علـّوا الكوفية!

single

مرّت بضعة أعوام مُذ "تبَرْجَزتُ" واقتنيتُ سيارة، بالتقسيط المريح. فعزفتُ عن استخدام المواصلات العامّة، إلا في ما ندُر.
صبيحة هذا الأحد، آثرتُ أن أستقلّ الباص من حيّنا نحو "الهدار"، تلافيًا لأزمة السير ومواقف السيارات، وتجنبًا لتكبّد غرامة جديدة من بلدية حيفا، تُضافُ إلى غراماتٍ سابقة سأسدّدها، بدورها، بالتقسيط المريح. كان البرد قارسًا والريح زمهريرًا والشمس محتجبةً خلف الضباب، فتوكّلتُ وارتديتُ معطفي الشتويّ وتلفّعتُ بكوفيّتي. حثثتُ الخُطى نحو محطة الباص، وانتظرت. أشعلتُ سيجارةً وانتظرت.
جاء الباص، فصعدتُ ودفعتُ الأجرة. وإذ بالركّاب من أبناء عمومتنا ينظرون إليّ، يحدّقون بكوفيّتي الملفوحة وبـ "لاحَتي" العربية المفضوحة، شذرًا مذرًا. فعادت بي الذاكرة إلى أيام الجامعة، في عزّ الانتفاضة الثانية وحماها، حين كانوا يرمقونني بنفس النظرات المرتابة الخائفة. فلعلّ في هذه الشنطة قنبلةً موقوتة، ولعلّ وراء هذا المعطف حزامًا ناسفًا؟!
لم أجلس. فالمحطة المنشودة ليست ببعيدة. وقفتُ قبالة الباب الخلفيّ، كجُلمود صخرٍ، متظاهرًا بعدم الاكتراث أو الاحتراس. دخل الباص إلى وادي النسناس، وما أن مرّ بميدان إميل حبيبي وتابع إلى شارع الجبل حتى أذّن المُنادي الإلكتروني "المحطة القادمة: ?ادي نيسنَس!". "ألا تدرون أين أنتم؟"، قلتُ في سرّي، "ألا ترون أثر الشمس في هذه البنايات العتيقة، في هذه الوجوه السمراء، وفي ملامح المكان؟!".
لقد كانت الكوفية، حتى ثلاثينيات القرن الماضي، مجرّد "لفحة" بسيطة استخدمها أجدادنا الفلاحون أثناء حراثة الأرض ليجفّفوا عرقهم صيفًا ويتّقوا البرد شتاءً. ثم صارت في ثورة العام 1936 وسيلةً للتخفّي من الجنود البريطانيين، فباتت تُعتمَر في المدن أيضًا، من باب التمويه. ثم لازمت العمل الفدائي المسلـّح في المخيّمات، حتى أضحت رمزًا وطنيًا شاملاً رافق "الختيار" أبو عمار في مشواره النضالي من مشرقه إلى مغربه، راسمًا بها خارطة فلسطين الممتدّة من جبهته إلى صدره.
فهل كانت الكوفية ستكتنز كل هذه المعاني والرموز لولا ما حلّ بنا من نكبات؟ وهل كانت ستدبّ الرعب في نفوس الظالمين، لولا هذا الظلم المضيض؟ صدق شاعرنا توفيق زيّاد يومَ قال: "إنّ من يسلبَ حقًا بالقتال/ كيف يحمي حقَه يومًا إذا الميزانُ مال؟".
فـ "علـّوا الكوفية" إذًا، صيفًا وشتاءً، ولوّحوا بها في وجه كيري وإدارته، ونتنياهو وحكومته، وحلف شمال الأطلسي و"سلاميّته". فنحن قومٌ "عند الحق نخلي العالي واطيها". ولا بدّ للميزان أن يميل، ولو بعد حين..

قد يهمّكم أيضا..
featured

لقد انتصر صوت العقل.. وانتصرت الجماهير الواعية والشريفة ..

featured

نتنياهو يواصل التصعيد الخطير

featured

خيِّطوا بغير هذه المسلة!

featured

سرطان المعثكلة – البنكرياس(1-2)

featured

الأزمة الفلسطينية أزمة عربية (1)

featured

هل تستطيع نساء العالم تغيير فوضوية الفكر الاجتماعي والقضاء على سياسة الموت والقهر وللفكر السياسي الذكوري

featured

مصر: المترجرج والثابت

featured

منصف المرزوقي، أو عندما تبتلع الأوهام الفرديّة المشاريع المجتمعيّة