باروخ مارزل وزمرته لم يفلحوا بدخول أم الفحم، فقد تصدت لهم جماهيرها ومنعتهم من ذلك.
هكذا أعلن الإعلام العربي، بإجماع ملفت للنظر، رافقته نبرة خفيفة لنصر عربي سجلته الجماهير على مشارف البلدة المعتدى عليها.
قوات شرطة إسرائيل، كعادتها، شرعت بإمطار أهل أم الفحم، ومن تواجد معهم من ممثلين وقيادات، بوابل من قنابل الغاز والصوت، وحجتها الممجوجة بعضُ حجارة ألقيت باتجاه هذا المارزل ومن رافقه. لا فرق عندها إن قُذِف الحجرُ الأول من مستعرب دس في صفوف شريفة، أو من جاهل استفزَّه عبث المشهد، أو مناضل أساء التقدير وأخطأ في تقييم النتائج.
الشرطة هي الشرطة، وعصيّها دومًا متأهبة وغازاتها جاهزة. والضحايا منذ الخمسينات وليومنا هم نفس الضحايا، مواطنين عرب تسلَّحوا بالكلمة وبالحناجر، التي تستهدف هذه الغازات خنقها وإسكاتها وإخافة أصحابها.
الطبيعي والأسهل أن أنضم إلى غيري ممن كتب ووصف المشهد وتداعياته، ذلك لأنني لا أختلف معهم حول من يكون المارزل هذا وما يمثله، وكذلك حول ما تبيِّتُه شرطة إسرائيل للجماهير العربية وإفراطها في استعمال القوة على غير وجه حق وبلا سبب يبرر اعتداءاتها المكررة في العديد من المظاهرات والمناسبات.
لكنني أنوي أن أطرق بابًا مغايرًا. لا من أجل المشاكسة الصماء ولا لمناكفة عارية، تزيد الهم غمّا. لا إنقاصًا لموقف أهل أم الفحم، ولا إهمالاً لأية رسالة أو موقف سياسي/نضالي توخاه وخطط له من قرَّر ما قرر إزاء زيارة هذا العنصري.
هل حقاً فشل باروخ مارزل ولم يحقق أهدافه المعقودة على هذه الزيارة؟ كي نجيب على هذا السؤال أعتقد أنه علينا أن نتفق أولاً حول ما هي الأهداف التي رجاها مارزل من زيارته؟
لو كان الهدف الوحيد للزيارة دخول مارزل وزمرته إلى شوارع أم الفحم و"التمختر" فيها بعنجهية وقرف لكان صدُّه، عند مشارفها، نصرًا مظفرًا. هدف الزيارة بعنوانها، وهذا ما أعلن عنه العنصري مارزل، هو المطالبة بإخراج الحركة الإسلامية الشمالية خارج القانون، وكذلك أعلن أن من شأن الزيارة أن تثبت أن أم الفحم هي "منطقة إسرائيلية" يحق له زيارتها متى شاء ومع من يشاء.
لقد استهدف مارزل، عمليًا، إثارة قضية المطالبة بضرورة إخراج الحركة الإسلامية الشمالية خارج القانون، ودفع هذه المسألة خطوةً أو خطوات إلى شفرة مقصلة الكنيست التي يستوطنها كثيرون يؤمنون كما يؤمن مارزل وزبانيته.
هل نجحت الزيارة بهذا؟
إلى حدٍ بعيد، برأيي، حظيَ عنوان الزيارة بنقاط، حتى وإن لن تسجل في حساب هذا العنصري لما لصق بزيارته من نوايا الاستفزاز المباشر، أدت إلى استياء الكثيرين في الشارع الإسرائيلي، برز منهم الوزير أفيشاي برافرمان على سبيل المثال.
المشكلة هي أن الأمور في تداعياتها الميدانية غيَّبت هذا المارزل ومجموعته القليلة، واستقرت، في المشهدية العامة، كصدامات بين جمهور عربي وبين قوات الشرطة الإسرائيلية، التي ادعت أنها جاءت لتحافظ على سلامة مواطنين إسرائيليين سمحت لهم محكمة العدل العليا بهذه الزيارة. وهي، أي الشرطة، ملزمة بتأمين تنفيذ قرارات السلطة القضائية في هذه الدولة.
لن يغير من وقع هذه المشهدية ما ندعيه، وهو صحيح، أن الشرطة أرادت حصول هذه التداعيات، أو على الأقل، لم تجتهد لمنعها بواقع ما توفر لديها من بدائل أقل صدامية، أو ما يقضيه التناسب الصحيح بين الفعل وردة الفعل. يبقى المهم، برأيي، ما وَقعُ هذه المشاهد على جمهور المشاهدين والساسة، والأهم في ذلك الجمهور الإسرائيلي وليس فقط جمهور "الجزيرة" والفضائيات الأخرى.
أثارت الزيارة، كذلك، قضايا جوهرية أخرى أغفلناها، وما زلنا، بالرغم من أهميتها.
أصواتٌ كثيرة هاجمت محكمة العدل العليا لأنها سمحت بالزيارة، فهل حقًا هذه أصوات صائبة؟ وهل كنا مع إصدار قرار يمنع الزيارة وإرساء تقييدات على حرية التظاهر والكلمة؟ أعرف أن المستهدف في هذه الحالة سيكون العنصري مارزل، لكننا، كأقلية تعاني في هذه الدولة، سنبقى مختبر التجارب الأسهل لما قد يعنيه قرار العليا في مثل هذه الحالة.
حضرت الشرطة، بهذه القوات، متذرعة بوجوب تأمينها سلامة المواطنين، وتنفيذ قرارات محاكم الدولة. كلنا يعرف قيمة المبالغة والمراوغة في هذه التبريرات، لكنني أتساءل ألم نزودها نحن بذرائع تدعم ادعاءاتها؟ فحيثما يصرح عضوٌ في لجنة المتابعة العليا، وفي بث حي ومباشر في راديوهات إسرائيل، أنه "لولا وجود الشرطة لما كان هؤلاء الأنذال يدخلون أم الفحم ويخرجون أحياءً"، نسأل في مصلحة من يصب تصريح كهذا؟ وكيف لنا، بعد هذا التصريح، أن نتهم الشرطة ونشكِّك بنوايا تواجدها؟
القيِّمون على القرار في أم الفحم صرَّحوا أنهم لن يشلوا الحياة ومرافقها في البلدة أمام زيارة تافهين. هذا موقف نمَّ عن رؤية صحيحة وتقييمٍ سليمٍ لكيفية وجوب استيعاب هذه الزيارة. لكنني أتساءل لماذا لم تؤمَّن خطوات إضافية تمنع انحراف الحدث ومجرياته عن هذا المفهوم والهدف؟ لماذا لم يحاول المسؤولون إقامة جسم قيادي ميداني لضمان الحل والربط المباشرين. جسم معلن عنه وليس اتصالات خلفية للتهدئة والمطالبات. جسم من شأنه أن يحجِّم استفراد قادة الشرطة بالقرار، ويؤمِّن كذلك شهادة حية لمجريات الحدث في ذات الوقت والمكان، وليس على ضفتي البركان الثائر أو المثوَّر.
كانت هذه بعض الملاحظات، وسأكتفي بها. فأنا لا أستهدف التنغيص على من يرفُل بمشاعر فرح على نصر صغير في صدِّ هجوم مارزل وزمرته. ولا أقصد تثبيط عزائم من وقف في وجه هؤلاء المأفونين، ولا أن أقلل من قيمة هممٍ شُحذت لتحمي أم الفحم وما تعنيه هذه البلدة وأهلها. لكنني أكتب ما أكتب لأنني أخشى من أن تكون خطوة مارزل هذا خطوةً إلى الخلف تتبعها خطوتان إلى الأمام. فالسياسة علمتنا دائمًا أن الخلف وأن الأمام هما قيمتان نسبيتان!
