news
ملحق الجمعة

ليبيا بين فكي الاستعمار

خضعت ليبيا مئات السنين للحكم العثماني وفِي العام ١٩١١ احتلت إيطاليا ليبيا وأصبحت ليبيا مستعمرة إيطالية، وكانت دول شمال إفريقيا قد خضعت للاستعمار الفرنسي (الجزائر عام ١٨٣٠، تونس ١٨٨٢ والمغرب عام ١٩١١).

قاومت ليبيا هذا الاستعمار منذ اليوم الأول بقيادة السنوسيين، لكن البطل الأبرز كان عمر المختار، أسد الصحراء، الذي اشتبك مع الإيطاليين المحتلّين لبلده في عدد كبير من المعارك واشتدّت مقاومته للإيطاليين بعد استلام الفاشيين الحكم عام ١٩٢٢، فقد شدّد الفاشيون قبضتهم على الليبيين، وكان رد فعل الليبيين حاداً وقاد المقاومة ضدهم عمر المختار وكان في الثالثة والخمسين من عمره عندما بدأ نضاله، وامتدّ هذا النضال أكثر من عشرين عاماً إلى أن قُبِض عليه وأُعدم شنقاً عام ١٩٣١ وكان في الثالثة والسبعين.

من المعارك التي خاضها قبل وصول الفاشيين على سبيل المثال لا الحصر، معركة في ١٦ أيار ١٩١٣ وقد دامت يومين وانتهت بمقتل سبعين جندياً إيطالياً وجرح أربعمائة.

في العام ١٩٢٢ بعد سفر إدريس السنوسي إلى مصر مدعياً المرض، أصبح عمر المختار قائداً للثورة وقاد الهجمات ضد الطليان في بُرقة ورفض عمر المختار عدة عروض مغرية من الإيطاليين للتوقف عن محاربتهم منها إغراءات مادية ومناصب هامة. سافر إلى مصر لإطلاع السنوسي على مجريات الأمور وفِي طريق عودته من مصر إلى بُرقة مرّ ورفاقه في موقع يقال له بئر الغبي، فانقضت عليه سبع مصفحات إيطالية، ويقول عمر المختار أنّهم كانوا خمسين مسلّحاً واستطاعوا إحراق ست مصفّحات إيطالية ونجت واحدة.

بين ١٩٢٣ و١٩٢٨ ألغت الحكومة الإيطالية الفاشية كل الاتفاقات مع السنوسيين وبدأت بسياسة جديدة أساسها الحرب والإخضاع بالقوّة.

في ١٠ تموز ١٩٢٢صدر مرسوم الذي اعتبر كافة الأراضي غير المزروعة والمهجورة ملكاً للدولة الإيطالية. وفِي ١٠ شباط ١٩٢٣ صدر مرسوم يقضي بمصادرة الأراضي التي لا يقوم أصحابها بأعمال الري، في ١١نيسان ١٩٢٣صدر مرسوم بنزع ملكية أرض وممتلكات" المتمردين والأشخاص المتورطين في مساعدتهم، ومرسو م ١٩ تشرين الثاني ١٩٢٣ الذي نزع ملكية الأراضي الخاصة والجماعية التي لم يجر فيها بذر أو غرس لمدة ثلاث سنوات، وجرى ذلك في فترة عمليات حربية لم يكن بإمكان الفلاحين الوصول إلى أراضيهم. وقد بلغت مساحة الأراضي المصادرة عام ١٩٤٠، ٨٠٠ ألف هكتار.(ما أشبه هذه القوانين بقوانين مصادرة الأراضي العربية من قبل حكومات اسرائيل المتتالية).

بلغ عدد الأسر الإيطالية التي استوطنت ليبيا وعملت بالزراعة ٣٩٦٠ عائلة مجموع أفرادها ٢٣٩١٩، أمّا جملة الإيطاليين الذين استوطنوا ليبيا فقد وصلت إلى ١١٠آلاف شخص.

هذه السياسة الجديدة أدت إلى تفجر حرب عنيفة في أنحاء الجبل الأخضر، وهنا لمع اسم عمر المختار وبدأ أبناء القبائل بالانضمام إلى صفوف المجاهدين بقيادته، وأخذت القبائل تمد المجاهدين بالمؤن والعتاد والأسلحة، وكان معسكر البراغيث مقر قيادة عمر المختار، وقد لقِّب بنائب الوكيل العام. اعترف حاكم بُرقة فيما بعد في مذكراته أنّ ملاحقة الثوار في الجبل الأخضر انهكت الجيش الإيطالي وليس الثوار فقط، وهذا يعني فشل هذه السياسة، إذ أنّ الضربات المتلاحقة التي وجهها الثوار للجيش الإيطالي كان لها أثرها المعنوي السيّئ على الفرق العسكرية الإيطالية التي لم تستطع الرد على هجمات الثوار المفاجئة.

في العام ١٩٢٧ تولّى ميزني منصب القائد العام القوات الإيطالية في ليبيا وكان عضواً في الحزب الفاشي، وأرسل هذا القائد غرتسياني لاحتلال جغبوب وقد نجح في احتلالها واحتلال مناطق أخرى، بعد أن نجح في إقناع عدد من رؤساء القبائل بالكف عن دعم الثوار وقد أغراهم بالمال والدعم، من ناحية أخرى بدأ الرضا السنوسي بمفاوضات مع الإيطاليين وطلب من عمر المختار التوقف عن قتال الإيطاليين فرضخ الأخير إلى أن تتضح الصورة.

لم يتوقف عمر المختار عن مقارعة الإيطاليين ففي ٢٨ آذار ١٩٢٧ وقعت معركة بين المجاهدين والإيطاليين عرفت بمعركة الرحيبة وهُزِمت القوات الإيطالية وتكبدت خسائر جسيمة، وقد دفعت هذه الهزيمة الإيطاليين لتكثيف القوات استعداداً لاحتلال الجبل الأخضر وشملت القوة دبابات وسيارات مصفحة كذلك مشاركة لسلاح الطيران الإيطالي، واشتبكت هذه القوات بقوات الثوار التي بلغت ألفي جندي في معركة عقيرة أم الشفاتير. وقد نجح عمر المختار في خلق تكاثف قبلي ضد العدو المستعمر فانتهت المعركة بنصر على الإيطاليين واستشهد في العركة عدد كبير من الليبيين وصل إلى مائتي قتيل.

لكسب الوقت قرّرت الحكومة الإيطالية البدء بمفاوضات مع عمر المختار وماطلت في عقد اللقاءات معه كي تكثف قواتها وتعيد تنظيمها، من ناحيته رفض عمر المختار كل الاقتراحات الإيطالية لأنها لم تضمن أي حق سياسي للليبيين.

عندما تأكد عمر المختار أن لا جدوى للمفاوضات مع المحتل المستعمر، خطب في ابناء شعبه ومجاهدي هذا الشعب قائلاً: "فليعلم إذاً كل مجاهد أنّ غرض الحكومة الإيطالية إنّما بث الفتنة والدسائس بيننا لتمزيق شملنا وتفكيك أواصر اتحادنا ليتم لهم الغلبة علينا واغتصاب كل حق مشروع لنا، كما حدث كثير من هذا خلال الهدنة لكن بحمد الله لم توفق إلى شيء من ذلك.

ليشهد العالم أجمع أنّ نوايانا نحو الحكومة الإيطالية شريفة وما مقاصدنا إِلَّا المطالبة بالحرية، وإنّ مقاصد إيطاليا وأغراضها ترمي إلى القضاء على كل حركة قومية تدعو إلى نهوض الشعب الطرابلسي وتقدمه، فهيهات أن يصل الطليان إلى أهدافهم ما دامت لنا قلوب تعرف أنّ سبيل الحرية بذل كل مرتخص وغالٍ، لهذا نحن غير مسؤولين عن بقاء هذه الحالة الحاضرة على ما هي عليه حتى يثوب أولائك الساعًون إلى القضاء علينا إلى رشدهم ويسلكوا السبيل القويم ويستعملوا معنا الصراحة بعد المداهنة والخداع".

في شهر تشرين الأول ١٩٢9  نجح الطليان في الانتصار على المجاهدين في معركة كبيرة وفِي أيلول ١٩٣١ قُبِض على عمر المختار، وبعد القبض عليه قال عنه غرتسياني القائد الإيطالي الذي حاربه لسنوات طويلة "هذا الرجل أسطورة الزمان، الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام، لأنّه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة العربية في بُرقة، كذلك كان المنظّم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها سنين طويلة".

في١٥ أيلول ١٩٣١ جرت له محاكمة صورية في بناء البرلمان القديم، وفِي ١٦ أيلول تمّ إعدامه شنقاً.

 

ممارسات الاستعمار الإيطالي

نتيجة لمصادرة الأراضي الليبية وانتقالها إلى الإيطاليين لم يبق للسكان المحليين إِلَّا القليل، ففي الواحات حيث لم تنزع الملكية لم تزد ملكية الليبي على هكتار واحد بينما كان معدل حيازة المستوطن الإيطالي ١٠ هكتارات.

في بداية العام ١٩٣٩ أصدر الحاكم العام في ليبيا مرسوماً يحد من رعي الماشية بالنسبة لسكان ليبيا الأصليين، في الوقت نفسه مُنحت للإيطاليين امتيازات في استغلال المراعي.

في ظل هذه الظروف اضطرت الجماهير العربية الكادحة أن تعمل في مزارع المستوطنين الإيطاليين، وقد بلغ عدد الأجراء الزراعيين العرب حوالي ٣٠ ألفاً.

(الفلاحون العرب الفلسطينيون انخرطوا في سوق العمل في المدن والمستوطنات اليهودية بعد أن صادرت الدولة أراضيهم).

إضافة لذلك أصبحت ليبيا سوقاً لتصريف البضائع الإيطالية، ففي ١٩٣٦ كان العجز في الميزان التجاري لليبيا 515,3 مليون ليرة وفِي ١٩٣٧ وصل إلى773,1 مليون ليرة.

عشية الحرب الأيطالية الحبشية أقام الإيطاليون فيلقاً ليبياً واستعمل كوقود بشري في إفناء الوطنيين الإثيوبيين والأسبانيين (كان الإيطاليون في الحرب الأهلية بين النازيين بقيادة فرانكو وبين الاشتراكيين والديموقراطيين المدعومين من الاتحاد السوڤييتي). في العام ٩٣٦ قام الإيطاليون باحتلال إثيوبيا- الحبشة. وعشية الحرب وفِي العام ١٩٣٥ ورغبة من الفاشيين في استمالة الليبيين إلى جانبهم في الحرب، أنعم ملك إيطاليا بوسام على ممثل آل قرمنلى (الذين كانوا حكام ليبيا من١٧١١ إلى١٨٣٥) أملاً في استغلال نفوذه بين القبائل العربية. وفِي العام ١٩٣٦ أعادت الحكومة الإيطالية إلى مائتين من الإقطاعيين العرب أراضيهم المصادرة.

في الوقت نفسه إقترح محمد إدريس المهدي السنوسي الذي كان لاجئاً في مصر كما ذكرنا سابقاً على قائد القوات البريطانية في شمال إفريقيا تقديم فيلق ليبي قوامه ١٤ألف محارب، وقد ساهمت كتائب السنوسيين الخمس في الحرب إلى جانب البريطانيين وتقديراً لخدماته اعتبر الأمير السنوسي سفيراً لبريطانيا العظمى.

بعد هزيمة رومل والقوات النازية والفاشية في شمال افريقيا وقعت ليبيا تحت سيطرة السلطات العسكرية البريطانية والفرنسية وكانت ليبيا مدمّرة تماماً.

 

ليبيا تحت الحكم العسكري الأنجلو- فرنسي

لم تفِ الدول الإمبريالية بوعودها للسنوسيين بل على العكس فقد قامت قوات فرنسا وبريطانيا باحتلالها وتمزيقها إذ استولت فرنسا على إقليم فزان واستولت بريطانيا على إقليمي طرابلس وبُرقة، وحاولوا عزل كل إقليم عن سواه من الناحيتين الإدارية والاقتصادية، وقد نظر البريطانيون والفرنسيون إلى أقاليم ليبيا كمستعمرات وقواعد عسكرية لهم، إذ كانت وزارتا المستعمرات البريطانية والفرنسية تشرفان على جميع المسائل المتعلقة بهذه الأقاليم، وفِي فزان طبق الفرنسيون القوانين السارية في الجزائر، وضُمّت واحة غات الليبية إلى جنوب الجزائر وواحة غدامس إلى جنوب تونس (كانت الجزائر وتونس تحت الاستعمار الفرنسي).

أقام الفرنسيون قواعد عسكرية ومطارات في فزان، وأقام البريطانيون قواعد بحرية في موانئ طرابلس وبنغازي وطبرق، كذلك سمح البريطانيون للأمريكيين بإقامة قاعدة هويلس الجوية في الملاحة قرب طرابلس.

كان الوضع الإقتصادي في ليبيا حين حصلت على الاستقلال عام ١٩٥١ بالغ الصعوبة ذلك أن البريطانيين والفرنسيين لم يقوموا بأية خطوات فعلية لإعادة الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي.

لاحظ مبعوث الأمم المتحدة أنّ السكان يعانون من الجوع المتواصل، وأنّ ٩٠ بالمائة من السكان أميون، وأشار إلى انعدام الخدمة الطبية للسكان، والذي يؤكد الصورة المذهلة للفقر أنّ مستوى دخل الفرد في السنة كان  ٣٠دولاراً فقط!!

بدأ الليبيون نشاطاً سياسياً مناوئاً لكل عودة لأي سيطرة أجنبية على بلادهم، وانخرط معظم سكان البلاد وفِي مقدمتهم أهالي المدن في الحركة الوطنية التحررية، وتصاعد نضال الشعب الليبي من أجل وحدة واستقلال بلاده.

في ربيع ١٩٤٩ عُرضت قضية ليبيا على الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفِي هذه الدورة حاولت الدول الغربية تحقيق مخططها لتجزئة ليبيا، بحيث تصبح أقاليم طرابلس وبرقة وفزان مناطق نفوذ إيطاليا وبريطانيا وفرنسا على الترتيب. وكانت الولايات المتحدة تبارك هذا المخطط.

سخط الشعب الليبي عند سماعه هذه المؤامرة واجتاحت كافة المدن الليبية مظاهرات صاخبة ضد الإمبريالية، وصاحبتها حركة إضراب عام. وقذفت الجماهير الإدارة العسكرية والمدنية البريطانية بالحجارة، ونزعت العلم من فوق القنصلية الأمريكية.

بمبادرة الاتحاد السوڤييتي بتأييد وفود أخرى رفضت الأمم المتحدة في ١٧ أيار 1949 المشروع الإمبريالي. وتقاطر الليبيون من كل حدب وصوب إلى طرابلس للمشاركة في مظاهرة الفرح بالقرار وهتف عشرات الآلاف بشعارات معادية للإمبريالية ومحيية للاتحاد السوڤييتي.

في أول حزيران ١٩٤٩ أعلن إدريس السنوسي عن عزمه تشكيل حكومة لبرقة المستقلة وقد رحبت كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بإعلان استقلال بُرقة. أما عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية فقد رأى بهذه الخطوة سعياً نحو تقسيم ليبيا وأنّها حماية للمصالح البريطانية.

بطلب من الاتحاد السوڤييتي قررت الدورة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني١٩٤٩ إعطاء ليبيا الاستقلال في فترة لا تتجاوز أول كانون الثاني ١٩٥٢. في٢٤ كانون الأول ١٩٥١ أُعلِن عن استقلا ل المملكة الليبية المتحدة كمملكة دستورية على رأسها محمد إدريس المهدي السنوسي الذي أصبح يسمى الإدريس الأول.

 

ليبيا تحت الحكم السنوسي

على الرغم من قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا، استمرت الدول الإمبريالية بأشكال مختلفة في تقوية الإتجاهات الإنفصالية وأضعفت قدرة الدولة الفتية على مقاومة تغلغل الإستعمار الجديد، وزادت أعباء الحكم الفدرالي الذي فرضته الدول الإمبريالية في فترة كانت البلاد فيها تمر بوضع مالي بالغ السوء. لقد بذل الإمبرياليون قصارى جهدهم وهم ينسحبون في المحافظة على بقائهم في مواقع جديدة وبأشكال جديدة وأساليب جديدة للإشراف على البلاد والحيلولة دون نمو الحركة الوطنية التحررية، وكان الملك أداة في يد من كان ركيزتهم الاستعمار ككبار الإقطاعيين وشيوخ القبائل الذين يحتلون المواقع القيادية في الحياة الاقتصادية والسياسية في البلاد. لذلك جرى التعامل بقسوة مع الحركة الوطنية النامية، ففي العام ١٩٥٢صدرقانون حظر نشاط الأحزاب السياسية، وفِي عام ١٩٥٥ صدر قانون يمنح الحكومة الحق في فرض حالة الطوارئ، وفِي العام ١٩٥٦ صدر قانون يقضي بفرض القيود على الاجتماعات المظاهرات وبتحريم الإضرابات.

استغلت كل من بريطانيا والولايات المتحدة الصعوبات الاقتصادية التي عانت منها الدولة الفتية لفرض اتفاقيات عليها منها المعاهدة البريطانية الليبية والأمريكية الليبية، فالمعاهدة الأولى التي كانت لمدة عشرين عاماً وفُرضت عام ١٩٥٣ وسميت بمعاهدة "الصداقة والتحالف"، أعطت لبريطانيا حق الإبقاء على قواتها المسلحة في الأراضي الليبية واعطت المعاهدة للموظفين العسكريين البريطانيين حق الحصانة. وأعطت المعاهدة لبريطانيا الحق في بناء الطرق وأنابيب البترول والقيام بالأعمال الهندسية والتصويرية والطوبوغرافية، مقابل ذلك تدفع بريطانيا لليبيا إعانة سنوية قدرها 3 ملايين و ٧٥٠ ألف جنيه إسترليني لتغطية عجز الميزانية!

أمّا المعاهدة الأمريكية الليبية الموقعة عام ١٩٥٤ فنصت أن يكون وضع قاعدة هويلس الجوية قانونياً لمدة ١٧ عاماً، وتدفع الولايات المتحدة إيجاراً سنوياً قدره أربعة ملايين دولار في السنوات الست الاولى ومليون دولار في السنوات الإحدى عشر التالية، والأسوأ في هذه المعاهدة هي المادة الرابعة فهي لم تقرر فقط للولايات المتحدة حق الاحتفاظ بقوات أمريكية في ليبيا، وإنّما سمحت لها بحق تدريب قوات البلدان الأخرى في أراضيها.

كما نرى فإنّ المعاهدتين تتعارضان مع سيادة ليبيا واستقلالها الحقيقي، فقد كانت قاعدة هويلس الجوية أضخم قاعدة جوية أمريكية في القارة الأفريقية وبلغ عدد العاملين فيها ١٢ ألف موظف عسكري. أمّا القواعد البريطانية فقد كانت مركز انطلاق القوات البريطانية إلى الشرق الأقصى وإفريقيا والخليج العربي. ورغم المطالبة الشعبية بتصفية القوات العسكرية الأجنبية بِعد حرب ٦٧ بين اسرائيل والدول العربية، بقيت معظم القواعد البريطانية وبقيت القاعدة الجوية الأمريكية.

 

استخراج البترول وصناعته وازدياد التغلغل الإمبريالي

بدأ التنقيب عن النفط في ليبيا بعد اكتشافه على الحدود الجزائرية الليبية عام ١٩٥٥. صحيح أنّ الهبة ضد الإمبريالية كانت قوية خاصة بِعد ثورة يوليو١٩٥٢، وهذا ساعد في أن تكون اتفاقيات التنقيب عن النفط أفضل من السابق، فقد اشترطت الحكومة الليبية أن تكون حصتها ٥٠ بالمائة من عائدات النفط، لكن هذا لم يغيّر من واقع كانت المسيطرة فيه على النفط هي سبع شركات أمريكية، اثنتان ألمانيتان واثنتان إيطاليتان. وهي الشركات صاحبة الامتياز، وطبقاً لمعطيات ١٩٦٩ كانت تعمل في ليبيا ٤٢ شركة بترول أجنبية، ٢٢ منها أمريكية استأثرت بنسبة ٨٠ بالمائة من الإستثمارات وب٩٠ بالمائة من البترول المستخرج من ليبيا.

نتيجة لتصدير النفط أصبح ميزان التجارة الخارجية الليبية يتميز بفائض وصل إلى ٤٣٩٦ مليون جنيه ليبي عام ١٩٦٨ وازداد معدل الدخل الفردي من ٣٥ جنيها ليبيا إلى٣٥٠ جنيهاً ليبياً في السنة.

كانت سياسة الحكومة الليبية متناقضة إذ استمرت في تشجيع نشاط الشركات الأجنبية وتواصل في منح الامتيازات، في الوقت نفسه كانت تسعى لتنمية الاقتصاد الوطني وقد تجلّت هذه السياسة بوضوح في القرار الذي اتخذته الحكومة عام ١٩٦٨ الذي أعطى الممولين الأجانب 

تسهيلات عديدة ومتنوعة عند تنفيذ المشروعات التي توافق عليها الحكومة الليبية. بطبيعة الحال لا يستطيع الاقتصاد الفتي في الدولة أن ينافس الشركات الأجنبية ذات الخبرة والجودة والمواد الخام التي تنهبها من الدول الواقعة تحت سيطرتها ونفوذها.

لذلك لم يتغير وضع الجماهير الليبية الكادحة لأنّ المستفيدين من اكتشاف النفط كانوا حفنة صغيرة من الأثرياء، أمّا الجماهير الكادحة من فلاحين وبدو فلم يحصلوا على شيء، وسرت عملية إفقار الغالبية العظمى من الجماهير بمعدل أسرع بكثير من تحولها إلى جماهير بروليتارية، ويرجع هذا إلى البطء الشديد في تنمية القاعدة الصناعية للبلاد (لأنها لا تستطيع منافسة الصناعات الأوربية التي كانت تدخل بسهولة إلى الأسواق الليبية)، وتخلف أسلوب الإنتاج الرأسمالي في قطاع الزراعة.

رغم الإجراءات التي اتخذت في مجال التعليم كانت نسبة الأميّين ٧٣ بالمائة عام 1969.

 

إسقاط النظام الملكي وقيام الجمهورية العربية الليبية

من الأسباب التي أدت إلى ثورة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ هو ما ذكر سابقاً، الوضع الصعب للجماهير الكادحة بأوسع فئاتها، تبعية ليبيا للاحتكارات الإمبريالية، بقاء القواعد الحربية الأجنبية على أراضيها والانعزال عن البلدان العربية التقدمية، كل هذا أثار استياء المواطنين بما في ذلك المثقفون وضباط الجيش والبورجوازية الوطنية.

انتقلت السلطة بعد إلغاء الملكية إلى أيدي مجلس قيادة الثورة وعلى رأسه معمر القذافي وقد جرى اعتقال ولي العهد وكبار رجال العهد الملكي أما الملك فقد كان خارج البلاد.

أطلق مجلس قيادة الثورة سراح المعتقلين السياسيين ومعظمهم كان من الضباط الذين طالبوا في عام ١٩٦٧ بتقديم المساعدة الفعالة إلى الدول العربية التي وقعت ضحية للعدوان الإسرائيلي.

أعلن مجلس قيادة الثورة عن التزامه في السياسة الخارجية بخط الحياد الإيجابي، والاشتراك الأكثر فعالية في نضال العرب ضد الإمبريالية العدوان الإسرائيلي، وأصبحت الجمهورية العربية الليبية عضواً نشيطاً في جبهة البلدان العربية المعادية للإمبريالية.

أما في المجال الاجتماعي فقامت الثورة بعدة إجراءات، فقد خفضت قيمة إيجار الأرض للفلاحين بـ ٣٠ بالمائة وصودرت الماكينات الزراعية التي كانت لدى كبار موظفي العهد الملكي البائد، كما رفعت أسعار شراء البلح بنسبة ٣٠ بالمائة والتبغ بـ٢٠ بالمائة وكذلك المحاصيل الزراعية الأخرى. وضوعف الحد الأدنى لأجور العمال ووضع حد أدنى لأجور الموظفين، وتم تخفيض أجور ٢٠ألفاً من الخبراء الأجانب بنسبة ٥٠ بالمائة، وفِي ١٩٧١- ١٩٧٢ صادر مجلس قيادة الثورة ما امتلكه الأجانب من الأراضي والعقارات والمحلات التجارية والبنوك والمكاتب، وسنّ قانوناً يحرم الأجانب (عدا مواطني مصر وتونس) من حق إنشاء المؤسسات الصناعية والتجارية. وجرى في البلاد إصلاح زراعي واسع وتوزيع الأراضي المصادرة من المستوطنين الإيطاليين على الفلاحين.

بدأت الثورة ببرنامج تصنيع طويل الأمد وبدأ بخطة ثلاثية ١٩٧٢- ١٩٧٥ ونتيجة لها كان في ليبيا في نهاية ١٩٧٢، ٣٢٨٣ مؤسسة صناعية عمل فيها٢٢٣٥٨  عاملاً. وكانت صناعة استخراج البترول وايراداتها تمكن الحكومة من تمويل التنمية الاقتصادية. وبلغت إيرادات ليبيا في العام ١٩٧١ من تصدير البترول١٥٠٠  مليون دولار كما قدِّرت احتياطاتها من العملة الذهبية ب ٢٥٠٠ مليون دولار، وشكّل البترول في العام نفسه ٩٨ بالمائة من الصادرات و٩٩ بالمائة من الدخل.

 

عداء الولايات المتحدة للثورة الليبية (١٩٦٩-٢٠١١)

توترت العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا بعد ثورة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩، فقد قام قائد الثورة معمر القذافي بإزالة شركات النفط الأمريكية التي كانت مسيطرة على أكثر من ٨٠ بالمائة من البترول الليبي، وذلك عن طريق تأميم صناعة النفط.

في العام ١٩٧٢ استدعت الولايات المتحدة سفيرها في ليبيا ومنعت الصادرات الأمريكية لليبيا كالطائرات العسكرية والمدنية، وبعد أن هوجمت السفارة الأمريكية من قبل متظاهرين عام ١٩٧٩، سُحِب موظفو السفارة الأمريكية من طرابلس وحددت الولايات المتحدة ليبيا كدولة راعية للإرهاب. وكانت مواقف معمر القذافي المناصرة للقضية الفلسطينية والحكومات المعادية لإسرائيل ودعم الدول العربية خلال حرب اكتوبر ١٩٧٣ والحظر النفطي العربي، كل هذه الموقف كانت من أسباب توتر العلاقات مع الولايات المتحدة.

بلغ التوتر أوجه بعد حادث خليج سدرة، حيث قامت طائرتان عسكريتان ليبيتان بإطلاق النار على الطائرات الأمريكية التي شاركت في مناورات فوق منطقة في البحر المتوسط كانت تطالب بها ليبيا على أنّها جزء من مياهها الإقليمية، فقامت الطائرات الأمريكية بإطلاق النار على الطائرتين الليليبيتين وأسقطتهما، وبعد الحادثة منعت الولايات المتحدة جوازات السفر لليبيا وطلبت من رعاياها في ليبيا المغادرة وذلك في العام ١٩٨٢، وفِي آذار ١٩٨٢ حظرت الولايات المتحدة استيراد النفط الليبي وفِي نيسان ١٩٨٥ حظرت الولايات المتحدة تحويل جميع عمليات التصدير والاستيراد المصرفية. وأضافت الولايات المتحدة في العام ١٩٨٦ جزاءات اقتصادية إضافية وجمدت أصول الحكومة الليبية في الولايات المتحدة،

بعد حادثة في ملهى ليلي في برلين قتل فيه جنديان أمريكيان، ادعت الولايات المتحدة أنّ لليبيا دور في الحادثة لذلك بدأت بقصف جوي أدّى إلى مقتل ١٥ شخصاً بينهم بنت القذافي بالتبني وكان عمرها ١٥ شهراً وجرح أكثر من مائة.

أمّا حادثة تفجر الطائرة الأمريكية فوق لوكربي فبعد التهجّي في إلقاء المسؤولية على طرف ما، وقعت ليبيا الضحية واتهمت أنّها المسؤولة عن تفجر طائرة البانم وأجبرت ليبيا على الاعتراف بذلك ودفع التعويضات لذوي الضحايا!

 

"الثورة" على القذافي

عدوى ما يسمى بـ"ربيع الشعوب" انتقلت إلى ليبيا في ليبيا في أوائل ٢٠١١ ظهر "المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية"، الذي علم أنّ هناك توجها إيجابيا من قبل السلطات وأنّ السلطة بصدد القيام بإصلاحات شاملة، لكنّ المعارضة الليبية أصرّت على استقالة القذافي. ومن الواضح أنها كانت مدعومة من قوى خارجية، إذ طالبت الولايات المتحدة ودول الغرب من مجلس الأمن الموافقة على إيجاد منطقة حظر جوي لمنع الحكومة الليبية من القيام بأي عمل عسكري ضد المتمردين على النظام، وقد أخطأت روسيا والصين لأنهما لم تستخدما حق النقض كما فعلتا في حالة سوريا، لذلك نجحت المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة الناقمة على القذافي للأسباب التي ذكرناها سابقاً في القضاء على الحكم الاشتراكي في ليبيا.

 

ليبيا بعد القذافي

في٢٠ تشرين الأول ٢٠١١ قتل القذافي على يد ثوار مدعومين من الناتو، بعد أن أُصيب بقصف جوي أمريكي، وتفككت البلاد بعده إلى أقاليم شبه مستقلة تسيطر عليها مليشيات متنازعة، وفتح القضاء على القذافي أبواب البلاد للإرهابيين الدوليين الذين يسيطرون اليوم على أجزاء من ليبيا.

في ٢٠١٢ حلّ المؤتمر الوطني العام محل المجلس الوطني الانتقالي، وفِي نهاية ٢٠١٥ كان في ليبيا برلمانان وحكومتان، حكومة في طرابلس وأصبحت حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج وهي المعترف بها دولياً وأخرى برئاسة قائد الجيش خليفة حفتر التي تعتمد على برلمان منتخب وقد نجح حفتر في الإستيلاء على سبها والشرارة أحد أهم حقول النفط في ليبيا.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب