من آذار لنيسان 2020، الحب في زمن الكورونا (4)| يوسف حيدر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"اللّغز .. والبيجاما"

 

وضاقَ بي البيت..

لأوّل مرّة خلال عزلَتي لم يرافِقني حذائي إلى كلّ مكان. أسير "بحفايتي" من السّرير إلى الصّالون إلى السّاحة الاسمنتية الضيقة بصحن داري.. حصني الكونيّ المتبقّي المحاصر بعيون النّاس والشّرطة. أمشي وأمشي وأمشي أدور حول نفسي.. حتّى آذان الظهر.. بصوتِ المؤذن الجهوري المنبعث من الجامع المجاور.. فأفطن أنّه لأول مرة منذ ألف واربعمائة سنة يؤذن ويصيحُ المؤذن في آذانه يطالب الناس الصلاة في بيوتهم.. ويقول لهم "صلّوا في بيوتكم".

وأكملوا النّداء وطبّقوا الإجراء بإغلاق وإقفال البوّابات الحديديّة للمساجد والكنائس ودور العبادة. خوفًا من عدم التزام بعض المتعصّبين والمتديّنين بالإجراءات والتعليمات.. مع أنّني لاحظت بعضَ المصلّين الطفيليّين مهرولين غير مصدّقين أنّ المساجدَ قد أغلقت أو الكنائس.. فقلت في نفسي.. ربّما رغبتهم كانت في مشاهدة أمر الإغلاق بأعينهم.. أو ربّما (والله أعلم وأخبر) من أجل أن يخبروا أنّه غير مغلق.

وما تبادر إلى ذهني هي قصة طرد آدم وحوّاء من قبة الجنة.. عقابًا لهما على أكل التفاحة.. بعد أن أغراهما الثّعبان اللّعين.. فتندرت أضحك لوحدي وتلفت حولي هامسًا: لنفرض لو كان آدم وحواء صينيين لفضّلا أكل الحيّة بدل التّفاحة.. وبقي آدم وحواء في الجنة.. ولما حلّت علينا اللعنة، وحكم علينا بالموت المحتوم. ويقولون أنّ أهل الصين "متوحشون يأكلون الثعابين والصراصير والخفافيش"، فأقول يا الله يرتكبون كل هذه الخطايا، ويأكلون المحرمات، وقد اجتاحوا كل السّماوات واحتلوا اقتصاد العالم، وفي غضون شهرين انتصروا على الجائحة.. وهزموها! ولمّا عجز العالم "الموديرني" عن هزمها راح العنصريون يطلقون عليها "الفيروس الصيني" ويا عيني.. على هذا اللّقب واللّغز.

كنّا دائمًا نتّهم الحكومة ونهتف شعار "حكومة بلا إحساس خرّبت بيوت الناس" فبتنا نستنجد بها لسدّ العجز في البنك، ونسأل كل يوم حوّلوا ولا ما حوّلوا.. وان حوّلوا.. استحسنّا الخطوة.. وقلنا .. حقّنا. ولم ننتبه أنّ الأمور ولو فكّرنا بها بعمق تسير في اتّجاه استغلال هذه الازمة الّتي عنوانها "أزمة الكورونا" من أجل تحقيق مكاسب سياسة بحت.. فيبدر السؤال المطلوب بعد تشكيل حكومة اليمين: هل بعد التّوقيع على الاتّفاق بين حزب اللّيكود وحزب لا أبيض ولا أزرق بإقامة وتشكيل الحكومة ستلغى هستيريا الكورونا؟ وهنا لغز آخر.

والأنكى من ذلك، أنّك تتحسّر على أمّتنا العربية أو كما قالوا ويقولون على العالم العربي .. أن أولاد عمّنا يتوّحدون دائما في الأزمات.. وعربنا في الأزمات يتفرقون أيدي سبأ.. هم بالفعل يقاومون جائحة الكورونا كل يوم لكنني ألاحظهم أنشط وأنجع في مقاومة "فيروس الحرية" فالشّرطة السّرية والجيش في خدمة الشعب. أليس هذا أكبر خازوق مركب على لغز.

وأنا في نشوة استعراض شريط أفكاري المنساب بتؤدة وتناغم غريب عجيب كطفل منبهر من صندوق عجائب هذا الكون المتسارع في تغيره، حتى غدا المستقبل في الحاضر.. والحاضر في الماضي.. وغدا الناس يحنّون لماضيهم التليد ويخافون من المستقبل.. بادرني صديق "حشري" منبهر بالعالم الافتراضي بصراخه المبحوح: انت معزوم؟ قلت: شو معزوم؟ ممنوع التجمعات والاحتفالات والاعراس متذكرًا ان في هذه الفترة من بداية الصيف تنهال علينا مكاتيب الاعراس اعلانًا عن بدء الموسم. فأردف وقال: لا مش على عرس. قصدي اليوم اشتركت باجتماع عن طريق الزوم(zoom) عندها فهمت أنه يقصد عندك "زوم" فطلعت معه.. مع زوم.

اللّغز دائمًا محير.. وانا أفكر.

ولأنّني أفكر وبصحن داري الاسمنتي.. غدوت أشكّ في كلّ شيء وأبحث دائمًا عن الحقيقة.. وأتجنّب الإيمان بالمسلّمات.. واسأل وأتساءل كثيرًا.. لكنّني لا أؤذي من يخالفني الرأي.. وأضع نصب يقيني انتقاد الأفكار لا تقديسها. وأقول متسائلًا: ان حجر الزاوية الذي أهمله البناؤون في ازمة الكورونا هو الفحوصات.. وما أدراك أنت أيها المتسائل المتساهل بالفحوصات.

وأين .. في مجتمعنا العربي .. ولماذا تأتي متأخرة .. أليس هذا أيضًا لغز.

وفكّرت وقلت: تمنّيت في زمن الكورونا أن يزيد حبّ أبناء عمومتنا الحاكمين السالمين.. أبناء دولة المن والسلوى والعسل الذي أنزل على أجدادهم من بني إسرائيل. فنحن نحبّ كثيرًا مرضاهم ونعتني بهم دون أن نفرق في اللون أو الطائفة أو الدين أو الجنس أو القومية.. فلا يكفي الشكر والتقدير في الزّمن الصعب وغير الطبيعي.. أنا أريد الشكر والتقدير في الأيام العادية التي يختفي بها الشكر والتقدير ونصبح إرهابيين أولاد إرهابيين. أليس هذا اللغز.

هنا صحوت وتذكّرت أنّني ما زلت متسربلًا البيجاما ..

وفكرت أيضًا .. ماذا كنّا سنفعل بأكوام ملابسنا في هذا الحجر القسري الجائح.. الّتي تراكمت على "محرقة" قلقنا وهمنا اليومي.. أنغسلها كما الأيام العادية من الهم والكدّ والعرق؟ أم نطويها نظيفة كما نطوي أفكارنا النظيفة خوفًا من المستقبل المجهول ونخبئها تمسّكا "بالكمامة والبيجاما"، اللّباس والموضة غير المخجلة في القرن الواحد والعشرين، أم نصوم عن الشكّ ونغدو "كالقطيع"، المصطلح الشائع والعائد بقوة مع الجائحة النوّاحة اللي اسمها .. الكورونا.

لم أيأس بعد.. وأنا في البيجاما.. أنظر من شبّاكي وقد أوقدت فانوسي، تحضيرًا لإشراقة وتباشير قدوم رمضان.. ومبادرًا أن يحذو حذوي الناس.. كل الناس لنطرد ونهزم معًا عتمة الكورونا..

 وللحب بقية ..

(يتبع)

الصورة: ثعلب يجلس على راحته ويمدّ لنا لسانه في شارع مركزي بتل أبيب (شينخوا).

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة