نُجُومُ الظِّلْ| قصة: نيروز قرموط

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

خاصّ بملحق "الاتحاد" من القاهرة، من مجموعة "عباءة البحر وقصص الجديلة"، النكبة ما بعد مائة عام؛ الخيال العلمي والمسرح القصصي

تعجن الرمل المجبول بالماء تماثيل. تصمت منحنياتُها في غمرة البحث عن معنى خلقها في هذه الصورة. لكن هناك تمثالاً واحدًا يشبهُها. تشكّله بدقة، ترسم ملامحه بحنو، تخجل لهُ ذرات الرمل المتراصة بين يديها الرخوتين. تمرّر أصابعها الرقيقة على وجه التمثال، ثم على وجهها. تتلمّس عينيها، أنفها، فمها، تقع أسيرة عالمها. تمرّر يدها إلى عنقها الطويل، هو كشجر النخيل شاهقٌ إلى الأعلى، كأنّها تنحتُ ملامحَها في ذاك الرمل المجبول. إنها تصنع مرآتها الخاصة، مرآة من الرمل المجبول بماء روحها المسافرة. لكن إلى أين؟

الهواء ساخن، هواء صحراوي. كم تحتاج من الماء لتبلّل تماثيلها. امرأة نمشة في الصحراء. إنها صهباء، ولا شمس تشرق حمرة شعرها. هي في الظلال، لا حركة تسير في ملامحها ولا في أطرافها. وكأنّ الحركة تنساب من أصابعها في نحت تماثيلها دون جسدها. صامتة منحوتاتها كصوتها القابع في حنجرتها. يبدو أن الهواء الصحراوي قد جفّف ريقها قبل أن يُجفف تماثيلها. إنها تنحت وتعجن وتشّكل كثبانًا رملية وصخورًا كلسية، تكسو جدرانَ حديقة روحها المغادرة في كل الوقت.

‡‡‡

ينظر في واحته، واحة أدائه التمثيلي لهذا اليوم. يغمز بعينه اليسرى، يقول:

  • "لم أعد ذاك الدوبلير. أنا الآن ممثل هذه الصحراء الشهير..."

يرسم على وجهه تعابير الضحك فيضحك، ثم العبوس فيعبس، ثم الدهشة فيندهش. يرفع حاجبه:

  • "أوه، أنا مشهور.. أنا الضوء في ظل هذه الصحراء.. أنا شمسها الغائبة عن السماء.."

لطالما كان هذا الدوبلير ممثلَ الظل في كل الأعمال الفنية التي يشارك في أدائها، عندما كان يسكن في مخيّمه البعيد في سوريا. لقد سبق مخيّمه إلى هذه الصحراء باحثًا عن هوليود جديدة. كل الشاشات على جوانب الطرقات والكباري في دمشق أخبرته عن شهرة هذه الصحراء، حتى جاءها بقدميه بحثًا عن دور رئيسي، تظهر فيه كل تعابير وجهه هو. لا أن يبقى ظلاً لممثل مشهور.

لكنه الظل في هذه الصحراء غطى على ضياءٍ اعتاد عليه في مخيمه البعيد. يراقب تلك الصهباء بصمت وهي تتحسس ملامح وجهها كلَّ يوم وترسمها في تمثال جديد. يحدّث نفسه، ما بال تلك الحمراء؟ أهي نرسيس هذه الصحراء المعتمة؟ حتى حمرتها لها لون داكن لم أره من قبل.

هذه الصحراء - صحراء الظل - اختلط ليلها بنهارها، بعد أن غطّتها ألواح شمسية ركبت على أقمار صناعية في علياء السماء، لتخفف من حدة الحرارة وسطوع الشمس. لم يبق إلا صياح الديك ما ينذر بطلوع الصباح، حتى بُنِي له معبد خاص حجّ إليه كل من كفر بدين الصحراء، بعد أن غابت الشمس وحجب عنهم القمر، فسُرقت عنهم رومانسية الليل وبهاء ثُريته. هذا الاتفاق الذي سرى بين المتديّنين الجدد القادمين من موصل العراق ورقّة سوريا، وبين شركات روسية وأمريكية وإسرائيلية تحتاج الطاقة من حرارة تلك الصحراء؛ صحراء وسط سيناء التي أبرمت معاهدة مع قطاع غزة ورسمت حدودها معها.

‡‡‡

بعد أن جمع القمامة من الطرقات، لم يغسل يديه. أخذ يحرّك بقدميه، يرقص فولكلوره الشعبي مع حركات جديدة، يضيفها من لحن يستطيع سماعه من أوروبا بعيدة، يرى عنها في إنترنت العالم الحديث. إنه يدّب بقدمه على الأرض، علَّ شخصًا آخر بعيدًا يسمع دبّة هذه القدم. لكن من هو؟ من هو ذلك الإنسان، الذي يحلم بمقدرته على سماعه؟ مع كل دبكة يحاول هز الأرض فيها!! يمرّ رجل كبير، هزيل، ثيابه ممزقة، مبّقعة. لا يعيره انتباه، لكنه يبصق إلى جانبه ويواصل الرقص.

غزّته التي يعيش فيها، لم يعد يعلم أهي على مقربة من الحداثة، أم أنها على عتبة بدائيةِ التكنولوجيا الرديئة. متديّنوها أصبحوا "المتديّنين القدامى"، من يستطيعون أن يسايروا إيقاع الرقص. على عكس هؤلاء "المتديّنين الجدد" في الصحراء القريبة، التي أعتاد أن يرى الظلال أعلاها، وسط الضياء، عند ظهيرة كل يوم.

‡‡‡

  • "اذهب أيّها اليهودي.."

تمازحه صهباء بيت لحم، إنها كجمال مريم العذراء.

  • "ههه، أترين؟ لي ضفيرتان تنسدلان على جانبي وجهي.."
  • "لا، فقط اشتقت لك.."
  • "كيف هو طبقك اليوم؟"

لم تردّ عليه، وعادت إلى توابلها والصوص الذي تصنعه. تنهدت من أعماقها، أخذت تسبك الصوص بالملعقةً مرة تلو الأخرى، إلى أن يصبح كثيفًا وتتصاعد منه أبخرة توابلها الفارسية، الزعفران والزعتر الفارسي والكاري. تحلم بتلك الأبخرة ذات الرائحة الطيبة تتصاعد أكثر، إلى فضاء كون يصل فقط إلى إنسان آخر مثلها، يعشق الزعفران ويحب أن يسبك ويجبل كل شيء.

  • "أها، لقد فهمت أيّتها النَمِشَة. إنك تصنعين هذا الصوص الذي لا تملّينه، أكثِري أكثِري من الثوم المسلوق أيضًا."
  • "تبًا لك يا صديقي اليهودي. أنت تعلم أني أحب الصوص خاصتك أيضًا. اذهب واصنع طبقك."

‡‡‡

الأرض تُحرَق. طيران أف 35 يقصف بشدة كل مباني المخيم شمال قطاع غزة. إنه عام 2027، ومسلّحون متشدّدون داخل المخيم يحاربون المتديّنين القدامى. العائلات تهرب بأطفالها ونسائها، يركضون حفاة. وتلك الصهباء في سن الرابعة عشر، تبدو كامرأة حامل، تركض مع العوائل الهاربة. ورجل ذو هيئة نتنة، يركض وراءها بالسكين. لم تكن الصهباء من ذات المخيم، لكنها اتجهت معه إلى حيث يهرب، إلى الصحراء، صحراء الظل. وفتى آخر يبدو في مثل سنّها أو يكبرها بعام، أخذ يركض إلى جانبها، لكنه ابتعد أكثر، وعبر الصحراء إلى عالمه الجديد.

‡‡‡

تعجن الطحين بعد أن أضافت قليلاً من الماء والملح. لم تتجاوز الخامسة والثلاثين من عمرها، تقبّلها فتاة في الحادية والعشرين:

  • "أمي.. كم أحب خبز أمي.."

تبتسم وخصلات شعرها الحمراء تتدلى على خدّيها النمِشين. تنظر إلى عيني ابنتها التي لا تكبرها إلا بأربعة عشر عامًا، وتغوص في ذاكرتها القديمة. صوت صهباء أخرى تناديها:

  • "أرجوكِ لا تتركيني!"

ترى السيارة التي نقلتها إلى بيت لحم، والحقوقيين الذين التفوا حولَها لمساعدتها في تلك السن الصغيرة.

  • "أمي.. أمي.."
  • "أوه!"، تفزع، "أنا آسفة.. أنا هنا!"
  • "سأغادر اليوم عبر القطار السريع إلى الجزيرة العربية، وأعود ليلاً. هنالك نشاط طلابي عليّ المشاركة فيه".

تستمر بالعجن وبإشارة هادئة:

  • "اهتمي بنفسك.. لا تتأخري."

‡‡‡

تعجن طينةً تريد نقشها بحروف عربية. مفاصلها تؤلمها، جسدها يضعف يومًا بعد يوم.

  • "أمي.. أمي.."
  • "آها، ما بك؟"
  • انظري ذاك القطار السريع، ينقل طلابًا في مثل عمري إلى الجزيرة العربية. ليتني خارج هذه الصحراء، لأدخل هذه الشاشة الطيفية، والتحق بجولتهم.."
  • "اصنعي جزيرتك يا ابنتي أينما كنت.."
  • "هنا، في هذه الصحراء المعتمة؟"
  • "نعم، في كل مكان."
  • "أمي أنت لا تتوقفين عن صناعة التماثيل. أوه، أوه، أمي، انظري إلى الشاشة، متديّن جديد قادم إلينا، يريد إحراق معبد الديك. إنه قادم من إحدى ولايات المملكة المتحدة.."

تنظر الأم جيدًا إليه، تتفاجأ. الشاب إلى جانبها يركض، هاربًا مع المخيم المهاجر عام 2027، إنه أخوها.

‡‡‡

ما زال يدبكُ الأرض، ويلمّ القمامة. إعلان طيفي يكسو جدران الطرقات في غزة، إنه المتدينّ الجديد، من سيحرق معبد الديك في صحراء الظل.

ينظر جيدًا إلى صورته، يتوقف عن رقصه الفولكلوري. إنه توأمه. إنه أخوه.

‡‡‡

  • "مرحبا.." (رسالة نصية)
  • "أهلاً.. " (رسالة نصية أخرى)
  • "أما زلتِ تعجنين الرمل تماثيلا؟"
  • "أما زلت تعجن الطحين خبزًا؟"
  • "ههههه"
  • "نحن نتحدث من سنوات، لكني لا أعرف شكلك.."
  • "لا داعي.."
  • "لِمَ؟"
  • "سيقتلني المتديّنون الجدد. أنا أخفي تماثيلي عنهم، فما بالك إن علموا عن صديقي اليهودي، صديقي غير المرئي، سيحرقونني كما ينوون إحراق معبد الديك.."
  • "إذًا لا تقلقي. لستُ أطلب منك ذلك، فقط إن أردت أرسلي لي صورة تشبهك.."
  • "سأحاول.."

صحراؤها سجن تكنولوجي كبير. ربما اختفت الأزرار من كل الآلات، وأصبح لمس أي شيء كافيًا لتشغيله، والنظر إلى بعض الآلات الأخرى كافيًا لتحريكها. لكنها الصهباء، ككل اللاجئين معها إلى صحراء الظل من لبنان وسوريا والعراق والأردن؛ هم من يفقدون الحركة شيئًا فشيئًا، أصبحت أطرافهم تضمر، ونظرهم يضعف. يُصابون بالعمى، منذ واحد وعشرين عامًا وحتى الآن. لقد قصُر طولهم وأصبحوا مجتمع الأقزام.

لكنها الصهباء كانت تعتقد، وإن اختفى طولها في هذه الصحراء، أنّ طولاً آخر يشبه طولها سيبقى شاهقًا في مكان ما، في شمال فلسطين، أو دولة إسرائيل الموحدة.

تعقد العزم، وتأخذ لنفسها صورة، ترسلها لصديقها اليهودي. ما أن تصل إليه، حتى يندهش أنه ورغم ارهاق ملامحها، إلا أنها هي امرأة العجين الصهباء، الشيف التي تعمل معه في ذات المطعم.

يستغرب كثيرًا. ينادي عليها:

  • "انظري إلى هذه الصورة.."

تنظر، تشعر أنها خارج الزمن، تصرخ:

  • "إنها أختي! إنها توأمتي!"

‡‡‡

ذلك الرجل الممزّق في هيئته وهندامه، ذو الشعر الأشعث والعينين العسليتين ملتهبتيْ الحدقة كالشمس. يتحدّث إلى نفسه وهو يسير في طرقات غزة. لقد خرج في صفقة لتبادل الأسرى عام 2025. ما يعرفه عنه الأهل والأصدقاء أنه كان رجلاً حرًا، يملك أفكارّا حداثية من الطراز الأول، مناضلاً من أجل الحرية. وبعد أن كان أسيرًا لأثنى عشر عامًا في سجون الاحتلال الاسرائيلي، خرج معتوهًا نفسيًا. تناوب ليلة تلو الأخرى، على توأمتيه الصغيرتين، تتكوّران كالعصافير النائمة في أعشاشها، بعد أن يكتم صوتيهما، ويستردّ منهما ما فقده في السجن، تحت تعذيب المحققين. حتى حاول يومًا ما، بعد أن خاف الفضيحة، غرسَ السكين في بطن صهباء الصحراء التي هربت سريعًا، مع من هربوا، تحت أصوات الحرب. وكانت توأمتها قد سبقتها، منذ أشهر، بعد أن استنجدت بإحدى المؤسسات الحقوقية في قطاع غزة.

بقي أخوهم يجمع القمامة ويبصق على والده صباح كل يوم، عندما يمر إلى جانبه. يشتاق إلى أختيه التوأمتين اللتين تصغرانه بعام، وإلى توأمه الذي هاجر إلى أوروبا البعيدة، بعد أن توفيت أمهم الفقيرة قهرًا، وأصبح خالاً وأخًا لطفلتيْ أختيه الهاربتين.

الدوبلير يرسم هرمًا، ويشّكل مع مجموعة أخرى من اللاجئين فرقةً مسرحية، يكتب عنوان مسرحية "نجوم الظل". كانت القبب الحديدية الممغنطة معلّقةً في الجو، تحيط بالصحراء من كل جانب. ما أن يحاول أيٌّ من سكان الصحراء مغادرتها، حتى تضربهم القبة بعصا سحرية من الليزر، تحرق أي جسد يخترق المساحة الممنوحة لحركته. أصرّ الدوبلير على الوصول إلى شهرته، يريد بث مسرحية الواقع. لقد أصبح قزمًا رخوًا، لكنه ورفاقه تسلّقوا ظهور بعضهم البعض، وأصبحوا هرمًا منشوريّ الشكل. والدوبلير يحمل مرآةً مقعّرة تنتظر إشراق الشمس عند حافة الصحراء، كي يسلّطها على القبّة الحديدية والروبوتات الآلية حولها، علّه يحرق برمجتها. يصرخ:

  • "إنه صولجان إلهتنا ماعت[1]، في مرآتي مضادٌ للّيزر. في مرآتي كثيرٌ من سيليكون هذه الرمال. إنها العدالة في صحراء الفيروز؛ يا سيناء القمر، في أعلى ريشتي ياقوتةُ القدر، إنه دمُ الحمام، سأحرقكم يا أهلَ العدم."

لقد تناول كثيرًا من حبوب الهلوسة، كما كل سكان الصحراء المصابين بالاكتئاب. يعتقد، وهو أعلى الهرم، أنه يحرق القبة الحديدية، ويشعل الروبوتات التي تحمي الجنود.

الإسرائيليون يرشون عليهم غازًا يشل مخيّلة المقاومة في عقولهم، فيتهاوون من الهرم، يضحكون. يصرخ الدوبلير:

  • "أين أنت يا مقابرنا، يا حافظة العظام، هَلُمّي منّا حرارةً تشعل الصحراء!"

ينشر الجنود عيدان اليود حول الصحراء، حتى يبرد الجو وتتكوّن السُّحب ويغزو الصقيع حواف الصحراء. إنهم جنود يملكون أفضل جينات الإنسان، إنهم صورة الإنسان الذكي. لكنّها الفتاة ابنة صانعة التماثيل، لا تكفّ عن اللعب بكل اللغات والأنظمة البرمجية، حتى تستطيع أن تُضِحك إحدى الروبوتات المحيطة بالصحراء. وماذا، الدوبلير يخرج من ظلال الصحراء، ومسرحية الواقع تُبث إلى كل العالم.

واليهودي يهاتف صانعة التماثيل:

  • "أرجوكِ أقبلي مني مكالمة الفيديو يا هاجر.."

تفتح المكالمة، تنظر إلى طيفٍ يقف أمامها، إنها توأمتها، إنها راحيل، صهباء بيت لحم، كجمال مريم العذراء.

*******

في الصورة: "الهرم القمر"، لوحة رقمية للفنان ريموس بريلو Remus Brailoiu


[1] الإلهة ماعت - إلهة الحق والعدل والخلق الطيب لدى قدماء المصريين

 

عباءة البحر- نيروز قرمةط

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة