news
ملحق الجمعة

كوبا تكسر حصارها بجيوشها البيضاء وأخلاقيتها الساطعة

"عندي عن كوبا أشياء وأشياء، كوبا باقية أمًا... تلد الثورات وليست جارتها عاقر"

إنّ التضامن الأممي المرسّخ في سجلّات الثوريين والمنبثق بدوره عن الأفكار الاشتراكية والشيوعية ما برح مكانه وقيمته الانسانيّة الرّوحانية من قلب كوبا المحاصرة المنكوبة، النموذج الحيّ الواعد الّذي ينصب نفسه فأسًا يدقّ أكفان الدول الامبريالية الرأسمالية النّاهبة الّتي يُرجى أن تندحر سطوتها بعد دفن وباء كورونا، وتتجاوزه إلى استحداث مجتمعاتٍ واعية قاطبة بجموعها الحرّة نحو تحصيل حقوقهم في منظومات تعنى بالأساس بتوفير ثقافة الانعتاق والسّعي نحو رفعة، ارتقاء، وتبجيل البشرية. 

في خضمّ المعركة الإنسانية الّتي ترافق العالم بأكمله جراء الوباء العالمي كوفيد 19، تتمخّض في وجهنا تجارب الاشتراكيين محدثةً انقلابها المعهود كما لو أنّها تقاوم وبرغبة جامحة على جبهة قتال، حيث يقف في الضفة المقابلة لها فيروس وبائي يقض مضاجع الوَرى، وأنظمة فاشية –ستندحر يومًا- تحركّها ذيول الاستغلال والربح وتستفحل بصحة الخلقِ وتأكل لحمهم بغير اكتراث ولا حساب. 

لا يمكن عزل التجربة الصينيّة بتفردها والّتي باتت قاب قوسين أو أدنى من حلّ معضلتها وحصد نجاحها وتميّزها في القضاء على الوباء بالطرق السّليمة الفطنة والحكيمة، عن نظيرتها الكوبية، فمن قاد حركة 26 يوليو وأطاح بالمجرم باتيستا ونظامه الديكتاتوري المدعوم من أمريكا والخادم لها رغم تجييش العملاء ومحاولات الرضّ والخرق والشقّ، لا بدّ أن يعلّمنا درسًا في معنى العصيان والتمرّد والانتفاضة ضدّ معايير التوّحش التي تنتهجها كلّ الأنظمة إيّاها والّتي لم تنفك ولم تزغ عن تهشيم الصّحة واللهث في المقابل إلى تحقيق أسس الاشتراكية علّها تنتشل اخفاقاتها الخبيثة، المتعمدة، الحقيرة والساقطة في معقل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والّتي سترى انعكاساتها من تجويع، تعطيل وكساد ستلقى الشعوب أثره على المدى البعيد، من دول الاتحاد الأوروبي الخسيسة الّتي تغلق أبوابها في وجه ربيباتها والى دولة الأفاضل الّتي سيجرّدها الكون ممّا حاولت توريته طوال هذه السّنين، من تصدعات سياسيّة وبهتان وإيهام، وشروخ أخرى في قطاعاتها نتيجة الدوس على حقوقنا كأقلية أصلانيّة تحاول الصمود مدنيًا وقوميًا في وجه الاحتلال، وخمد كلّ فرصة ممكنة لثورة ممّن يشاطروننا همّ استلائها على مدخرات الحياة وأبسطها الصّحية.

"كوبا كانت عارية... حافية القدمين

تعدو في حقل السّكر حافية القدمين

تسكن كوخًا من طين

تلحسُ صحنًا...

تسكر من رائحة الأفيون" 

ستون عامًا من الحصار لم تثن كوبا عن بثّ سلامها، لمَ لا؟ وممّا تخشى كوبا؟ دولة تضع نصب أعينها أولوية ومهمّة الدفاع عن الحق في الرعاية الصحية الشاملة والمجانية لجميع السكان رغم كل الأزمات الّتي قد تلحق بها، ما الّذي سينحّيها جانبًا وهي الّتي تؤمن بالعدالة البشرية والإنسانية والأممية حينما تشكوها النازفة إيطاليا؟ أو الجمهورية البوليفارية؟ ما الّذي سيمنعها أو يخيفها بحقّ وهي الّتي ينتشر خبراؤها الطبيين في أصقاع الأرض؟ بل وهي الّتي تمتلك برامج صحيّة كانت قد عملت بها سابقًا في بلدان أخرى أثناء انتشار فيروسات قاتلة كذلك مثل "زيكا"، الكوليرا وإيبولا.

إنّ ما تجلبه لنا كوبا اليوم في ظلّ انتشار الكورونا وتفاقم الرّعب والجنون هو عبرة تجبرنا أن نمعن النّظر لنستقيها بكلّ تعطّش، رفعت كوبا حالة التأهب وبشكل مباشر استعدادًا لاستقبال الكورونا ومكافحته، -من تخلّص من مجون الديكتاتوريات الحقيرة وخلّص الانسان منها لن يلجمه هذا الفيروس- بل سيزيده اصرارًا للدفاع عن كيانه وحضوره ووجوده. هنا أصرت كوبا وبمجرد إصابة أحد السياح بالفيروس أن تعلن عن تعليمات وتدابير احترازية للحد من انتشاره، وأوقفت عمل المدارس وعلّقت عمل المواصلات العامة. 

وفي الوقت الّذي عزّزت لنا الصّين الشعور بالمسؤولية تجاه العالم رغم ما تعصفنا به الأحوال، قامت كوبا بتأجيج شعور الوئام والارتباط بالشّعوب، بالرغم كل الخطورة الكامنة التي قد يصحبها اجتياح للفيروس تعطي الاذن لسفينة سياحية بريطانية تحمل مصابين بأن ترسو بشراعها الممزق في مينائها، وذلك بعد يومين كانت من الاستجداء كانت قد أغلقت دول النفاق والتملّق مصراعيها في وجه السفينة، الأمر الّذي أخضع الحكومة البريطانية أن تلجأ لكوبا منكسرة ومذلولة.

ولم يكن ذلك الحدث الّذي أثبت جدارة كوبا بالإجلال والتمجيد والتقدير، بل بعثتها لأطبائها، ذخر المرحلة الآنية الى إيطاليا وغرناطة وفنزويلا وسورينام، جاميكا، وجرينادا في محاولة جمعية علياء للقضاء على كورونا. 

ولعلّ المساندة الّتي أثرت بنا جميعًا كانت لإيطاليا التي يسيل دمعها يوميًّا حيث تفوح رائحة الموت منها، والتي فاقت حتّى ضحايا الصّين بؤرة تفشّي الوباء. لم يوقف كوبا حصار الثعابين لها، حتّى أرسلت فريقًا طلائعيًا من الأطباء والممرضات إلى إيطاليا مطلع هذا الأسبوع للمساعدة في مكافحة فيروس كورونا، جيوش بيضاء عهدناها منذ تفجر الثورة الشيوعية تنطلق إلى كلّ كارثة في شتّى أنحاء العالم من أجل تخليصها من مرارها، جنود مجنّدة من أجل إرساء مبادئ مثلى.

إنّنا ورغم الخسارات الّتي لن يدفع ثمنها غير المستضعفين نتعلّم، أجل... تتلمذنا تدابير وإجراءات الاشتراكيين وتقول لنا بشكل ساطع، ناصحٍ مبين وجليّ: لم تولد الرأسمالية ولعقود طويلة الا الحروب، ولم تروّض أي قيمة أخلاقية يحتذى بها، لأنّها ببساطة تتعامل مع كل مبتغى تود الإنسانية أن تحققه وكأنّه مورد أو مصروف، شيء رخيص لا زهد فيه ابتكر ليباع ويشترى، الأمر الّذي يحول دون صنع بيئة حاضنة للتناحر والأنانية والصدام والاجرام والاستيلاء على كل شيء... نعم كل شيء حتّى لو كان أظفورًا صغيرًا بزغ حديثًا في جسم طفلٍ ملتحف برحم أمّه.

بالمحصّلة لا يمكن أن نتعلّم مكنون الإنسانية وعوائدها الخيّرة الّتي باتت سلوكًا مغتربًا عن حكومات وأوطان وصيرورة تفاقمها المشروع طويل الأمد إلّا ممّن كسّروا قيدهم، أمّا الّذين قيّدوا واحتلّوا واستعمروا الإنسانية وحاصروها على مدى قرون كما قال الأب فيدل كاسترو، فلا يستطيعون أن ينبسوا ببنت شفة عن كلّ ما يتعلّق بالإنسانية، وكلّما غابت هافانا عنّا ستذكّرنا أنّها أهل لكل شيء.

فشكرًا لمجدها

"شكرًا للطريق الّذي

لمّ خطانا من مدًى أسود

نقول: شكرًا للقطارِ الّذي 

توأمنا على نفس المقعد"

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب