يتكئ الرفضيون الفلسطينيون على موقف الرئيس محمود عباس وعلى تصريحات صائب عريقات في الاستدلال على فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، ويذهبون بعيداً إلى حد رفض المفاوضات كأسلوب وأداة من أدوات العمل والفعل لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني المهدورة، ولو كان لهؤلاء جماهير تثق بهم لخرجوا بهم يطوفون الشوارع مهللين مكبرين فرحين لفشل المفاوضات، ولكن لأنهم هامشيون بين صفوف شعبهم فإنهم يكتفون بالتحدث باسم الجماهير العريضة في رفض المفاوضات، والسبب بسيط لأن هذه الجماهير يتيمة ليس لها "أب" يدافع عنها أمام الهامشيين، فتكتفي بالصمت والحسرة على الفشل لأن الفشل يعني بقاء العذاب والوجع والاحتلال و... قيادات فاشلة غير قادرة على زحزحة الاحتلال وكنسه.
المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية قطعت شوطاً مهماً ووصلت إلى طريق مسدود، لماذا؟ من يتحمل مسؤولية فشلها؟ هل هم الإسرائيليون وحدهم؟ من أفشل المفاوضات وأوصلها إلى الطريق المسدود؟ أم أن هنالك شريكاً آخر يتحمل مسؤولية هذا الفشل؟ أليس هو الرئيس محمود عباس ومعه المفاوض صائب عريقات؟ فهما من يتحمل المسؤولية، ومن أوصل المفاوضات إلى الفشل وإلى الطريق المسدود بوعي وقرار مسبق؟
المفاوضات فشلت لأن طرفي الصراع والمواجهة والاشتباك، تمسك كل منهما بمصالحه ورؤيته وبقي مخلصاً لها.
فالإسرائيليون ممثلين بحكومة نتنياهو تمسكوا بمصالحهم الأمنية ومشاريعهم الاستعمارية، بدون أية مراعاة للمصالح الفلسطينية، فكانوا بذلك منسجمين مع المصالح التوسعية الإسرائيلية ومخلصين لها، ولذلك ضغطوا لمواصلة المفاوضات بدون القدس واللاجئين ومع بقاء المستوطنات والجدار، ووضعوا الاشتراطات التي تخدم مصالح المستوطنين وتوجهاتهم الاستعمارية التوسعية.
في المقابل بقي الفلسطينيون الممثلون بالرئيس محمود عباس ورئيس طاقمه التفاوضي صائب عريقات متمسكين بالمصالح الوطنية الفلسطينية وبالخطوات التدريجية التراكمية المفضية للانسحاب الإسرائيلي وبالتالي زوال الاحتلال ونيل الشعب الفلسطيني حقوقه وفق النقاط الثماني التي حددها أبو مازن في خطابه يوم الخامس من الشهر الجاري، وهذا هو الوضع الطبيعي السوي، وهذه هي الخلاصة المنطقية لمواقف طرفي الصراع والمواجهة والاشتباك، وغير ذلك، وبغير هذه النتيجة يكون هنالك خلل في مواقف طرفي التفاوض على الطاولة انعكاساً لما يجري على الأرض.
من يسعى لإنجاح المفاوضات من الجانب الفلسطيني عليه أن يختار واحداً من خيارين: إما دفع صائب عريقات بمن يمثلهم نحو تقديم تنازلات مجانية للإسرائيليين، أو العمل على تعديل موازين القوى على الأرض لجعل الاحتلال مكلفاً سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو أخلاقياً، فيدفع بذلك أصحاب القرار الإسرائيلي لقبول التنازلات وتقديمها إلى الجانب الفلسطيني كما فعلوا ذلك من قبل مرتين: الأولى عام 1993 بعد الانتفاضة الشعبية ذات الطابع المدني عام 1987، والتي دفعت اسحق رابين لاتخاذ قرارات إستراتيجية قامت على أساس الاعتراف الإسرائيلي بالعناوين والحقائق الفلسطينية الثلاث وهي الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير ودورها التمثيلي وبالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، حيث جرت أرضية هذا الاعتراف المتبادل سلسلة من الخطوات الإسرائيلية 1ـ الانسحاب التدريجي من المدن الفلسطينية، 2ـ عودة الرئيس الراحل ياسر عرفات من المنفى ومعه أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني، 3ـ قيام السلطة الوطنية كمقدمة انتقالية لقيام الدولة الفلسطينية المنشودة.
أما الثانية فقد نفذها شارون عام 2005، بعد الانتفاضة ذات الطابع المسلح والعمليات الاستشهادية التي تفجرت منذ أواخر العام 2000، وأجبرته على ترك غزة كاملة وفكفكة المستوطنات وإزالة قواعد جيش الإحتلال من طرف واحد وبدون شروط أو مفاوضات ثنائية.
المفاوضات ليست معابة بين المتقاتلين وبين الأعداء، فتاريخ الصراعات السياسية كانت تؤدي إما إلى هزيمة طرف لحساب طرف آخر، أو إلى المفاوضات بعد فشل أحدهما في تصفية الآخر، وهذا ما حصل في فلسطين، فقد فشلنا في رمي اليهود إلى البحر، وفشلوا هم في إنهاء الشعب الفلسطيني ورميه إلى الصحراء، فبقي على أرض فلسطين شعب فلسطيني وليس أقلية أو جالية، وهذا الشعب معاد للاحتلال، ويتميز بأنه شعب مسيّس يملك قضية عادلة يقر المجتمع الدولي بأغلبيته الساحقة بعدالتها، وهذه الحقائق الأربع هي أسلحة الفلسطينيين في مواجهة العدو الإسرائيلي المتفوق.
المفاوضات ليست بديلاً عن الكفاح المسلح أو عن الانتفاضة الشعبية، أو عن البرنامج الجديد الذي ينفذه سلام فياض ويؤديه على الأرض، وهو البرنامج الذي يتمثل ببناء حقائق ووقائع جديدة في مواجهة سياسة الأمر الواقع الإسرائيلي، وبالتالي فإن المفاوضات ليست بديلة عن هذه الأدوات والوسائل الكفاحية، بل هي أداة مكملة لها لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية، ولذلك استهجن ضيق الأفق السياسي وقلة الخبرة وغياب الوعي التاريخي بأهمية المفاوضات لدى بعض القيادات الفلسطينية الهامشية، التي لا تقر ولا تعترف أن المفاوضات وسيلة كفاحية ضرورية لإنجاز التطلعات الفلسطينية والحقوق المشروعة غير القابلة للتبديد أو التصرف أو التنازل، وهذه الحقوق هي ثلاثة: الحق في الاستقلال في مناطق الاحتلال الثانية عام 1967، والحق في المساواة في مناطق 1948، وحق اللاجئين في العودة إلى المناطق التي طردوا منها واستعادة ممتلكاتهم التي صادرتها الدولة العبرية.
وهكذا فإن المفاوضات بقيادة محمود عباس حققت هدفين: أولهما فك الحصارين السياسي والمالي عن منظمة التحرير وسلطتها الوطنية، وعودة الدول المانحة إلى تقديم العون والمساعدة المالية وهي إحدى أدوات الصمود، فالصمود على الأرض لا يولد من "طق الحكي" وبرنامج المفردات الثورية بل عبر توفير مستلزمات الحياة. وثانيهما الحفاظ على الحقوق الفلسطينية والتمسك بها كما بلورها أبو مازن في خطابه بالنقاط الثماني، وجعلها مقبولة من المجتمع الدولي.
المفاوضات مثلها مثل الكفاح المسلح والانتفاضة الشعبية وبرنامج سلام فياض في فرض الأمر الواقع، قد تكون مفيدة وقد تكون مؤذية، فإذا كانت العمليات الاستشهادية والكفاح المسلح صحيحة ومفيدة الآن فلماذا تتوقف عن القيام بها فصائل المقاومة التي تدرك بالملموس مدى الضرر الذي وقع عليها وعلى الشعب الفلسطيني بعد أن دفع ثمنها أبو علي مصطفى وأحمد ياسين وياسر عرفات على التوالي، ولا أعتقد أن هناك من يغامر في الإقدام على أفعال مغامرة غير مضمونة النتائج، في ظل التفوق الإسرائيلي، فالمطلوب ليس الإقدام على مغامرات وخيمة النتائج، بل استعمال أدوات كفاحية توجه ضربات موجعة ومؤذية للعدو بدون الإخلال بقدرات الشعب الفلسطيني على مواصلة النضال والفعل والتأثير على قدرات العدو وعلى إدراكه.
الانتفاضة الشعبية حققت نتائج مهمة للشعب الفلسطيني، وأكسبته أصدقاء حتى في صفوف الإسرائيليين والأميركيين، مع أن الخسائر الفلسطينية كانت محدودة والخسائر الإسرائيلية كانت معدومة، ولكنها أثرت على الإسرائيليين ودفعتهم للتسليم والاعتراف والانسحاب التدريجي من المدن الفلسطينية، لأن إسرائيل تعرضت لهزيمة أخلاقية أمام المجتمع الدولي، وهذا هو المطلوب فلسطينياً الآن، أي استعمال وسائل وأساليب كفاحية سليمة، كما يحصل اليوم في بلعين ونعلين والمعصرة وساحات المسجد الأقصى، تدين الفعل الإسرائيلي وتجعله منبوذاً من المجتمع الدولي.
