ظاهرة أفلام محمد رمضان والتفاهة المموّلة بنقود ونفوذ فاسدَين| سمير زعبي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كان أحد الملوك في الامبراطورية الرومانية ملكا قويا. بمعنى انه مهتم بشعبه، يحاول ان يجعل شعبه يعيش بأفضل حال. حيث قام بإصلاحات عديدة ادت الى ان يعيش شعبه برفاهية جيدة الى ان تسلم ابنه الفاسد الحكم . وبدأ الفساد ينتشر ويستشري في داخل الدولة حتى أصبح الامر يهدد منصبه. بدوره انشأ هذا الملك المدرج الروماني وبدا يجلب الشعب لهناك، لكي يشتت انتباههم عما يحصل في اروقة الحكم. بالإضافة لذلك، فإن المباريات التي كانت تجري هناك افرحت الكثير من الجمهور الذي كان على وشك الانقلاب على هذا الملك. باختصار شديد لفت الانتباه الى ذلك المدرج أنقذه من الهلاك.

اشاهد الدراما المصرية الجديدة باعين نقدية وليست بمتعة كما شاهدتها من قبل. يوجد بها الكثير من الأمور الجيدة والرائعة والمميزة، وايضا غير الجيدة. لكن ما اثار غضبي في الآونة الاخيرة هو افلام ومسلسلات الممثل محمد رمضان أو كما يسمي نفسه، نمبر وان. مسلسلات ضخمة الانتاج عالية الجودة من ناحية التقنيات واماكن تصوير يحلم كل ممثل بالوصول اليها، لكن المستفز بالأمر ان غالبية افلامه تكون عادة عنيفة جدا، والأنكى من ذلك ان هنالك تضامنا تاما من الجمهور مع اية شخصية يقوم بها.

تعود بدايات محمد رمضان للعام 2012 بفيلم "الألماني"، عن شاب مصري يعمل ميكانيكيا ومن ثم يقوم بقتل أحد الأشخاص. ويستمر بهذه الافلام التي لا تقل تشابها من ناحية المبدأ، دائما هو قاتل او مجرم يحمل سيفا يذهب للأعراس، يوقفها، يتجنبه الناس من كثرة التهديدات التي يواجههم بها، ويتابع رحله القتل. المبكي بالأمر: كيف استطاع صناع هذه الافلام ان يبنوا تضامنا تاما مع هذه الشخصية المكررة من قبل الشعب، والتي تعيد نفسها لكن بملابس اخرى شخصية سطحية، لا تمثل بنظري الواقع المصري بشكل أصيل. وهذا حسب استماعي للعديد من الندوات والنقد حول هذه الظاهرة لأن ابعادها اصبحت أكثر من مجرد فيلم او مسلسل، فنلاحظ ان هنالك العديد من الشباب بدا بتقليد محمد رمضان عندما يكون مخمورا او قد تعاطى السموم بالأساس، فترى هؤلاء الشباب يقفون في وسط الشارع ويغلقون حارات كاملة مع سيف طويل وبدون قميص يكررون ما يقوله رمضان بمسلسلاته ويتصرفون مثله ويستعملون الفاظه المؤذية، ويؤذون الحارة وكل من يستطيعون ايذاءه. اضافة لذلك نرى العديد من الشباب الذين لا يملكون المال لكن يذهبون بأموالهم لشراء ملابس عليها صور لرمضان او اغاني تافهة له رغم فقرهم الشديد.

للإنصاف، ففي مسيرة محمد رمضان مسلسل واحد بدور ضابط لكن الجمهور لم يحبه ولم يتفاعل مع هذا الدور فرجع الى ان إعادة المسلسلات الاجرامية مثل مسلسله الاخير الذي عرض في رمضان واسمه جعفر العمدة.

لماذا وصل رمضان الى هذه المكانة؟ برأيي أن نظام السيسي يحاول ان يطور بطلا على مقاسه، بطلا يشتت اعين وقلوب المشاهدين عما يحصل في دولة حاكمها حاكم عسكري وليس مدنيا، لا يعرف التعامل مع الاقتصاد ولا التطور، منظوره حربي محض، فنراه يبيع جزرا لزعماء السعودية ويبيع اراضي للصين ويهرب من القاهرة او بالأحرى من ميدان التحرير ليبني المدينة الادارية بعيدا عن ميدان التحرير، وذلك لكي يكون هناك بعد جغرافي في حالة ان الشعب اعلن عن مظاهرات لإسقاطه. إضافة لذلك فان هذا النظام استطاع ان يبني تلك الجسور والمدن والشوارع الضخمة لطبقة عالية من اتباعه. والتي اثبت فشلها وحتى ان القطار السريع لا يمكن للعامة بان يستقلوه.

اخيرا هنالك عدة موجات من الانتقاد حول محمد رمضان اولها انها من مخلفات العشوائيات، التي بدأت بعد انهيار حكم جمال عبد الناصر واستمرت الى يومنا هذا وهذه الاصوات ضعيفة لا تسمع عادة لأن من يقولها هم المثقفون. كذلك، تأثير النكسة الذي يلازم الدراما المصرية يضيف ايضا لتلك الحالة الفنية الغامضة التي تعيشها الدراما المصرية . وهناك فئة تقول ان العنجهية التي يمارسها الفنانون القدامى من خلال الشللية والمحسوبية هي التي ولدت رمضان من رحم الشعب والى الشعب. وهناك العديد العديد من الآراء التي ليس باستطاعتي ان اضعها بمقال واحد. ولكن في الختام اريد ان استشهد بأحمد زكي، ذلك الانسان الصعيدي اسمر البشرة واليتيم والذي كان يمشي احيانا حافيا للوصول للمدرسة، ووصلت معاناته حد الجوع والعطش والنوم بأرخص الاماكن، لأنه لا يمتلك المال. كل ذلك جعله يقدم لنا بطلا بالباطنية ويرقصنا بكابوريا ويلهمنا بفيلم كلنا فاسدون وغيرها من الافلام الرائعة التي مثلها، لم يستعمل السكين ولم يشتم ولم يتصرف بأمواله باستعباد او باستعلاء، ولم يرمِها بالبركة مثل ما فعل رمضان ولم يتم اقالة طيار بسببه ولم يُطرد من مدينة الاسكندرية. محمد رمضان شخصية كأفلامه تكاد تقترب من التفاهة الممولة بنقود ونفوذ سلطة فاسدة - يتبع.

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة