تبدأ السنة الدراسية الجديدة في الاول من ايلول 2009 رغم التهديدات المختلفة بعدم انتظام الدراسة فيها، بسبب المشاكل والازمات التي يواجهها جهاز التربية والتعليم، فالسلطات المحلية تعاني من ازمة مالية خانقة وخاصة السلطات المحلية العربية والعربية الدرزية، مما ادى الى اعلانها التهديد بعدم افتتاح السنة الدراسية الجديدة كالمعتاد. ومن ناحية اخرى تطالب لجنة اولياء امور الطلاب القطرية باتخاذ الاحتياطات اللازمة لعدم تفشي مرض انفلونزا الخنازير بين طلاب المدارس والمعلمين، وكذلك عدم التوصل الى اتفاقية عمل جماعية مع منظمة المعلمين فوق الابتدائيين.
تعاني الوزارات في اسرائيل وخاصة وزارة التربية والتعليم من تبدل المسؤولين الكبار في الوزارة واقصد الوزير والمدير العام للوزارة وهذا يؤثر سلبًا على افتتاح السنة الدراسية. وسنحاول في هذا المقال ان نقف عند بعض المحطات الهامة في مسيرة التربية والتعليم، لهذه السنة.
* الاستمرار في تطبيق خطة الاصلاح "افق جديد"
من المعتاد ان يأتي وزير جديد لوزارة المعارف ويبدأ في تغيير ما بدأه الوزير السابق، وحتى يترك بصماته على الوزارة يأتي بخطة جديدة، هذا ما حدث في وزارة المعارف في السنوات السابقة. ومع تسلّم الوزير الجديد غدعون ساعر بدأ بدراسة معمقة للوزارة التي يدخلها لاول مرة وباشر باعداد خطة لوزارته بعد ان عين مديرًا عامًا لوزارته د. شمشون شوشاني الذي لديه خبرة سابقة في الوزارة، بعد ان كان مديرًا عامًا لها لفترتين سابقتين.
كان هنالك تساؤل هل الوزير الجديد سيستمر في تطبيق خطة "افق جديد" ام سيأتي بخطة جديدة، وهل ستجمد هذه الخطة لفترة ما. في اجتماع سابق للوزير مع ادارة نقابة المعلمين يوم 25/8/2009 اعلن انه سيستمر في تطبيق الاصلاح ، مع تحفظ من بعض النقاط فيها وبسبب الخطة التي وضعها هذه السنة سيتم تقليص عدد المدارس التي ستطبق الخطة من 550 مدرسة كما تم الاتفاق مع الوزيرة السابقة يولي تمير الى 460 مدرسة مع التزام لإدارة النقابة بتطبيق الخطة كاملة مع حلول سنة 2013 .
بالاضافة الى ذلك تم ادخال حوالي 500 بستان اطفال في الخطة الجديدة "أفق جديد" وبذلك يكون اكثر من ثلث المدارس في اسرائيل ضمن الخطة الجديدة، مع التزام السكرتير العام للنقابة بأن يسعى مستقبلاً الى تحسين وتعديل بعض البنود لصالح المعلمين امام مركز نقابة المعلمين من يوم 30/8/2009، واشار كذلك الى استئناف المفاوضات مع منظمة المعلمين فوق الابتدائيين لتوقيع اتفاقية عمل جديدة خاصة بالمعلمين الثانويين.
* ألعلاقة مع لجنة متابعة قضايا التعليم العربي
لقد أثبتت لجنة متابعة قضايا التعليم العربي على مدار السنوات السابقة انها العنوان الصحيح، المهني والمثابر في كل ما يتعلق بقضايا التعليم العربي في اسرائيل.
كما ان العلاقة بين اللجنة ووزارة المعارف مرت في عدة مراحل، بين التجاهل وعدم التعاون معها في بداية الطريق، الى التعاون الكامل معها في فترة بعض وزراء المعارف وحتى اقامة لجان مشتركة مع اللجنة وحتى التحفظ منها في فترات اخرى.
لقد اقامت وزارة المعارف ولجنة متابعة قضايا التعليم في فترة الوزيرة السابقة يولي تمير لجانًا مشتركة( اربع لجان) لفحص قضايا تعليمية وتربوية وخرجت بنتائج ننتظر تطبيقها على ارض الواقع ، اما في عهد الوزارة الحالية برئاسة غدعون ساعر فقد ابدى حسن النية واجتمع مع ممثلي اللجنة في مكتبه يوم 31/7/2009 . ولكن نتائج هذا اللقاء ومدى التعاون المشترك نتركه حتى يتم اختباره خلال هذه السنة الدراسية.
هذا وكانت لجنة المتابعة قد عارضت وانتقدت بعض توجهات الوزير الجديدة وخاصة في ما يتعلق بتشجيع التجنيد في صفوف الشباب لجيش الدفاع واسماع النشيد القومي ورفع العلم وغيرها.
*ألتقليصات في ميزانية وزارة المعارف مع زيادة عدد الطلاب
من الطبيعي ان تزيد ميزانية وزارة المعارف في كل سنة نظرًا للزيادة الطبيعية في عدد الطلاب، ولكن في حكوماتنا المتعاقبة بدلاً من ذلك تقلص الحكومة ميزانية وزارة المعارف وهذا ما خططت له الحكومة الجديدة برئاسة نتنياهو- لكن وقوف وزير المعارف، النقابات المهنية، مركز الحكم المحلي، لجنة اولياء امور الطلاب القطرية والرأي العام منعت هذه التقليصات لهذه السنة ولم تزدها وخاصة ان جزءًا من هذه الميزانية سيحول لتطبيق خطة الاصلاح "افق جديد" وبذلك لن يتم تنفيذ خطة تقليص عدد الطلاب في الصف الى 32 طالبًا وعلى مدار سنوات قادمة بل سيزيد المشكلة حدة وخاصة في المدارس الاعدادية حيث نشر مقياس الاكتظاظ في شهر حزيران 2009 ويشير ان عدد الطلاب يزيد عن 35 طالبًا بالمعدل في الصف الواحد. اما اكثر القرى اكتظاظًا ويصل عدد الطلاب في الصف الواحد الى 38 طالبًا في باقة- جت، كابول وقلنسوة، ومعظم الصفوف المكتظة بالطلاب هي مدارس اعدادية عربية.
*أزمة كليات إعداد المعلمين
تعاني كليات اعداد المعلمين للطلاب العرب من العدد الكبير للمتسجلين، بينما تعاني كليات اعداد المعلمين للطلاب اليهود من العدد القليل للمتسجلين.
ان الفائض في عدد الخريجين يخلق مشكلة في عدد العاطلين عن العمل بين المعلمين فتضطر الوزارة الى تعيين جزئي لهم يصل الى ثلث واحيانًا نصف وظيفة سنوية ويعمل بهذه الوظيفة الجزئية لسنوات طويلة.
ان المتوجهين لكليات اعداد المعلمين هم في أحسن الاحوال من الطلاب المتوسطين واحيانا فوق المتوسطين وقليلا ما يتجه طالب متفوق الى كلية اعداد للمعلمين وبذلك اضطرت بعض الكليات لافتتاح صف للمتفوقين ممن يتسجلون ويتم تعيينهم بأفضلية عن غيرهم ولكن هذه العينة لا تمثل العدد الهائل من الخريجين الذين يتم قبولهم بعلامات بجروت متوسطة وبمعدل بسخومتري حتى 500 نقطة وكذلك امتحانات سقف يتم تحديد العلامة حسب عدد المتقدمين للامتحان.
لقد اشرت في مقالين سابقين نشرا في مجلة صدى التربية وهي مجلة نقابة المعلمين باللغة العربية الى هذه الظاهرة ومدى خطورتها على جهاز التربية والتعليم وطرق معالجتها ويمكن مراجعتهما.
يبدو ان وزير المعارف الحالي قد وضع خطة لمعالجة هذا الموضوع ومن بعض اقتراحاته رفع نسبة القبول في الكليات الى 550 نقطة في البسخومتري، دفع القسط السنوي للطلاب بواسطة هبات خاصة وفحص ملاءمة الطلاب نفسيًا لهذه المهنة.
*أهمية التربية والتعليم والرأي العام
نتيحة للازمات التي يعاني منها المجتمع الاسرائيلي عامة والمجتمع العربي خاصة من تفشي ظاهرة العنف، وزيادة حوادث الطرق وفقدان القيم والاحترام وانتشار ظاهرة تعاطي المخدرات وشرب الكحول، بدأ نوع من الصحوة لدى المسؤولين بأن الامور وصلت الى اقصى حدود التحمل والسكوت على هذه الظواهر هي جريمة لا تغتفر، فبدأ المسؤولون بالسؤال، كيف يمكن لجم هذه الظواهر، وقد وتوصلوا الى نتيجة ان التربية والتعليم هما المفتاح والاساس والحل لتخفيف هذه الظواهر، وبما ان المدرسة هي مرآة للمجتمع فبدأت هذه الظواهر تصل الى الطلاب وقد اصبح الوضع لا يطاق في المدارس بسبب انتشار هذه الظواهر، فبدأ الرأي العام يتحرك والصحف تكتب عن اهمية المدرسة ودور المعلمين واهمية رفع مكانة المعلم اما بزيادة اجره وكذلك بإعطائه الصلاحيات المطلوبة للجم هذه الظواهر، فالرأي العام بدأ بالتماثل مع مطالب المعلمين والاعتراف بمدى صعوبة هذه المهنة، بعد ان كان ينتقد المعلمين بسبب قلة عدد ايام التعليم في السنة وكثرة العطل السنوية والفصلية والاعياد والمناسبات.
وقد بدأنا نرى ان الصحف اليومية والمجلات تكاد لا تخلو يوميًا من الكتابة والحديث عن اهمية المدرسة وكمثال على ذلك ما اعلنته صحيفة "يديعوت احرونوت" بالتعاون مع نقابة المعلمين ومفعال هبايس والمركز التكنولوجي التربوي وشركة إل- عال بالاعلان عن جائزة سنوية لمعلمين متفوقين تحت اسم "المعلم المثالي في الدولة" حيث يختار خمسة معلمين من عدة قطاعات وتقدم لهم الشهادات التقديرية وتكتب المقالات والتقارير عن ذلك، كذلك نرى تحركا في اجهزة الاعلام المرئية حول موضوع التربية والتعليم.
رغم تعاطف الرأي العام والتحول الذي طرأ الا ان الحلول الجذرية ما زالت امامنا من خلال وضع خطة كاملة متكاملة تعالج موضوع تدني مستوى المدارس تحصيليًا وسلوكيًا.
*ألتعليم العربي ومرضه المزمن
منذ ان قامت دولة اسرائيل عانى جهاز التربية والتعليم من التمييز والاهمال وعدم التخطيط واحيانا اتباع سياسة التجهيل، ومازالت المشاكل التي نتحدث عنها في سنوات الستين عالقة وباقية رغم التقدم هنا وهناك، لذلك قامت في سنوات الثمانين لجنة شعبية منبثقة عن لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية لمتابعة قضايا التعليم العربي، تطورت هذه اللجنة ومازالت قائمة وهي بدورها تقوم بدور هام في ملاحقة ومتابعة قضايا التعليم العربي وطرحها على وزارة المعارف والرأي العام والسلطات المحلية العربية لتتم معالجتها.
لقد اصدرت اللجنة تقريرًا عن "القضايا والنواقص الاساسية في التعليم العربي" في ملحق الاتحاد من يوم الجمعة 28/8/2009 يمكن مراجعته.
*امتحانات البجروت ونتائجها
ان نتائح البجروت التي تعلن عنها وزارة المعارف كل سنة لا تعطي صورة صحيحة عن نسبة النجاح، رغم تدنيها هذه السنة مقارنة بالنتائج في الوسط العبري، وكذلك تدنيها عن السنة السابقة في المدارس العربية، فيكفي ان يتقدم الطالب للحصول على شهادة بجروت كاملة بتقدمه لـ 21 وحدة تعليمية في كافة المواضيع مع مستوى 3 وحدات تعليمية في معظم المواضيع وبذلك يسهل الحصول على الشهادة بهذا العدد من الوحدات.
ان المقياس للنجاح في امتحانات البجروت بمدى تمكن الطالب من القبول لمعاهد التعليم العالي وهي بحاجة الى 31 وحدة تعليمية لذلك.
نشرت وزارة المعارف هذه السنة قائمة بأسماء 15 مدرسة ثانوية في اسرائيل حصل فيها طلابها على شهادات تفوّق تزيد فيها عدد الوحدات عن 31 وحدة تعليمية ومعدل شهاداتهم 90 درجة او اكثر، ومن هذه المدارس خمس مدارس عربية هي مدرسة البيان في دير الاسد، المعمدانية في الناصرة، الكلية الارثوذكسية في حيفا، ماريوسف والمطران في الناصرة وجميع هذه المدارس هي مدارس خاصة وهذا يثير السؤال لماذا لم تحصل أي مدرسة رسمية عربية على هذا الانجاز!
تولي بعض السلطات المحلية العربية اهتمامًا خاصة في مدارسها وتحصل على نتائج جيدة ولكن بما انها تقبل جميع الطلاب دون انتقاء- فلم تحصل أي مدرسة ثانوية عربية على شهادة التفوق. ان التفوق ليس وحده المقياس لمدى نجاح المدرسة، بل المقياس الآخر والاهم حسب رأيي بمدى تمكن المدرسة في ايجاد الاطار المناسب لكل طالب وخياراته وذلك بفتح مسارات تعليمية تلائم ميول الطالب ورغباته وكذلك حاجة المجتمع لهذه المسارات والتخصصات.
* إنتشار ظاهرة العنف في المدارس
يكاد لا يمر يوم في المدرسة دون معالجة قضية تتعلق بالعنف داخل المدرسة وتزداد هذه الظاهرة سنة بعد اخرى، كما ان صورة العنف تزداد حدة من عنف كلامي احيانا الى عنف جسدي، موجه للمعلمين والادارة من قبل الاهل وهذه الظاهرة الى حد ما يمكن معالجتها بواسطة الشرطة، اما ظاهرة العنف بين الطلاب انفسهم فتأخذ ابعادًا خطيرة حتى ان بعض الطلاب يعلنون صراحة انهم يخافون الذهاب الى المدرسة لئلا يتعرضوا للعنف والابتزاز المالي والتحرش الجنسي، وتقف المدرسة احيانا عاجزة عن معالجة هذه الظاهرة، لان الشرطة لا تعالج قضايا الطلاب دون السن القانوني، واحيانًا اخرى تحاول المدرسة اخفاء هذه الظاهرة حفاظًا على سمعتها.
لقد توجهت برسالة خطية الى السكرتير العام للنقابة لطرح هذا الموضوع على جدول اعمال النقابة، بعد ان وصلتنا عدة شكاوى من معلمين جرى الاعتداء عليهم من قبل الاهل ولم تستطع ادارة المدرسة فعل أي شيء سوى الرضوخ الى عنف آخر من قبل آخرين.
تحاول وزارة المعارف ان تولي هذا الموضوع اهتمامًا خاصا بوضع برنامج خاص لمعالجة هذه الظاهرة هذه السنة من خلال تعديل بعض بنود حقوق الطالب وكذلك زيادة صلاحيات المربي ووضع العلم بالمركز وليس الطالب فقط، حتى يمكن تخفيف هذه الظاهرة وليس الى استفحالها كل سنة.
