"العاشق" المسرحيّة الغنائيّة التي شدّت الجمهور| نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أتعرف ما معنى أن تقضي أكثر من ساعة ونصف برفقة الشاعر محمود درويش الذي قضى حياته وهو يسعى لتحقيق الفرح والسّعادة والحبّ والأمان والحياة الكريمة لنا جميعا!

ساعة ونصف تقتصّها من الزّمن، هاربا من الأخبار السيّئة التي تُلاحقكَ طوال ساعات اليوم، فتنسى فيها الحروب والنّزاعات وكلّ ما يُعاني منه الأشقاء والأخوة العرب في السودان وليبيا واليمن ولبنان والعراق، وما يحدث في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ونَزْفَ الدّم في قرانا ومدننا العربية داخل ما أطلقوه علينا عرب الـ ـ48، وحتى الحرب بين الشعبين العزيزين الروسي والأكراني، فتكون هذه الساعة والنّصف نعمة فُزْنا بها قضيناها مع المسرحيّة الشعرية الغنائيّة التي تعرض علينا مَشاهدَ مُنتقاة من سيرة الشاعر الغائب الحاضر محمود درويش.

"العاشق" هو محمود درويش والمعشوقة الأسيرة هي فلسطين، والفنان نبيل أسعد عازر هو مَن اختار الاسم وأعدّ وأخرجَ ولّحَّنَ معظمَ القصائد المغنّاة في المسرحية التي تعاون واشترك في تقديمها مسرح الجوال - سخنين ومسرح المجد - حيفا. وتألّق فيها كلّ الذين شاركوا في الإنشاد والغناء والأداء: إياد شيتي، بوليانا قسيس، علاء شُرّش، مريم الباشا، لبيب بدارنه، حلا سالم، ديمة عازر وحسن طه.

وقد تميّز الفنان نبيل عازر بين فنّانينا أنّه رافق الإبداعات التي شهدتها ساحاتُنا الثقافيّة على مدى عقود، واهتمّ أنْ يُقدّم الأفضلَ منها مُمَسرَحة لجماهير شعبنا. ونذكر له الأعمالَ المُميّزة التي قدّمها مثل: مسرحية "قطر الندى" ومسرحية "برسونا نون جراتا" لسميح القاسم ومسرحية "أذكر" لشكيب جهشان، ومسرحية "حادي القوافل" لتوفيق زيّاد، ومسرحية "خيوط النّور" لنزيه قسيس، وقيادته لفرقة "يُعاد" الرّامويّة التي تألقت على مسارح بلداتنا ومدننا في الضفة الغربية والجليل والمثلث، وإخراجه لعشرات الأعمال المسرحية والغنائية التي قدّمها في العقود الماضية.

 

"العاشق" المسرحية البانوراميّة المُعْتَمدة على قصائد الشاعر في مَراحل حياته المختلفة شدّت إليها الجمهور الكبير الذي تجمّع في قاعة الأوديتوريوم في مدينة كرمئيل بما تفرّدت بها مشاهدُها المختارة من تميّز، وبتألّق الممثلين الذين أبدعوا في تأدية أدوارهم، وبأصواتهم الجميلة المُنسابة مع الأنغام الموسيقيّة الرّاقية، والتّناغم فيما بينهم والحركات الرّشيقة التي شدّت إليهم الجمهور. كذلك الإضاءة المرافقة لكل المَشاهد مع التّناسق في ديكور المسرح الذي أعدّه الفنان أشرف نافذ حنّا حيث تظهر أرض فلسطين الخصبة النَّديّة السّهلية التي يزرعها أهلُها بمختلف أصناف الحبوب والمزروعات التي تُشكّل مصدرَ معيشتهم تتلوها الهضاب المرتفعة الحارسة للسّهل وأصحابه، وتظهر في هذه الهضبة الطبقاتُ الجيولوجية من عصور قديمة بعيدة تدلّ على قِدَم وعَراقة بلادنا فلسطين وشعبنا الفلسطيني عبر أزمنة التاريخ الطويلة. وينتصبُ البحر الكبير، الذي أحبّه محمود وخصّص له العديد من قصائده، حارسا للبلاد وأهلها من كل مَن يفكّر بالاعتداء. كما كان لبساطة اللباس الذي ارتداه الممثلون في كل مشاهد المسرحية والتّحرّك بطبيعيّة تامّة الفضل في إسْباغ الجوّ الطبيعي، وكأن ما نراه أمامنا على المسرح ليس إلّا مطابقا للواقع الذي عاشه الناس، ومعهم محمود درويش إذا كان في فلسطين أو بيروت أو باريس.

حرص نبيل عازر ورفاقه في مسرحية "العاشق" على تَقديم الشاعر محمود درويش في أهمّ مراحل حياته التي عاشها مُبتدئا من مرحلة الطفولة حيث عاش  وسط أسرته وأهل بلدته "البروة" حياة هانئة سعيدة إلى أنْ داهمتهم النّكبة واحتلال بلدته وسقوطها في يد القوّات اليهودية التي قامت بترحيلهم عن بلدتهم، فاختار والدُه الرَّحيل إلى لبنان، لكنّه قرّر العودة لوطنه وبلدته بعد أنْ أدرك عِظَمَ المؤامرة المُحاكة، وإذ وجد بلدته "البروة" قد دُمّرَت اختار بلدة "دير الأسد" القريبة ليُقيم فيها، ومن ثمّ انتقلت الأسرة لتستقرَّ في قرية "الجديدة"..

في المشهد الثاني نرى محمود درويش يعيش في مدينة حيفا ويعمل في صحافة الحزب الشيوعي، يكتب المقالات، وينشر القصائد، ويحتلّ مَكانة مرموقة على السّاحة الأدبية المحلية، كما أنّه أحبَّ ريتا الفتاة اليهودية التي أخلصت له وقال فيها قصائدَه الجميلة، لكنّه أيضا تألّم وشكا من مُلاحقة السلطات الإسرائيلية له بتَقْييده في مدينة حيفا، وعدم السّماح له بمغادرتها حتى أنّها كانت تفرض عليه البقاء في غرفته من مَغيب الشمس حتى شروقها كلّ يوم. هذه المُضايقات والمُلاحقات وحتى السّجن في العديد من المَرّات كانت من الدّوافع الرّئيسيّة التي جعلت محمود درويش يُقرّر تَرْك البلاد والخروج منها.

بعدها تأخذنا المسرحية إلى السنوات التي قضاها في بيروت في سبعينات وثمانينيّات القرن الماضي، وما شهدته بيروت من التّألّق والاشعاع الثقافيّ والفكريّ، ومن ثم انقلبت الأحوال وأصبحت مركزا للحروب الأهلية، وقام الجيش الإسرائيلي باحتلالها عام 1982، وشهدتْ مجازر صبرا وشاتيلا وخروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان وبيروت. وخروج محمود درويش أيضا.

ثم نُرافق محمود درويش في أجمل سنوات عمره عندما عاش لسنوات في مدينة باريس، هذه السنوات التي صقلت تجربتَه الشعرية وأبدعَ فيها. ولكنّه أيضا واجه خطرَ الموت نتيجة لإصابته بنوبة قلبية كادت تودي بحياته.

وننتقل معه الى مدينة رام الله بعد اتفاقيّات أوسلو حيث أقام فيها وسط أبناء شعبه، وعايش عذابات الناس في الانتفاضة الثانية والظلم الذي عانوه من قوّات الاحتلال الإسرائيلي، حتى كانت الساعة الحاسمة التي عاد فيها الموت ليُهاجم محمود وينتصر عليه عام 2008.

تنتهي المسرحية بمشهد "لاعب النّرد" الذي نُشاهد فيه محمود وهو في صراعه مع الحياة، ويتقلّب ما بين النجاح والفشل، يُعاني من الحزن ويعيش ساعات الحبّ الجميلة، يُصارع شبحَ الموت رافضا الاستسلام لكنّه يعود ليخضع، وتكون النهاية بانتصار الموت ومُفارقة محمود درويش للحياة.

وكانت الخاتمة بصلاة جَماعيّة لرحيل الشاعر والتّذكير بوصيّته للإنسان بغنائيّة "فكّر بغيرك" وبنشيد الأرض والحياة والتّفاؤل والجمال، قصيدته "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

قد يهمّكم أيضا..
featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-09 12:31:38

في المَشهد المَسرحيّ الفلسطيني المحلّي

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-09 12:18:55

الهيمنة والتبعيّة (Hegemony & Subalternity): نسق الجماعة