يعيش الحنين الى الوطن الضائع| د. بطرس دلة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

*مع ديوان "وردة  ورصاصة" شعر منتصر منصور*

عندما نتحدث عن الشعر يثور لدينا السؤال: حول ماهية الشعر كما وصلنا اليوم بعد مروره بالعديد من المراحل والمعارك الأدبية في تعريفه لذلك نقول: لقد مرّ الشعر العربي أعنف المعارك في الساحة الأدبية وذلك لأنه ليس الفن الأثري لدى الانسان العربي وحسب بل لأنه جزء جوهري من مقوماته الروحية والوجدانية، فقد دارت المعارك الأدبية بين المتعصبين للشعرية الكلاسيكية التي تؤمن بالوزن والقافية وبحور الخليل بن أحمد الفراهيدي الستة عشر وبين دعاة التجديد والحداثة الشعرية وحتى أصحاب قصيدة النثر التي هي شكل من اشكال الحداثة الشعرية.

هذه الحداثة هي ثورة على المألوف، هي ثورة على ما في أثاث ذاكرة كل شاعر من قصائد كلاسيكية كان قد حفظها منذ صغره ومع ذلك فهو أي الشاعر يثور على هذا الأثاث الموروث شريطة ألا يبتعد عن الجمال والفرح وروعة الإلقاء واللحن الذي يهز النفس البشرية واذا كان بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة والفيتوري وأمل دنقل وغيرهم من شعراء الحداثة فليس معنى ذلك أن شعرهم لم تكن له قيمة إنسانية كبرى، ذلك أن هذا الشعر كان شعر اختزال وتعب كبيرين حيث كانت ذاكراتهم الثقافية غنية جدا وفلسفية عميقة جدا أيضا! ومع ذلك يقول شاعر العراق بلند الحيدري مقولته الشهيرة: لا يمكن لعصفور واحد أن يأتي بالربيع!

اذن لولا جيل الشباب الذي عاصر ذاكرتنا وتابع مسيرتهم في التحديث ولولا انهم تابعوا المشوار لما كان للتحديث تلك الأهمية في الشعر العربي المعاصر ولم يصل هذا الشعر الى العالمية كما فعل محمود درويش وسميح القاسم وسعيد عقل ونزار قباني وغيرهم وقد يكون هذا أحد الأسباب التي أبعدت جماهير عشاق الشعر العربي عن متابعة مهرجاناته التي كانت تعقد في منتصف القرن الماضي في ساحات قرانا ومدننا الفلسطينية المختلفة.

يقول أحدهم: المشي جميل ولكن الرقص أجمل من المشي! والغناء أجمل من الكلام والغزال جميل وهو واقف ولكنه يكون أجمل عندما يقفز بلياقة ظاهرة. كذلك يكون الحصان أجمل عندما يركض فالحركة اذن هي توأم الحياة وهي توأم الجمال أيضا.

عندما نتحدث عن شعر الحداثة فنحن لا نعني التحرر من الوزن والقافية والقوالب الموروثة فقط، بل نعني التحديث في المحتوى والمضمون ونعني أن الشعر القديم كان شعر تصوير بينما شعر الحداثة هو شعر خيال!! انه شعر ثورة وتمرد في عالم متمرد! انه جزء من اكتشاف تذوق الانسان للجمال وتصوير لتطلع هذا الانسان الى الحرية والاستقلال. انه شعر حركة ومواقف من الحضارة الإنسانية من الله ومن الانسان والوجود! انه محاولة لتبديل عقلية بكاملها وخلق عقلية جديدة واعية ذات قيم جديدة تتمشى مع متطلبات العصر الحاضر!

ان ملامح شعرنا الحديث تبتعد عن الخطابة والحماسة ومقومات الرجولة والمنبرية، انه شعر قد تخلّى عن بذلته الرسمية المفصلة من القوافي والبحور والأوزان وبنيوية العمودية الثابتة. وهو شعر يجب التعامل معه بطقوس مختلفة عما مضى وبشكل يتلاءم مع عشوائيته المشاغبة وفيه الكثير من الصدق مع الذات وفلسفة استحواذه لأكثر ما يمكن من الجماعة!

قال نزار قباني: اذا كان شعري لا يتصدى لمن يسلخون جلود الشعوب فلا كان شعري!

أخيراً أقول: إنّ الحداثة ثورة على السلطة الحاكمة وعلى السلطة المسيطرة في الساحة الأدبية والفكرية، وكلما ازداد تمرد الحداثة على اللغة والنظام الموروث ازداد الشرخ عمقاً بينهما وبين الشريحة الاجتماعية التي تنتمي اليها اذن انها وليدة تحولات جذرية اجتماعية اقتصادية ثقافية وفكرية داخلية ولها علاقات بالثقافات الأخرى عالمياً!

نسوق هذه المقدمة لأن ما وجدناه في هذا الديوان هو وردة ورصاصة وليس شعراً كلاسيكياً اعتدنا عليه، بل هو خروج على الموروث الشعري المألوف! إنه تجديد من جميع النواحي البنائية والشكلية وحتى من ناحية المضامين ولذلك هو شعر حداثي أبدعته ريشة الشاعر منتصر منصور لأنه خرج فيه الى ما هو حديث. فلنتابع شيئا مما كتب كي نسير معه على درب النور والحرية والثورة الشعرية الحداثية في محاولة لتذوق شيء من هذا الشعر.

فمنذ القصيدة الأولى يشعر قارئ هذا الديوان بحزن شديد يلف الشاعر منتصر منصور بحيث يعيش التناقض بين جمال وعطر الوردة وبين الرصاصة القاتلة! فكيف يتم الانسجام لديه وفي قلبه وردة ورصاصة؟ هذا التناقض يعيش في نفسية الشاعر وفي ديوانه على طول صفحاته المئة التي تعمرها قصائده. انه يجيد اختيار الكلمات المتناقضة أحيانا فمنذ القصيدة الأولى جمع شاعرنا بين الوردة والرصاصة والكمنجات التي تعزف الأوركسترا مرددة أحلام الزاجلين. انه مشتاق الى عطر الورد ولكنه مسافر ابداً ويعرف أن دموع الشمع هي الندى الذي يفاجئنا في صبيحة كل يوم وبالرغم من حزنه العميق على شيء كبير كان قد خسره أي الوطن فانه يبحث عن ألحان العصافير كي تغرد له في منحدر الصمت!

في البيت الثالث ينتقل باحثاً عن الوردة المجتمعة مع مزامير داوود الملك في قلبه على الرغم من أنها ملوثة بغبار الوجع حيث تلتقي مع المنفي ولا ينسى كيف يحمل بعض المهجرين مفاتيح دورهم التي هجروا منها في عام النكبة ولكن المفاتيح أصبحت صدئة بعد طول الغياب ولأنه مر عليها منذ علّقت وأهملت عشرات السنين ولم تعد لها قيمة تذكر. وأخيراً نجده يبحث من جديد ولما كان شاعرنا يبحث في زوايا قلبه فلا يجد سوى رؤيا وقصيدة صامتة قد تعمل كبرشامة - حبة دواء - لعلاج آلامه التي يعاني منها.

إنه ناقم كل النقمة على الدول العظمى التي أدارت ظهرها لشعبنا وقد رأينا كيف كانت بريطانيا تتبنى بناء دولة إسرائيل وتساعدها في بناء أحلام قادة الحركة الصهيونية منذ ما قبل وعد بلفور والى اليوم وذلك على حساب الحق الفلسطيني. لذلك نجده يحلم انه يصفع تمثال الحرية ويضع حذاءه فوق رأسه ومع ذلك فانه يعرف ان السكان البيض مميزون على الملونين السود فيصغي الى زنجي يحدثه عن عقدة الألوان وينتقل عائداً الى البلاد العربية فماذا يجد؟ انه يجد ان السلطان يلعب دور المهرج فتصفق له الشعوب العربية وقد يصيبها شيء من غبار النسيان. لينتقل الى رام الله حيث تتوضأ عينا فلسطين بنكهة التاريخ وفي غزة الأبية يبست اطراف الاغنية الصغيرة حيث تعزف الأوركسترا اغنية العودة!

في قصيدة "أنا اللاّشيء في الشيء" يتحدث عن هواجس الموت المبكر فقلبه يحمل جواز سفره تظلل مساءه غيمة تعيسة على هامش الليل بينما احتل الجنود سريره فلا يجد اين ينام وبالمقابل فقد مات صاحبنا احتفاءً بالحرية المنشودة بينما يرضع أبناؤه الحرية من ثدي الحنين! فأين هو هذا الثدي الذي يغذي صغار صاحبنا؟! إنه ينبش قبره كي يجد الحرية المنشودة فينام عاري الاحلام في عين غجرية ولا يجد تلك الحرية التي يبحث عنها. ومع ذلك يظلّ أسير الاحلام يبحث عن الحرية فلا يجدها لا في العالم العربي لأن السلطان اتقن دور المهرج وأتقنت الشعوب دور رواد المسارح ويتذكر معشوقته الوطن فلا يجد منها غير صورٍ. أما في رام الله فتتوضأ عينا محبوبته - فلسطين - بنكهة التاريخ وفي غزة يبست أطراف الاغنية الصغيرة الساقطة على سياج الملح فعزفها الحمام الطائر أوركسترا عودة.

أما في عكا فلا يجد سوى غموض وتهويد ينزع جلد البحر عن اسرار المدينة وينتقل بعد ذلك الى قصيدة "تتوضأ الايام" حيث يتساءل عن التهويد فيصوره كالخلّاط الذي يذوّب الكيان.

هنا يطرح السؤال الذي قد يسأله كل مهجر عن وطنه: ماذا لو لم يهجر! فكيف تكون بلادنا لو ظلت بيدنا؟!

أولاً سيورق الشجر كما الشمع! وتردد الاجراس صهيل القصائد ويبحر الاذان في فضاء الروح وترتدي الملائكة ثياب البشر وتحيك الشمس لباس العروس بابرة القمر ويزهر الأطفال في اصيص احلامهم فهل سيكون آمِناً ولا يسقط في حفر السراب بعيدا عن الواقع؟!

في قصيدته "بين قطارين" يرى شاعرنا ان الموسيقى هي منجله الذي يصفي بحده المسنون حاضره الفلسطيني الوهمي بمنديل الذاكرة ويبصق الشعر دماً كي لا يختنق في مخيلته كما لو كان المحطة بين سفرين أو كان غنيمة في حاوية زبالة! وهنا ينتقل الى خطاب العقل قائلاً: تريث أيها العقل قليلاً فربما يبني السلام أعشاشه مع انه واثق أنه لن يبرأ من علة الحنين الذي لا أمل له في قصيدة أحلامه الكبيرة.

فيا أيها الشاعر الطيب لك الحياة

رئيس الاتحاد القطري للادباء الفلسطينيين

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة