عن التباين في موقفي الشاباك والجيش، ووظيفة المستوطنين| أمير مخول

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مؤخرا ومع تعزز دور رئيس الشباك الحالي هناك احيانا تباين بينه وبين موقف الجيش في مسألتي الموقف من السلطة الوطنية الفلسطينية، ومسألة اجتياح المدن الفلسطينية وخاصة في شمال الضفة الغربية. تعزز هذا التباين خاصة في اعقاب التورط في جنين، إذ كان موقف الشاباك اقرب الى اجتياح شمال الضفة والقضاء على بنية التحول النوعي لدى المجموعات الفلسطينية، ثم ان الشاباك هو صاحب الاخفاق بشأن عدم الكشف عن العبوات قبل الاقتحام الذي تعثر، وفي موقفه ايضا شيئ من رد الاعتبار الى ذاته. بينما الجيش تحفظ اذ لديه ادوات فتاكة دون الحاجة الى اجتياح او السور الواقي2، على غرار 2003، ففي حينه كانت السلطة و م ت ف هي من تقود الانتفاضة  الثانية، ولذلك اجتاح المدن، بينما اليوم للسلطة موقف منافي تماما لما كان. كما ان الجيش يعتقد ان سلطة قوية تضمن الأمن وتضبط الفعل الفلسطيني، وهو الموقف الذي قاده الشاباك بشكل ثابت، الا انه يبدو هناك تآكل في هذا الموقف.

التحول الحالي هو ان سياسة الحكومة في الضفة يقودها فعليا سموطريتش باستثناء ادارة شؤون الجيش، وهذا حسب الاتفاق الائتلافي الذي هو بمثابة قانون.  كما أن الوزير القوي في الحكومة سموطريتش معني استراتيجيا بالقضاء على السلطة الفلسطينية ولذلك يدعو لاجتياح المدن والمخيمات سعيا للحسم حسب عقيدته. ثم ان المستوطنين يعملون حسب توجيهاته من ناحية وفي المقابل يعمل لحسم قرارات الحكومة على وقع ارادة المستوطنين. كما أن الشاباك يعرف عن تحركاتهم ونواياهم ويرصدها ولديه دائرة متخصصة بهم تدعى الدائرة اليهودية  وبالأصل "الدائرة غير العربية" [في كل مؤسسات الدولة وادبياتها يستخدمون مفهوم "غير اليهود" وفقط في الشاباك "غير العرب"]، لكنه لا يحرك ساكنا لمنعهم، وهذا يعني انه يرى وظيفة لهذا الدور تخدم أهدافه، في فرض السطوة على الفلسطينيين وردعهم، وفي تفتيت أية حاضنة شعبية للتنظيمات المسلحة وهي تقاوم الاحتلال.

ما يحدث من انفلات المستوطنين هو سلوك عقلاني وليس "فورة دم"، بل يخدم خطة الحسم والترويع والتطهير العرقي. حتى المحارق في حوارة وترمسعيا ليست غرائزية بل عقلانية، اي تسير حسب مخطط كبير وتخدمه. فالقرارات بعد عملية عيلي هي ايضا عقلانية وهي بناء 1000 وحدة سكنية في المستعمرة، وكذلك عودة المستوطنين الى بؤرة افيتار الاستعمارية دون منع الجيش لهم، واعلانهم بأنهم عادوا ليبقوا.

وهذا قرار سياسي يتدحرج نحو الجيش الذي ينصاع للحكومة لا للقانون كما هدد رؤسائه قبل شهرين في خضم الصراع في مسألة التشريعات والصراع على استقلالية الجهاز القضائي. من وجهة النظر الاسرائيلية. وهذا يتعارض مع موقف الجيش وتقديراته بعدم رغبته باجتياح المدن الفلسطينية لان ذلك سيجعله يقوم بنمط فعل شرطوي بعد اقتحامها، كما سيستغرق من قوته التي يبنيها ضد ايران والجبهة الشمالية لحين تحين الساعة.

قادة الجيش السابقون ومعهم كل قادة الاجهزة الامنية السابقين يعارضون تقويض السلطة الفلسطينية بل على العكس يرون ان إضعافها خسارة استراتيجية لاسرائيل التي لا تطرح اي افق للحل. الا ان التحول هو في موقف الشاباك حتى وأن لم يكن اجماع عليه داخل الجهاز.

الشاباك برئيسه الحالي يدرك ان اجتياح شمال الضفة قد يقوّض السلطة الفلسطينية لكنه يؤيد الاجتياح المحدود زمنيا وهو يدرك ايضا وكما في كل عدوان، بانه لا يتحكم بالمدة الزمنية، كما انه يدرك ان محرقة ترمسعيا تسدد ضربة معنوية هائلة للسلطة الفلسطينية وعلى العكس يستفيد ايضا من الاصوات الفلسطينية التي تتذمر من "تقاعس السلطة" عن حمايتها بما فيه في مناطق (ج) التي تمنعها دولة الاحتلال من اي تدخل فيها.

الشاباك وبشكل غير مألوف ارسل مندوبه ليتحدث من وراء ستار الى لجنة الكنيست المعنية بالمشاريع لاستيطانية ليدعم مشروع القانون القاضي بتخويل لجان القبول في البلدات الصغيرة لغاية ألف مواطن من رفض سكنى مرشحين للسكن من غير الملائمين لطابع البلدة. وأكد مندوبه الذي تحدث من وراء ستارة، بأن تهويد الجليل مسالة أمن قومي. وقد برر ذلك بالتواصل الجغرافي اليهودي والحضور السكاني اليهودي الملموس، والى ان الدولة ستصغي اكثر الى احتياجات هذا الحضور وتفرض تواجدها التنفيذي والشرطوي وسيقوم الشاباك بمنع اي مس بهذا التواجد باعتبارة معاديا للدولة، وكذلك في اضعاف التواجد العربي المكثف في الجليل ومنع تواصله، وهذه المباديء هي ما رسخه التيار الصهيوديني في الاتفاق الحكومية بشأن تهويد الجليل والنقب ومناطق ج في الضفة الغربية والقدس. كما أكد مندوب الشاباك الذي بقي اسمه طي الكتمان بأن هذا هو موقف رئيس الجهاز رونين بار. وفيه دلالة على احتمالية انصياع هذا الجهاز الى السياسات الوزارية، او التقائه بها في التقديرات.

ردا على محرقة ترمسعيا يوم 21/6/2023 بأنه لم تكن لديه اية معلومات حول النوايا باقتحام المستوطنين لها، ومثل هذه المعلومات ـاتي دائما من الشاباك، بل ان الجيش وكما يبدو كتيبة الضفة لا تنصاع للاركان العامة بل تعتبر انها والمستوطنين كيان واحد، كما ان حالة الارباك الداخلي تجلّت في كون عصابات المستوطنين الارهابية قد قامت بمحرقتها بحماية الجيش وتحت ناظره، بعد ان حاصر البلدة ومنع الدخول اليها او الخروج منها. وهو نهج تاريخي صهيوني في كل المجازر المروّعة.

التباين بين الجيش والشاباك من شانه ان يخلّ بالتوازن الذي كان حاضرا دائما بين الاجهزة الامنية الجيش والشاباك والموساد من جهة وبين الحكومة، سواء في الشأن الايراني ام الفلسطيني وفعليا ما كان حاسما هو موقف الاجهزة الامنية الثلاثة المجمعين عليه. بينما نرى ان الشاباك بات اقرب الى توجهات الحكومة وحصريا سموطريتش المعني وبقناعة بضرورة تقويض السلطة الفلسطينية لتيسير مسروع التيار الحاكم الذي يقوده. (بن غفير تحول الى حالة صوتية لا أحد يصغي له في قضايا الأمن).

في الخلاصة يبدو أن المسألة بشأن تقويض السلطة الفلسطينية لم تحسم بعد داخل الاجهزة الامنية لدولة الاحتلال، وليس بالضرورة ان تكون هذه الدولة قادرة على تقويض السلطة الفلسطينية التي تحاصرها منذ سنوات، لكن يوجد تحوّل نحو ما أشير اليه آنفا، وهو ايضا نابع عن تقييمات كثيرة لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، وهو شأن يشغل دولة الاحتلال بكل منظوماتها وبشكل مكثّف.

كما يتضح اكثر ان الشاباك معني بفك الارتباط والتوقعات بين الفلسطينيين في مناطق ج وبين السلطة، وتعميق تذمر السكان منها ومن عدم توفيرها لأية مقومات للحماية في منطقة يمنعها الاحتلال من اي فعل فيها. وهو مؤشر اضافي الى انزياح معين في الكفة لصالح المعنيين اسرائيليا في تقويض السلطة الفلسطينة.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة