أجلس في بيتي مرتاحة، أعدّ الطعام، أعمل وأقضي وقتًا ممتعًا مع أولادي، وأشعر، بالرغم من أجواء اقتراب نهاية العالم، بأنني آمنة ومحميّة في بيتي. ثمّ أفكّر بكل النساء اللواتي يضطررن مُكرهات التزام البيت مع زوج أو أقرباء عنيفين، وعليه يعانين من عنف متواصل قد يشكّل خطرًا حقيقيًا على حياتهنّ.
العنف ضد النساء ظاهرة معروفة عالميا، تحصد بسببها مئات الأرواح كلّ سنة. تُقتل كل عام في إسرائيل على سبيل المثال، 20 امرأة (بالمعدّل). إلّا أنّ هذه الظاهرة لا تقضّ مضاجع متخذي القرارات، ولا تعتبرها الدولة "حالة طوارئ" وعليه تُهمل معالجتها.
على نقيض وعود مختلفة أطلقتها الحكومة، إلّا أنّها لم تخصّص ميزانيات كافية لمكافحة هذه الظاهرة، ولم تتجنّد الوزارات والمؤسّسات الحكوميّة كما يجب لمكافحتها. وعليه تدفع النساء ثمنًا جسديا، نفسيا وصحيا باهظًا، وفي حالات كثيرة يكون الثمن حياتهن. قُتلت في إسرائيل السنة الماضية وحدها 18 امرأة، وقُتلت العام الذي سبقه أي في الـ 2018، 26 امرأة. نعم لقد كان بالإمكان منع هذه الجرائم في حال تمت معالجة الظاهرة بالشكل المناسب.
في الشهر الأخير، وفي أعقاب أزمة الكورونا والتقييدات التي فرضتها الحكومة على حرية الحركة، اضطرت النساء لالتزام بيوتهنّ مع أقارب عنيفين. طبعا يحدث هذا الحجر بالتزامن مع فقدان مصادر الرزق، ممّا يخلق ضغطًا وقلقًا اقتصاديّا وصحيا بسبب غموض المستقبل الذي ينتظر هذه العائلات. هذا الدمج بين الضائقة الاقتصاديّة، حالة الطوارئ وتواجد الرجال العنيفين في الحيز المنزلي أغلب ساعات اليوم يخلق أرضيّة خصبة للعنف. حيث يتحول "البيت"، الذي كان من المفروض أن يشكّل حيزا آمنا، هادئا وواقيا، إلى جهنّم، فيصبح مجرّد البقاء فيه أكثر خطرًا على حياة النساء والفتيات من خطر الفيروس نفسه.
منذ بدأت الأزمة وأنا أعدّ الضحايا. لا أعني هنا ضحايا الوباء التي تقوم كلّ نشرات الأخبار بتعدادهم، بل الضحايا المجهولات، اللاتي لا يقوم أحد بعدّهن، أي النساء ضحايا العنف الأسري واللاتي يزداد عددهنّ في ظلّ حالة الطوارئ.
منذ بداية شهر آذار حتى اللحظة قتلت ثلاث نساء، بالإضافة إلى محاولة قتل واحدة. لا تتوقف خطوط مراكز الدعم عن استقبال توجهات نساء يعانين من العنف خلال فترة الإغلاق هذه. كثيرات منهن يتوجهن لأول مرّة لمراكز الدعم، ويقدمن شكاوى عن عنف من قِبل زوج أو أحد الأقرباء. امتلأت ملاجئ النساء اللواتي يعانين من العنف عن آخرها تقريبًا، ولا مكان فيها لاستيعاب المزيد من النساء. لا توجد ميزانية لفتح ملاجئ جديدة، وعليه فالحاصل أن كثيرات منهن يضطررن للبقاء في البيت رغم تعرّضهن للعنف، إذ لا مكان آخر يذهبن إليه. لقد بدأنا نرى نتائج وتأثير الأزمة على حياة النساء، لكن الأهم والأكثر تعقيدًا من ذلك أننا سنشهد تأثيرها على حياة النساء في السنوات القادمة أيضًا. على عكس ضحايا الكورونا، يتجاهل المجتمع النساء اللواتي يعانين من العنف، ويتعلّق مدى تغطية القضية إعلاميًا بقوميّتهن، طبقتهن الاجتماعيّة أو بلون بشرتهن.
العنف ضد النساء وباء عالميّ يمكنه أن يصيب كلّ امرأة، دون تفرقة قومية، دينية، سكنية، طبقية أو اقتصادية. تُقتل النساء لأنهن نساء، نقطة. تعاني كلّ امرأة تقريبًا من عنف ما خلال حياتها، لكن وفي ظل حالة الطوارئ هذه تدفع النساء ثمنًا أكبر من المعتاد. حيث تُعتبر النساء من المجموعات الأكثر تضررا بسبب أزمة الكورونا، فها هو الوباء يزيد من نسبة العنف تجاههن ويسبب ضررًا عصيًا على الإصلاح، مع غياب دور حكومي فاعل، وخصوصًا خلال الأزمة، فإن مستقبل مئات النساء في ظلّ الكورونا شاحب، شاحب جدًّا.
على الحكومة أن تجد حلولًا فوريّة للنساء في حالة الطوارئ هذه، وأن تفتح ملاجئَ جديدة، تخصّص مواردا للملاجئ الأخرى القائمة، وتعزّز أجهزة الرفاه في السلطات المحليّة، تساعد مراكز الدعم وتبني خطّة لمكافحة ظاهرة العنف بعد انتهاء الأزمة. إن لم تقم الدولة بكلّ هذا، فسنجد أنفسنا في واقع جديد زال فيه وباء الكورونا وسرمد بالمقابل وباء قتل النساء.
نعم.. يحق لكل امرأة في أي مجتمع آمن وصحيّ، العيش بأمان، طمأنينة واحترام.
*محامية، مركزة المرافعة وتمثيل النساء في جمعية نساء ضد العنف
.png)
.jpg)






.png)


.png)