"إن هانَ الحِمَى هُنَّا"

single

نُلاحظ أنَّه بين الفَينة وأختها، تخرج أصوات نَشِزة لنَكِرات، تتغاضى وتتجاهل إجماع شعبها العربيِّ الفلسطينيِّ، في هذه الدِّيار المقدَّسة، التي كتب عليها، العليُّ القدير، أن تبقى غارقة في الدَّم الزَّكيِّ، المسفوك بين مؤامرة وأخرى، يحيكها ذوو القُربى مع أسيادهم، تنادي بالتَّجنيد الالزاميِّ للعرب المسيحيِّين في صفوف جيش الاحتلال الاسرائيليِّ، والسَّير في تلم المتآمرين على كيانهم العربيِّ الأصيل وموطنهم الذي خرجت منه رسالة المسيحيِّين الأولى للعالمين من بيت لحم لتتعانق مع القدس أولى القبلتين، لاحقًا، وكأنَّ هذا الجزء الحيَّ من شعبنا لا يعي حقيقة أمره، من انتماء لهذه الأرض ووفاء لهذا الشَّعب..
لقد مرَّت على أرضنا الشَّريفة عدَّة محاولات بائسة ويائسة وفاشلة، منذ الحملات الصَّليبيَّة (الإفرنجة)، مرورًا بالسَّفر برلك، (العثمانيِّين) والإفرنسيِّين والبريطانيِّين والصَّهيونيِّين حتَّى أيَّامنا هذه، حيث حاول جميعهم إكراه المسيحيِّين العرب بالتَّجنُّد، لعزلهم عن شعبهم وأمَّتهم وشرذمتهم وتفريقهم وتوزيعهم لمذاهب وطوائف، حتَّى يستطيعوا النَّيل من شعبنا، ليكون لعبةً في أيديهم، فهُم يعون أنَّ قوَّة العرب في وحدتهم، وأنَّ في وحدتهم قوَّة كقول الشَّاعر:
أصابعُ اليدِ في العدِّ خمسةٌ          وفي قبضةِ السَّيفِ واحدٌ
وهنا تلتقي دعوة الخدمة المدنيَّة بالعسكريَّة، وجهان لبطاقة بريديَّة واحدة، خُن شعبك..
لكنَّ هذه الدَّسيسة لن تمرَّ، فكما قطع أجدادنا دابر الإفرنجة، والحقوا رأس المستعمرين بالذَّنب، على اختلاف انتماءاتهم العرقيَّة والدِّينيَّة، حيث لا دين للاحتلال ولا قوميَّة ولا انتماء ولا أعراف انسانيَّة، لأنَّ مرجعيَّة المستعمرِ جيبُه وجبُّه وعبُّه بقوله "اللهمَّ مصلحتي ونفسي ومن بعدي الطُّوفان"، لقد عادوا أدراجهم إلى غير رجعة مهزومين، لكنَّهم يحاولون إعادة الكرَّة مرَّة تلو أخرى، و ?سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ?، مهما تمادوا في غيِّهم وتطاولوا..
فهؤلاء العرب المسيحيُّون في هذه البلاد هم أحفاد بني تغلب والغساسنة ومنصور بن سرجون (القديس يوحنا) وأحفاد اسامة بن المنقذ وأبناء اليازجي والبستاني وفارس الخوري وجول جمَّال وفؤاد نصَّار الذين وقفوا متصدِّين للغزاة مع أبناء شعبهم، محافظين على كرامتهم وعزَّة نفسهم ووجدانهم، ووجدوا أنفسهم مساندين الفتوحات العربيَّة الاسلاميَّة في المشرقين، من خلال انتمائهم العربي للفاتحين، وهذا ما نراه حتَّى يومنا هذا.
وحين يطمع بعضهم في هذا التّجنُّد، إلى المساواة في الحقوق، فإنَّهم يتعامون عن حقيقة واحدة، وهي أنَّه مهما خدم العربيُّ السُّلطةَ في هذه البلاد فإنَّه سيبقى عربيًّا، وهل يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرَّتين، بعد أن رأى مصير كلِّ الذين تجنَّدوا للجيش من العرب، هل حصلوا على المساواة؟ أم أنَّ ساطور الاحتلال على رقابهم كغيرهم من ابناء جلدتهم العرب!
إنَّ واجب مؤسَّسات الدَّولة التي تعمَّدت إهمال أهل البلاد الأصليِّين وإقصاءهم، تعمَّدت بالحقد وبكراهيَّة شعبنا العربيِّ وخنقه، متجاهلة وجوده ومحاولة كبته وتهميشه في وطنه وتشجيعه على هجرته، على مدار عقود ستَّة، أن تمنح جميع مواطنيها العرب حقوقهم كاملةً غير منقوصة دون قيد أو شرط أو منَّة..
وحقوقنا بديهيَّة للجميع وهي الديمقراطيَّة والمساواة والسَّلام بعودة المهجَّرين واللاجئين إلى ديارهم، وعودة أراضيهم إليهم وتحرير الاوقاف والاراضي المصادرة..
ويقول شاعرنا المناضل داود تركي في قصيدته "يا رافض التَّجنيد":
يا رافِضَ التَّجْنِيدِ رَفْضُكَ رايَةٌ   لِيَصُنْ رَفيفَ بَهائِها اسْتِمْرارُ
يا رافِضَ التَّجْنِيدِ إن هانَ الحِمَى    هُنَّا وهانَتْ لِلعِدَى أَدْوارُ
إِنْ عِشْتَ فَعِشْ حُرًّا..

 


 حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

عقيدة "دول العدو": أداة إضافية لقمع الأقلية العربية في إسرائيل

featured

الإنسان عاريًا

featured

بائع العكوب وبائع السوس وأبو عمار، من الصلصال

featured

احتجاج استثنائي على اعتقال استثنائي!

featured

باق فينا وفي ذاكرتنا العربية والأممية إلى الأبد

featured

خطوة مهمة تحتاج إلى رؤية

featured

حكومة تحارب مواطنيها أيضًا!