news
ملحق الجمعة

متلازمات نكبة

1

ستبدأ القصة حيث نسيتُ بدايتها.

يجب أن تفهم عزيزي. نحن بمعظمنا مررنا عناء البناء. شُغل البناء. هذا البلاء. عناء شُغل بناء دورِكم (ليس بيوتكم) وأحيائكم (ليس حاراتكم) وبلداتكم (ليس قُراكم). أتتخيّل الجهد والتعب والصحوات المبكرة؟ في الشتاء خصوصًا، قُبيل العمل في العراء؟ في الشتاء، خصوصًا قبيل العمل، في العراء؟ ليس في مكتب ولا في مصنع مغلق؟ لا، لا تتخيّل. هذه لا تعرفها أنت. هل تعرف مدى الاغتراب الواخز في القلب لحظة خبط الماء البارد على الوجه فجرًا؟ البناء شيء لا تعرفه أنت. ربما عرفه جدّك في مركز أوروبا. قبل عقود ونصف قرن. لكن ليس أنت اليوم. فقد ورثتَ معاناة أهلك وتاجرت بها وحمّلتها على أكتافنا كأكياس اسمنت في الورشة.

التالي لا يهمّك: لكننا قد لن ننجح، لم نعد ننجح، بكتابة قصص متسلسلة عَنّا تنمو كشجرة توت أمام باب البيت، بسبب تشريفكم نواحينا. قُتلت التوتة وقضى البيت.

لذلك فقصصنا أيضًا ستكون عمل بناء. وليس عملية بناء. قصصنا شغل. تركيب. ليس كـ جِنر، كأسلوب منتقى، بل قسرًا. أساسات وأعمدة بالطول والعرض ومساطب وجدران وسقف أول وثان في زمن متقطّع. ثم زيادة هنا وتوسيع لغرفة هناك. تؤجّل "القصارة" وتتمهل على البلاط. ولا مشكلة بالمرة في تأجيل تركيب هذا الشبّاك. في النهاية سيكتمل البناء. وليس المعمار. ستبدو نواحينا الجديدة، في الدولة المستحدثة من قصص قبائل قديمة من بلادنا، إضافات هجينة. سنتكتّم تمامًا على المفاخرة بجمالية معمارنا. فمعمارنا اضطراري. جماليّته شهيدة. كشهدائنا وشهيداتنا. سقطوا تحت رصاص الاستعمار وبه. بالاستعمار وباستعاراته.

لكننا سنكتب قصصا بنفس النهج القاصر المحدود الاضطراري القسري وسنقاتل كي نقول: إنها جِنر. لا بل جِنر أصيل أيضًا، حِكمتُه وقد حَكـَمته ظروف حياتنا التي بنينا فيها (لكم) دورًا وفقًا لخرائط مُحكمة منظمة، لكن بنينا لنا بيوتًا بتقنيات التركيب الجزئي والانتظار المتقطع وإعادة التركيب "حين تُفرَج" على ما تبقى لنا من قطع وطن. وجدنا أنفسنا فنّانين في الـ Installation.

قصصنا من المحدودية بحيث لن تتركنا نفلح في التمتع بالهُراء. الهُراء الخام. ترديد كلام لا ينوي شيئا ولا هدفًا بل لا يعنيه ذلك. كلام يُقال بكونه هو الممارسة ذاتها وهو المعنى معا. ففي هذا المكان الممسوس يكفي أن نبدأ بإطلاق الهراء حتى يمتلئ بالمعنى خلسة، في غفلة منّا، كما يمتلئ الفجر بالضوء. أو العشيّة بالعتمة. لدينا الهراء يفعّل العقل حتى لو أسكتناه، فيعيدنا الى جديّة نبتعد عنها ونهرب منها ونتفاداها. عبثًا.

مازحَ ثلاثة شبان بعضهم عن جَمال شرطية وليتها حققت معهم. –لكنك لن تصل اليها مهما ارتكبتَ من جنايات. سيحقق معك شرطي الوحدة الخاصة. ضحكوا. تنبّه أحدهم: حتى هذا المزاح يحلّ فيه السادة الذين حلّوا عِنّا ولم يحلّوا عَنا. لا متسع في هذا المكان حتى لسويعات هراء مع زجاجات البيرة.

هذا أيضًا لا يهمّك: لن ننجح بكتابة قصص فارغة لاهية كفقاعات أو كزبد قليل البقاء، بسبب تشريفكم نواحينا. كلامنا يزيد وزننا فنصبح عصيّين أكثر على الإزاحة. أترى المفارقة؟

 

2

 

ذاك المساء، فكّرت بمطلع قصة، قصيرة أو أطول. نسيتها لاحقًا بسبب الثمل. في اليوم التالي حلّت معاناة التذكّر. تذكير العقل بما غاب عنه بواسطة العقل نفسه، أي تصحيح الشيء المعطوب بالمعطوب نفسه. مشكلة جدية هذه الدائرة المقفلة النموذجية، لا؟ هذه الـ لا عامية الروح وترجمتها: أليس كذلك؟ وهي أجمل منها بألف مرّة.

في اليوم الثالث يحلّ العزاء الرخيص: لا بأس. سأكتب قصة عن مطلع قصة نسيتها وعن محاولات التذكّر. مع أن هذه مسائل يجب إخفاؤها عن القارئ.

جالسًا على الشرفة كنت حين جاء المطلع مرة واحدة. مع بعض الثمل المنفرد، ذلك الـ غير مؤذٍ. ها قد أدخلنا أل التعريف على غير ولم يحدث شيء. لم تتزعزع أعمدة بعلبك اللغة.

في اليوم التالي كنت أعارك نفسي علي ذاكرتي، علّي أتذكر، عليّ التذكُّر.

لم أفلح. لم اهزم نفسي. نفسي لم تهزم نفسي ولم تستخرج منها اعترافًا بذاكرة الأمس.

نفسي، أنا. فلا هزيمة هنا إذًا، ولا نصر.

والآن كيف أعزّي نفسي بفشلها وأحتفي بنجاحها في آن معًا؟

قررتُ ابتداء الكتابة من حيث نسيت. ستكون القصة عن النسيان الذي يحفر في الذاكرة. جدول غير منتظم المسار يؤلفه مطر خاطف وابلٌ في رمل.

أهذا ممكن أصلا؟ واقعيّ؟ لا جواب الآن.

نبحث في القصة عن شكل. المضمون تابع، ثانويّ ثانٍ له. المضامين مفصّلة في كتب التاريخ والجغرافيا والسياسة وسائر العلم. القصة شكل. الفن شكل. المضمون مادة. تشكيل المضمون وخيط السرد بل خيوط السرديات هو القصة. المعلومات صلصال بيديّ القَصّ السرد الحكاية الرواية، إذا أُريدَ لها لون الأدب.

التعب ليس عالي الإزعاج. أعرف منه أكثر وجعًا. أعرف أكثر منه وجعًا. أعرف أكثر وجعًا منه.

أبالغ قليلا. ليس الوجع. شيء كأنه رصاص في المفاصل. ليس رصاص البنادق، لنقُل إنه رصاص مندلييف. حين تجلس أو تستلقي، لا بأس. محتمل. أما الحركة فكالرّصاص. رصاص البنادق. أكتبُ الآن بقلم رصاص. وهو غير هذا وذاك.

أهذي.

القصص مرايا ملطخة أو شديدة النظافة. إما، أو. واقع شديد التشوّه، أو شديد التنمّق. إما، أو. لماذا التنمق، لنسميه التجمّل. هل للتجمّل درجات. هل إذا خفّ صار مقبولا وإذا أُفرِط فيه بشُعَ. هناك مشكلة مبدئية في مثل هذا المنطق. ما دخل المبادئ هنا. ما دخل المنطق الآن.

عصفوران. عصفوران هما الوحيدان اللذان حفظا مني ما أنا هو. ما هو أنا. حين رحت أتذكّر. لا يمكن أن تروح تتذكر. إما، أو. تتذكر أو لا. الذكرى تعود خاطفة كبرق. كرصاص بنادق. تصيبك فتفرح. ينزف دماغك معرفةً.

رأيته مرة واحدة. العصفور. ليس فجأة فقط. الفجأة لا تكفي لوصف رؤيتي إياه. لقد رأيته مرة واحدة بحيث لم أشعر بمفاجأة في وجوده هناك ولم أعد أرى حولي سواه. كان كالكمال. ربض في أصيص الورد الأصفر. الورد أصفر. الأصيل بلون القرميد. صغير. فرخ. جثَم. لا، إنه أصغر من القول عنه: جثم. ولا ربض. هذه أفعال للوحوش، أو الضّخام. هذا العصفور قرفصَ هناك. في الظل القليل.

ثم طار كمن يقفز في الهواء. لم يكن طيرانًا بل قفزة في الهواء.

العصفور الثاني كان هنا. قرب مترين من حيث جلس الذي قفز في الهواء. وقف على شجيرة برتقال دم الزغلول تحمل ثمرتين. حبّتين. كان يغرّد. عرفتُ مرة واحدة دون أن أفهم كيف – المعرفة خاطفة، الفهم متدرّج – عرفت أنه كان ينادي رفيقة أو أنها كانت تنادي رفيقًا. وفجأة سبح في الهواء. لم يطِر. لم يقفز. سبح. وفي الأفق البعيد، خلف البحر، كانت عكّا. لا تزال عكا.

3

الحلم بالمكان المطابق لما في الدماغ، سخافة. لكنه حلم جميل. كيف لك قمع الدماغ عن حلم جميل. عن حلم الجميل. هل طبيعيٌّ تحويل حلمه نحو السخافة؟ وما السخافة هنا: السخافة هي أن يعود للواقع. محلق الآن هو هناك، فهل تريد له التحليق هنا؟ في المستنقع؟ دعهُ يحلم. ببلد جميل. بوطن أليف. بأهل بلد ووطن طيّبين. عقلاء. لا يحركهم جهل وكراهية. ولا حتى ضائقة راهنة. ناس، أهلٌ يرون ما بعد العتمة بشبر. ما بعد الضيق بخطوة. ما بعد النفق بلَمعة. حتى البلاغة التاعسة تستدعي القول: النفَق أحسن من النفْق، الموت كحيوان.

بين قوسين: لو أبقت دعارةُ السلطة والمال للناس مساحة حلم بشيء ما غدًا من قلب أقذر جحيم يُسجنون فيه، لكان العالم أحسن، أجمل، أفضل. لكن مرضى المال والسلطة، ضعفاء النفوس، أقوياء الغرائز الأولى الدنيئة، يقتلون نفوسهم ونفوس الناس.

ذاك العصفور المنتظر بتغريدةٍ ردّ الصديقة، لا ينتج ولا يبدع ولا يبتكر. هل يعرف صحيح وخاطئ؟ ولو عرف، هل سيفرض معادلاته بمسدس 9 ملم أو بمدفع رشاش أو بعبوة ناسفة موقوتة؟ لا. لكن في هذي الحضارة الـكُلّها قمع وبطش ونهم، وهامشها شيء من منتوجات المادة والكلام والصورة، ما نفعُ كل إفرازات الدماغ طالما هناك ناسٌ قتلى بالفقر والذّل. لا معنى لكل هذي الحضـ(ـقـ)ـارة. لا معنى. لا مبرر. لا أفق. ومعطيات الحضارة التي يكتبها عن إنجازاتهم المترَفون بالمال والسلطة ووهم الارتقاء، لا تساوي كومة الخراء التي يقذفها مُعدم حرمه أصحاب السطوة حتى من مقعد مرحاض يضع عليه مؤخرته ويقذف فيه خراءه بعد عشاء طعام فاسد لملمه من القمامة. قمامة البشريّة. قمامة، البشريّة التي تسمح بهذا.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب