صدام الحداثات وتعاقبها:  تذييل استباقي لقصيدة يحيى عطاالله | إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قرأت المجموعة الشعرية الأخيرة ليحيى عطاالله بيتًا بيتًا، قصيدة قصيدة، ولم تكن بينها قصيدة واحدة لم تترك فيّ أثرًا طيّبًا. بعض الأثر مردود إلى إشراقة فكرية مبتكرة، وبعضه إلى صورة شعرية فاتنة تتبعها فتنة، وبعض ذاك الأثر يتّكئ على تعبير عربيّ قحّ أصيل... ورغم كلّ ما قيل، من واجب كلّ واحد منّا أن يحتفظ بحقّه في الاختلاف معي ومع الشاعر هنا وهناك، على مستوى المبدأ وعلى مستوى الفعل، في ذاك الحكم وذاك البيت أو المقطع أو القصيدة.. وحين يصير الحقّ واجبًا لا يقدر على تجاوزه أو نكرانه أحد.

يدخل يحيى عطاالله في هذه المجموعة من الأبواب المشرعة نفسها التي يدخل منها أدباؤنا في الحلّ والمرتحل. وليست هذه خطيئة ولا خطأ. وهل يحيى عطاالله مقطوع من شجرة حتى ينتبذ؟ وما هي هذه الموضوعات أو الثيمات التي يستنفر قلمه لأجلها؟ بعضها موضعي آني تاريخي كالقضية السورية، ومسألة المهجّرين الفلسطينيين. وبعضها موضعي آني فردي كتكريم الشاعر الراحل مفيد قويقس ورثائه رحمه الله. وبعض المعاني امتدادي كقضية العروبة والانتماء إليها، والموقف العدائي من الدين، ومناصرة المرأة وحقّها، والاحتكام إلى قيم التآخي الإنسانية، واللحاق بركب الزمان والحضارة. وبعض مواضيعها غزل عفيف بالمرأة، وغزل جغرافي إن جاز هذا التعبير على نحو ما يفعله في وصفه لحيفا والجليل وجبال الكرمل ويركا. وبعض المعاني موصول بالدعوة القديمة إلى تجديد اللغة العربية... هذه هي اهتمامات يحيى عطاالله، وهي مثلما نرى خليط من أفكار سياسية ووجدانية وعقائدية وقومية وحضارية. بعضها متجانس وبعضها متنافر على مستوى الزمان والجغرافيا والمجال. لا أحد يقدر أو يجرؤ على الاعتراض لا على المجالات العامة ولا على موقف الشاعر منها. هذه هي رسالته وبها يؤمن فيسعى إلى نشرها. وفوق كلّ ذلك، هذا حقّه وكلها يصلح فيها قول الجاحظ "والمعاني في الطريق مطروحة" أو كما قال في "البيان والتبيين". صدق الجاحظ في قصده لأنّ الفطرة الإنسانية إنما تقوم على مناصرة الخير ومعاداة الشرّ. والصراع النظري في هذا الشأن محسوم في المجاز لأنّ الإنسان منحاز إلى نصرة الخير من حيث هو إنسان قد هداه ربه إلى النجدين. أعني أنّ القضايا الإنسانية الكبرى في كلّ الموروث الأدبي العالمي إما أن تكون في الخير وإما في ضدّه حتى وإن كانت النظريات النسبية والتركيبية تُقصيها عن الحسم المنجز. ويحيى عطاالله منحاز بفعل تلك الفطرة وبفضلها إلى الخير على النحو الذي يراه. لكنّ التفاصيل هي التي تختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر. وفي تلك التفاصيل والدقائق الصغرى يختبئ الشيطان الأكبر والأصغر، أقصد شيطان الشعر الذي يختبئ خلف اللغة. وبقدر ما يختبئ الشيطان تتجلّى شاعريّة يحيى عطاالله بجمالها وتميّزها. 

يبدو الشاعر وهو يترنّح من النشوة بين حالتين: الغضب، ومرادفاته وظلاله الكبرى والصغرى، والحبّ ببعض مستلزماته وملحقاته. والغضب على الأمة التي تعثّرت في مشيتها في ركب الحضارة، فلا هي عادت إلى مجدها الذي غبر واندثر ولا هي لحقت بالعصرنة والحداثة، فظلت معلّقة بين السماء والطارق، لا إلى هناك عادت ولا إلى هنا وصلت. وهذا الغضب يمسّ شيئًا من هويّاته الثلاث التي يحملها في جيب معطفه: الفلسطينية والعربية والإنسانية. يحيى عطاالله غاضب على هذه الجبهات كلها. وهكذا لا بدّ أن يكون غضبه إذًا في اتجاهين: إلى الداخل، وهو ما يصل إلى العتاب وجلد الذات، وإلى الخارج وهو ما يصل مداه إلى كلّ محتلّ ظالم زنيم. على العموم، لا يكظم غيظه إلا من أنس قلبه الحبّ وألفه، فأحبّ أهله ووطنه والناس أجمعين. وهكذا بالضبط يظهر يحيى عطاالله تارة في حالة غضب ساطع، وتارة بعتاب لزج، وتارة في حالة حبّ رخو يميع فيها ويرقّ، ويفاخر بقدر ما يحبّ تارة أخرى.. وتتبع التاراتِ تاراتٌ أخرى مكّوكية بين هذين القطبين. وهي توليفة شعورية تتصالح فيها الأضداد بغرابة غير غريبة على طبعنا البشري وأنساقنا الأدبية الفلسطينية بصفة خاصة. إذا كان هذا التصالح بين الأغراض والمواضيع والثيمات في هذه المجموعة ينهض على "غرابة غير غريبة" فلأنّ هذا التصالح أصلا صار نسقًا جماليًا واضحًا في أدبنا الفلسطيني كله. وكأنّ هذا التنقّل بين الضدّ والضدّ هو في ذاته قول آيديولجي مهموس يعزّز يحيى عطاالله، ككلّ شاعر فلسطيني، من خلاله هويّته الإنسانية المركّبة. صحيح، مأساة الفلسطيني والعربي توقد قلبه وتسجره من شدّة الغضب، غير أنّ هذا الغضب هو ثالث ثلاثة في قلبه وعقله: ثلث للغضب وثلث للمحبّة وثلث للسلم والصفح والغفران. حتى وهو يغضب يجد يحيى عطاالله متّسعًا في وجدانه لبعض الحبّ يذهل به عن غضبه ويلهيه بمحبوبة مجازية يُنشئها إنشاء.  

إذا صحّ ظنّ الجاحظ، في تغليب اللفظ على المعنى، فماذا يظنّ يحيى عطاالله وبماذا يدين في هذه المجموعة؟ قال شاعر الرافدين محمد مهدي الجواهري: "ليس بهذا ينهدّ عمود الشعر". وكان يعني "بهذا" كلّ شعر لا يكون على العمود مكتوبًا. من منظور ارتدادي خلفي، وعيني على مقام المقال، أنا على يقين بأنّ الجواهري لم يقل إلا نصف الحقيقة. حين ألقى الجواهري قنبلته الارتدادية تلك كانت محاولات التحرّر من ذكورية العمود الشعري المنتصبة ما زالت في أول مشيتها. وهكذا لا يمكن فهم هذه الشحنة المضغوطة الضاغطة من الساركازم في قول الجواهري إلا في سياق تلك البدايات وما تُحدثه من صدمات وصدامات. كان الجواهري يستميت في هذا القول لوأد تلك المحاولات التي بدأها السيّاب والملائكة في نهاية سنوات الأربعين من القرن الغابر. فشل الجواهري في هجومه الدفاعي. يحيى عطاالله، بفارق سبعين عامًا عن قول الجواهري، يحاول أن يعدّل القول ويهذّبه ويشذبه ليحوّله إلى دفاعي هجومي، لعله ينجح حيث فشل الجواهري. يحيى عطاالله يستميت في الدفاع عن عمود الشعر، كي يبقى منتصبًا مشدودًا. وهذا الدفاع المحموم والمحتقن قد يمسح مشروعه الجمالي كله بمسحة هجومية حييّة ضدّ من لا يكتب على عمود الشعر. أقول قولي هذا وأنا أحاول أن أداري انبهاري بعمود الشعر والموروث الشعري العظيم الملتفّ حوله! 

في هذه المجموعة الشعرية إصرار اقتحامي على النقاش العتيق المستفزّ والمتوثّب، الذي يأبى أن يتوقّف للحظة، حول تعاقب الحداثات في الحضارات ومفعولاتها. وتعاقب الحداثات هي مسألة أنطولوجية موصولة بالكينونة العامة لا علاقة لها بالصواب أو الخطأ لا من قريب ولا من بعيد. ليست هناك حداثة صائبة وحداثة مصيبة. إذا كان الجواهري يتعصّب لعمود الشعر فهذا حقّه، لكن ما ليس من حقّه هو أن يرى في حداثات غيره واجتهاداتهم جملة من المصائب. ثمّ أقول "إصرار اقتحامي" لأنّ يحيى عطا الله لا يكتفي ببيانه في اللفظ بل يتعمّد التعبير عنه في المعاني أيضًا. لا يكتفي بعرضه في الأعراض الأسلوبية، التي تتشكل منها قصائده، وإنما يقوله بوضوح زاعق في أغراض القصائد نفسها. وهكذا يكفل المضمون الشكل مثلما يكفل الشكل المضمون. وهذا التكافل بين شطري النصّ يحيل إلى حالة انبهار بالفكرة، يسعى يحيى عطاالله إلى تثبيتها بقوّة الأوتاد. عفوًا! لا يحقّ لأحد أن يعيب على الشاعر حماسه وتوثّبه وانبهاره بعمود الشعر وتبعاته الإيقاعية والقاموسية والبلاغية. فالمسألة مسألة أذواق ومواقف. ومن العبث أن نجادل أحدًا في ذائقته. 

إنّ انبهار الشاعر بعمود الشعر جعله يقيم له نصبًا تذكاريًا في شخص المتنبي وشعره يظلّ ماثلا أمام ناظريه، يمجّده ويكرمه ويحمده ويبرّه. حين أشرت إلى تكافل الأعراض والأغراض في قصيدة يحيى عطاالله حاولت أن أقول إنّ الرجل يصرّ على أن يحمل بطيختين اثنتين بيد واحدة أو يعتمر قبّعتين في آن واحد: قبّعة الشعر، وهذه وارفة، وقبّعة النقد وهذه ضيّقة. لا ريب في أنّ هذه اللعبة، التي يمارس فيها يحيى عطاالله مهمّتين الأولى تشريف والثانية تكليف، الأولى توليف والثانية توصيف، هي لعبة ذكية. ويكاد حسّ الناقد المتوقّد في قصيدته "المتنبّي: قمّة القمم" يوقعه في فيض التأويل ظانًا أنّ المعنى القريب لا يليق بشاعرية أبي الطيّب، طيّب الله ثراه، فلا بدّ من معنى بعيد مخبوء في ثنايا النفس الشاعرة، مثلما يليق بشاعرية المتنبي "قمّة القمم". وهكذا ليس الحديث عن ورد يزأر ولا عن بحيرة يرد ماءها، إنما الحديث عن ذات المتنبي نفسه يزأر بشعره فتمتدّ تموّجاته عبر أثير الزمن إلى يومنا هذا، وتظلّ تمتدّ حتى يصير "الناس كالفراش المبثوث" وتصير "الجبال كالعهن المنفوش". يعرف يحيى عطاالله كيف يكتب الشعر ويعرف كيف يقرأه. لكن حين تكون القراءة جزءًا عضويًا من فعل الكتابة، على النحو الذي يحسنه يحيى، يصير النصّ كله قولا على قول. هذا الذي  يسمّيه أمثالي فعل "الميتا"، وما أجمله من فعل! 

وَلا تُفْهَمُ الْأشْعارُ بِالْفِكْرِ إنَّما                   

تُدَبَّرُ بِالْإحْساسِ حينَ تُدَبَّرُ

هكذا يقول يحيى بوضوح، وهو يرسم المنهاج الجمالي والإجرائي لمفهوم الشعر، إنّ الشعر من الشعور وأولى به إن كان كذلك أن يتحقّق في فعل القراءة، أو فعل التلقّي بصفة خاصّة، بحزمة من الأحاسيس لا بمنظومة فكرية إدراكية موهوبة أو مكتسبة. والكلام خلافي. لا أظنّ أنّ يحيى يربط بين الفهم الشعوري للشعر وبين عمود الشعر. لا أظنّ أنه يذهب إلى هذا الحدّ من الربط الخاطئ والمضلّل والقسري بين شكل التعبير وأداته وبين وضوحه وغموضه. قد يكون الوضوح والغموض في القصيدة العمودية مثلما يكون في الشعر الحرّ والمنفلت وشعر التفعيلة وشعر النثر.... وينعكس. 

كتبت تذييلا ولم أكتب نقدًا فاتّقيت شرّ تبعاته. شَعَر يحيى عطاالله فارتفع صوته أحيانًا وشَعَر فهمس بقدر ما يسمح الشعر بالهمس في أحايين أخرى. ونحن من عندنا نريد لهذا الصوت أن يظلّ مسموعًا صائتًا كان أو صامتًا.    

قد يهمّكم أيضا..
featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة

featured

سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل