات التي تقيمها بين شخصيّات الرواية، ناهيك بمستويات اللغة المختلفة، واستخدام الضمائر الثلاثة في عمليّة السرد، إضافة لأسلوب مخاطبة الغائب، وتوظيف الأمثال الشعبيّة والتراثيّة، حتّى تكاد لا تترك أيّ آليّة من آليّات السرد الروائيّ لتشهد على قدرة الكاتبة الإبداعيّة من ناحية، وتثقل من ناحية أخرى على مدارك القارئ، الأمر الذي يفقده لملمة الخيوط التي تؤلّف بين أحداث الرواية.

تعدّد الرواة
يقوم معمار سرد الأحداث على تقنيّات الرواية البوليفونيّة، فيتّكئ السرد على ثلاثة أصوات؛ صوت المعلّمة ثريّا التي تستهل السرد بخبر موت أحلام الخالد، ثمّ صوت الراوية/ الكاتبة، فصوت البطلة أحلام، يتكشّف صوت ثريّا وأحلام من خلال ما كتبته كلّ منهما في أوراقها التي استلمتها الراوية/ الكاتبة مع نهاية الرواية، أمّا صوت الراوية/ الكاتبة فيُسمع بعد استهلال الرواية بقليل، وكلّ منهنّ تروي الأحداث نفسها وما جرى لأحلام الخالد حتّى موتها، لكنّها تتحوّل في كثير من المرّات لسرد أمور خاصّة بها، أو لتعبّر عن رأيها في موضوع ما، ونحو ذلك.
تلجأ الراوية/ الكاتبة إلى زجّ القارئ في النصّ، فتخاطبه في كثير من مواضع الرواية معتذرةً منه، ومن ذلك قولها: "اعذروني لن أخوض بكلّ التفاصيل التي حبّرتها ثريّا بين طيّات مذكّراتها هذه"، ثمّ تعلن عن هدفها من كتابة الرواية قائلة: "وخاصّة أنّ الجثّة الهامدة العروس أحلام الخالد تنتظرني لأكشف سرّ موتها المفاجئ صبيحة زفافها على أمير" (37). تعود الراوية/ الكاتبة في موضع آخر من الرواية لتخاطب القرّاء طالبة منهم عدم مؤاخذتها لما ذهبت إليه من إطناب أو إيجاز، وهدفها من ذلك هو معرفة سبب موت أحلام الخالد (53 – 54). ونجدها مرّة أخرى تطلب العذر من القرّاء لتعدّد الأصوات في الرواية، فتقول: "اعذروني من وجود ثلاثة أصوات في هذه الرواية: صوتي وصوتهما، وقد يدخل أحدكم في متاهة الأصوات"، ثمّ تبيّن قدرتها في التعبير وجرأتها على البوح بمكنونات النفس في قولها: "هناك من لا يستطيعون التعبير مثلي عمّا حدث معهم أو على أقلّ تقدير، لا يجرؤون على البوح بما دار  في خلجات نفوسهم، وقد كان لهم دور فعّال في هذا الموت وبهذه الحياة، إن كان من قريب أو بعيد، وبطريقة مباشرة أو ملتوية، ولم يفهموا كنه حياة أحلام التي بعثرت وديست تحت أقدام النبل والشرف" (179). وفي هذا ما يشي بنقد الكاتبة لكتابة كلّ من أحلام وثريّا بعد قراءتها لمذكّرات وأوراق كلّ منهما. 
يأتي نقدها في مواضع أخرى مباشرًا لكتابة ثريّا، فتقول: "فثريّا لا تعرف معظم التفاصيل، فما تعرفه قد دوّنته في مذكّراتها، وأنا أنقله لكم دون أن أختصر منه أو أقلّل، وأيضًا لأنّ ثريّا "تأزّمت" وقد لا تنقل إليكم الأحداث بموضوعيّة كاملة، وبمصداقيّة تامّة، فهي أمّ ومهما أحبّت الأخرى (أي أحلام الخالد) فلن تفضّلها على ابنتها هي (أحلام سليمان)" (140). في موضع آخر تعترف الراوية/ الكاتبة بقدرة ثريّا اللغويّة وتعدّها أديبة متألّقة، فلولاها لما تعرّفت الكاتبة على هذه الحكاية بكل دقائقها وتفاصيلها، وتصرّح أنّها أفادت كثيرًا من أوراق أحلام وثريّا وتأثّرت بلغتهما وأسلوبهما، وقد عرضت الراوية/ الكاتبة على ثريّا أن تكتب هي الرواية على أن تساعدها إذا احتاجت للمساعدة، إلّا أنّ ثريّا اعتذرت عن ذلك لأنّها تعبت كثيرا بعد قراءة أوراق أحلام، إضافة لانشغالها بخطوبة ابنتها أحلام سليمان على أمير الجبلي بعد موت أحلام الخالد، ناهيك بعدم قدرة ثريّا على مواجهة الآخرين لسدّ بعض الثغرات، إذا ما قورنت بالكاتبة التي ترى في نفسها الجرأة، والخيال الواسع لرتق الشروخ، إضافة لثقة ثريّا في موضوعيّة الكاتبة (316 – 318).
(يتبع حلقة ثانية وأخيرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-07 17:59:14

كلمة تقدير أكثر من شكر مستحق

featured
جلبير الأشقرج
جلبير الأشقر
·2026-01-07 16:38:38

لا… لم يتبنّ ترامب سياسة «تغيير النظام»

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-07 10:38:53

تسفي برئيل: المسار من قرية الترابين إلى حرب أهلية يمرّ عبر بن غفير

featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا