"روحية ادريس"

single
كم من الاشعار والقصص من صميم الواقع او من بنات الخيال طواها النسيان لأنها لم تدون وماذا بقي لنا اصلا من الماضي... ماضي بلادنا .. وأهلنا .. وماضي البشرية جمعاء.
ماذا وصل لنا في كل ما قيل.. من كل ما هُمس.. ومن كل ما نطق به الناس  .. منذ اجيال وأجيال؟ لا شيء او بالكاد .. مجرد حكايات مصحوبة بتلك العظة الثانوية التي تسمى بغير حق "حكمة شعبية" وهي مدرسة من العجز والإذعان. فانا ضد التلقين الشفهي..فالإجلال للمكتوب.. حتى الله لم يرتض مخاطبة انبيائه إلا برسائل ووصايا  مكتوبة انزلت عليهم. وهم اميون لا يقرؤون ولا يكتبون. فلتتبارك السماء على فضائلها المكتوبة.. المنسوخة.. بالأثيرية والتسامي الخالد. فبادروا ايها الناس الى تدوين وحفظ تاريخكم.. ولا تحرقوا ما دوّن ولا تتركوا وثائقكم تتعفن في سقيفة.. ولا تغفلوا الكتابة. لذا لن اسأم او اتغافل او اتراجع في الاستمرار بكتابة المواجع فهي بالنسبة لي سحابة نهار في بحثي عن المجهول والمستور أمام اكداس من المخاوف التي اعتقد انها مجرد صناديق نُسيت ونُسبت للتجاهل او الاهمال. والجراح التي لم تلتئم تنكأ في كل وجع او مصيبة او نزاع جديد. فلا ندم عندي من وعورة الرحلة ولا تأنيب ضمير عن تجاهل متعمَّد.. حزمت امري على الاستمرار في تحريك مواجع ما.. هادفا حفظ الاثر بأجمل العبر.. لمن من الحياة الدنيا عبر.. فروحية ادريس  كان لها كبير الأثر ..في احاديثها لكل الناس لأنها كانت متعددة المواهب المكتسبة من عيشة تراوحت بين الضنك وقسوة العيش.. في الزمن الإسرائيلي الذي فرض نفسه على تفاصيل حياة اهلنا وشعبنا الذين بقوا يتنفسون هواء وطنهم.. ويشمون ترابه يوميا.. وما بدلوا تبديلا.
والموهبة الوحيدة التي لم استطع تسجيلها للمرحومة الحاجة روحية ادريس هي موهبة الطب الشعبي.. حتى وجدت صعوبة في جمع المعلومات عن موهبتها هذه من اولادها وبناتها  وقالوا "انها كانت تداوي المرضى حتى في حالة دخول شوك الصبر في العيون.. يوم كان للصبر امر.. حيث كانت تتحسس مكان الشوكة بلسانها وبعدها تقلعها بملقط الحواجب. وكذلك معالجة الجروح بواسطة عشبة خاصة "عشبة الجروح" ومسحوق مصنوع من مزيج من الاعشاب العبلينية والتي كانت تختارها وتزرعها حول البيت. وتداوي وتشجع وتواسي  العاقرات على اساس دواء شعبي كانت تتقنه مكون وممزوج من نباتات فلسطين مثل  البابونج والميرمية وحصى البان والغار والمردقوش والزوفا والصعتر على انواعه وأنواع من الصبر والجريس والبسباس. تستعمل هذه النباتات لاستخراج ادوية لمعالجة نفسها والآخرين.
وحدثتني ابنتها الحاجة نوخه ادريس (ام حسين) ان لامها كانت وصفات شعبية للأمراض فكانت تمزج في الطنجرة ورق الورد الجوري واليانسون (للكبد) مع البابونج والميرمية والنعناع المطحون الناشف وعشبة الشاي وحصى البان. وقالت لها ايضا ان المردقوش والصعتر يساعد كثيرا في حماية جميع الاعضاء الداخلية في الجسم وقالت ايضا ان امها كانت تكبر اباها بـ 15 سنة وعمرت وعاشت طويلا لأنها تداوت بالأعشاب والدعاء لله ان يطول عمرها.
واستمرت واعتادت وحتى في سن كبيرة حياكة المناديل الشعبية المزركشة (بالعظمة) والصنارة والإبرة.. وتفتخر وتثبت للجميع ان نظرها بخير عندما كانت تدخل الخيط في ثقب الإبرة بسهولة واستمرت تفتخر وتثبت ذلك حتى مماتها.
وفي فترة الحكم العسكري كان زوجها ابو محمد يشتري من القرى المجاورة ومن تجمعات البدو حول عبلين البيض والدجاج ويقوم ببيعه للمستوطنات اليهودية القريبة مثل كريات آتا وموتسكين وكان التهريب يجري ليلا على ظهر الدواب .. وكان المتسلم يهودي اسمه "غروس " الذي كان يشتري البضاعة ويسوقها على معرفته "للكُبانيات ".
 تمتعت روحية  بموهبة التهريب عندما كانت تهرِّب البيض البلدي واللحمة لتسويقها في المدن والتجمعات اليهودية خلال فترة الحكم العسكري "بالصحاحير" على الحمير. كانت تضع البيض في الرتقة العميقة وتغطيه بقطعة خشب واقية ثم رتقة اخرى من الصبر مع شوكه. وعندما يتم فحص البضاعة من قبل البوليس ويمد يده على "الصحارة" تتشوك اصابعه ويده من شوك الصبر ويبدأ بالصراخ ونعت اصحابها بالوحوش. وتقوم الزيطة ويتم الافراج عن الصفقة خلال الفوضى المفبركة. وحدث مرة ان التقى المرحوم علي المحمود حسن (ابو محمد) شريك ابو عاطف محمد ادريس في التهريب وجاره الباب بالباب في فرح وعرس عند اقاربه في قرية كابول دار طه (امارة) وصدف ان حضر الفرح احد افراد الشرطة العرب وطلب علي المحمود حسن من مختار كابول ان يتوسط لدى هذا الشرطي ان يغمض عينه شوي عن ابو محمد عند التهريب فرد البوليس باستهزاء ان المهربين وحوش وبقر يأخذون الصبر ويبيعونه بشوكه لليهود فاستفز هذا الجواب علي المحمود فقال له: "احنا مش وحوش المقصود مش الصبر لأنه تحت الصبر كان 200 بيضة بلدية".
 كانت روحية كادحة وفلاحة اصيلة وحيث اجادت التكلم ببعض الكلمات العبرية بسبب تسويقها منتجات الارض من الخضروات والخير.. باقية على عهدها تحب اغاني الاطفال المولودين حديثا والتي برعت فيها وبالإبداع والتأليف العفوي  للاغاني والأشعار الشعبية من "المهاهاه" المرتجلة  والميجانا والمواويل  وحفظ الامثال وعرفت ايضا  كيف تضحك دائما على ذقون القتلة الذين شردوا وشتتوا اقاربها.
(يتبع)
قد يهمّكم أيضا..
featured

ألحاج نعمان

featured

حكِّم ضميرك وصوِّت

featured

نحو إفشال كل مشاريع الاحتلال!

featured

بيبي نتنياهو"لا تخف"!

featured

الذاكرة الانسانية!!

featured

الى جهنمَ وبئس المصير أيها الاوباش