عندما زارني أحد أصدقائي من محافظة رام الله، مجتازاً العديد من الحواجز المذلّة المقيتة، أدركت مجددًا حجم المعاناة التي يعانيها شعبنا الفلسطيني جراء سياسة الاحتلال العدوانية التي لا تفرق بعنصريتها وحقدها بين طفل وامرأة وشيخ أو بيت أو شجرة. أدركت ذلك رغم أنني كنت أعلم، مسبقاً، أن الاحتلال لا يرحم وأن رصاصه القاتل يحصد كل شيء من أجل تحويل الحياة في فلسطين إلى يباب.
التقيت صديقي في بيتي وتجاذبنا أطراف الحديث، طبيعة العمل وأهميته، الأسرة وضرورة الحفاظ على الأصالة العربية الفلسطينية والعودة إلى القيم والمنظومة الاجتماعية الأخلاقية التي تربينا عليها صغاراً، ولا نزال نحن الكبار نؤمن بها ونتمسك بمضامينها.
معاً كنا في بيتنا، في الطيرة الباقية في قلب المثلث الفلسطيني الصامد رغم تغوّل الاستيطان وهدم البيوت وفرض الضرائب الباهظة على المواطنين وممتلكاتهم.
تحدثنا عن وحدانية شعبنا في الضفة والقدس وغزة والجليل والمثلث والنقب وفي مخيمات اللجوء في الوطن والعالم العربي وشتات المعمورة.
تحدثنا عن ضرورة الحفاظ على هذه الوحدة وتأكيدها في عقول شبابنا حتى تظل راسخة في وجدانهم.. فهم عماد المستقبل ونور الأمل القادم من النفق الطويل المظلم الذي يسعى الاحتلال لإبقائنا فيه.
تحدثنا عن بناء المجتمع والمشاركة المجتمعية للشباب والأسر جميعاً، التي تعود بالنفع على أجيالنا القادمة وتعزّز في نفوسهم الحضور الوطني والعاطفي وتعمل على تمتين جبهتهم الداخلية من الاختراق والتشويش والتغييب.
ها هو ابني الغالي أحمد يشق طريقه بنشاط الفارس الهمام الذي لا يلتفت إلى الخلف، وها هو الحفيد الحبيب فالح، أيقونة العائلة ومهجة روحها في حضن والده وجدته الرؤوم سوزان وجدّه الذي يخطط له طريق المستقبل العامر بالفرح وألفة الحياة.
نعم يا صديقي، فبالرغم من كل الصعاب التي نعيشها، وبالرغم من كل العقبات والحرائق السياسية والاجتماعية، نبذل الجهود لإرساء حياة أفضل لأبنائنا، فهذا هو الأمل الذي نعيش لأجله ليرى أبناؤنا ما زرعنا لهم في المستقبل من إشراقات تفتح لهم طريق الأمان والاستقرار والرغبة في الإبداع.
عملنا على ترسيخ فكرة الوطن في قلوب أطفالنا، على نفس النهج الذي سار عليه آباؤنا وأجدادنا من قبلنا، هؤلاء الذين عاصروا المأساة بتفاصيلها منذ عام 1948م وما قبله، وظلوا صامدين ثابتين لم يثنهم جبروت الاحتلال وعصاباته الدموية عن الحفاظ على أرضهم وثقافتهم وتاريخهم.
ومهما حاولت الصهيونية، بكل ما أوتيت من إعلام كاذب وحقائق مزورة وروايات كاذبة تحاول غرزها في ذاكرة أبنائنا، فإنها ستفشل، حتماً، في كل حملات التضليل والكذب والخداع لتثبت أن فلسطين هي وطنهم و"أرض ميعادهم".
فالأرض لنا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وهي لأبنائنا من بعدنا، وأن أساطير الصهيونية المُضَلّلة لن تفيد الاحتلال في شيء، فهم يعلمون في حقيقة أنفسهم أن فلسطين عربية، وأنهم جاؤوا غزاة دخلاء عليها، قتلوا وشردوا وأحرقوا المنازل والبيوت والحدائق والبيارات والميادين وهدموا معالمها ليبسطوا سيطرتهم عليها بعد أن أخفوا ملامحها بجرائمهم المبرمجة مسبقاً.
ولا صحة لما يتناقله اعلامهم الكاذب المزيّف، من أن فلسطين لهم وأن القدس عاصمتهم الأبدية والتاريخية، إنها حجج واهية من أجل المزيد من الاستيطان والمصادرة وتزوير الحقائق الثابتة على الأرض وفي التاريخ القديم والجديد الذي نحفظه وسيحفظه أبناؤنا عن ظهر قلب.
فمنذ عام 1948م -1951م استشهد أكثر من خمسة آلاف عربي فلسطيني على أيدي عصابات شتيرن والهجاناه، وبدأ "التطهير العرقي" في حيفا واللد قبل عام 1948م، ويستمر ارتكاب المجازر في جنين وطولكرم ونابلس وأريحا إلى الآن من أجل تثبيت روايتهم وإهدار حقوق شعبنا صاحب الأرض ومالك عقود ملكيتها.
وليس صحيحاً أنهم انتصروا علينا وهم أقلية، فقد تجاوز عدد أفراد عصاباتهم المسلّحة بأحدث الأسلحة مئة وثمانية آلاف مسلّح مدرّب على أحدث الوسائل القتالية، مقابل أعداد قليلة من العرب الفلسطينيين الذين كانوا يمتلكون أبسط الوسائل القتالية والأسلحة البدائية.
هذه هي الحقيقة يا صديقي الغالي.
إنه الاحتلال الذي تفوّق بسفك دماء الفلسطينيين وسرقة أرضهم وذكرياتهم فيها على كل احتلال في العالم.
انه الاحتلال الإحلالي الذي يرفض الآخر ويحلّ محلّه في وطنه، يطرده منه ليقيم المستوطنات وبؤر الحقد والكراهية والموت، هو نفس الاحتلال بنسخته المتطورة التي لا تبقي ولا تذر، هو نفس الاحتلال بأنيابه المستعرة ورصاصه المُميت وفكره الحاقد اللئيم على الشعوب والإنسانية بشكل عام.
لكننا صامدون رغم كل شيء، رغم الألم والاعتقال والاضطهاد وإنكار الحق..
صامدون نبني أحلامنا ومستقبلنا بكل ثقة وإيمان بحتمية انتصارنا على الباطل.
صامدون.. فهذا وطننا.. وهذا تاريخنا.. وهذه أرضنا التي حرثناها ونحرثها بجهدنا وعرقنا وطموحنا وعشقنا لكل ذرة تراب فيها.
كم هي صعبة المعاناة يا صديقي، كم هي قاسية هذه التجربة.
فالحواجز العسكرية تقطع أوصال المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية وتمنع التواصل فيما بينها.
لكنهم خائفون ومرعوبون يا صديقي.
رأيت ذلك الخوف في عيونهم..
وصلنا جميعاً إلى الحاجز العسكري القريب من قرية رنتيس والذي يفصل رام الله وقراها عن امتدادها الطبيعي فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.
ألم تلاحظ معي ذلك الخوف الذي يسكن عيونهم ووجوههم وحركاتهم على الحاجز.
فهم يعرفون تمام المعرفة يا صديقي بأن هذا الوطن ليس لهم وأنهم غزاة طامعون جاءوا من أقطار العالم ليستوطنوا هنا، ويجثموا على صدورنا...هم يعرفون ذلك ومقتنعون بأن فلسطين لأهلها الأصليين وليست لهم.
وأمام هذا التحدي الكبير بيننا وبينهم يا صديقي، تبقى اللحمة الوطنية هي الأساس في عقيدتنا.. فنحن شعب واحد، كنا وما نزال وسنبقى..
شعب واحد يا صديقي يحمل نفس الثقافة والرؤيا والعادات والتقاليد.. شعب واحد ودم واحد وهدف واحد لا يقبل القسمة أبداً..
شعب واحد.. لا شعبان يا صديقي العزيز..
تحياتي وتحيات أسرتي وعائلتي لك ولكل حرٍّ واثقٍ بأن شمس الحرية قادمة بكل تأكيد.
وإلى اللقاء في فضاء حرية وارفة.
(الطيرة / المثلث)
في الصورة: لوحة للفنان الفلسطيني نبيل عناني



.png)





.png)
