مصر: المترجرج والثابت

single

الحراك الذي أسقط حكم الرئيس حسني مبارك ولفيفه الفاسد بدأ قبل قرابة عامين. وقد استمر هذا الحراك بعد أن وَضَعَ مبارك وولديه وعدداً من أعوانهم في السجن، لكنه لم يبدّل طبيعة الحكم، إلا إذا جاز اعتبار الإنتقال من حكم طغمة مستبدة إلى حكم جماعة دينية، مستبدة هي الأخرى، تبديلا يُعتد به ويُسوّغ لصانعيه إطلاق تسمية ثورة عليه. وخلال هذين العامين، لم تجد الأزمة التي عصفت بمصر حلاً لها، بل إن هذه الأزمة تفاقمت وأدخلت البلد في الدوامة التي لم ينجُ أي طرف من تأثيرها.
سلوك جماعة الإخوان المسلمين هو الذي فاقم الأزمة. فالجماعة التي حلّت محل طغمة مبارك، ومعها الجماعات الدينية الأخرى التي على شاكلتها، تابعت طريق الطغمة التي نُحِّيَت، دون حتى أن تملك الخبرة التي كانت لهذه الطغمة. غياب الخبرة أنتج الفارق الرئيس بين الطغمة السابقة وبين الجماعة. هذا الفارق جسّده تعجُّل الجماعة الاستئثار بالحكم والتسلط على البلد في غضون شهور فقط، لترث ما استحوذت عليه طغمة مبارك بجهود اتصلت على مدى عقود. ولو أن التعجل استهدف التفرد بالسلطة ومنافعها، فقط، لربما بدا الأمر مفهوماً، لكنّ تعجل الجماعة اقترن بالسعي إلى إقامة الدولة الدينية وفرض دستور يُفصّل نظام حكم ديني قد يصير أسوأ حتى من نظام الحكم السعودي.
سعْي الجماعة إلى الدولة الدينية لا يمضي في طريق ممهدة. فميزان القوى الداخلي في البلد، كما أعيدت صياغته بعد تنحية مبارك وتشتيت طغمته، أبرز مجموعات من القوى السياسية أغلبها غير مفتون بالدعوة إلى بناء دولة تماثل دولة السلف الغابر، صالحاً كان هذا السلف أو غير صالح. وخارطة القوى الماثلة الآن يمكن إجمالها في ثلاث مجموعات: مجموعة القوى الدينية بتلاوينها المتعددة؛ ومجموعة الجيش وأجهزته الأمنية ومجمّعاته الإنتاجية والخدمية؛ ومجموعة القوى العصرية التي تمثل المصريين المتطلعين إلى الانعتاق من إرث القرون الوسطى وقيودها وتخلفها، العازمين على عصرنة الدولة.
هذه المجموعات تقاطعت مواقفها في لحظة واحدة حين جمعها العمل على تنحية مبارك، ثم اختلفت بعد ذلك كما كانت مختلفة قبله. وفي كل واحدة من هذه المجموعات الثلاث تتجاور أطراف عدّة، فتتحالف أو تتنابذ، وتتواتر التحالفات والتنابذات على إيقاع تواتر الأحوال.
مجموعة القوى الدينية التقت على هدف جعل مصر دولة دينية. ووحّد بين قوى هذه المجموعة البغضُ المزمن لكل من هو وما هو عصري، ثم اختلفت على ما عدا ذلك. وقد دخلت القوى الدينية انتخابات مجلسي الشعب والشورى والجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية وهي متفرقة ومتنافسة ومتنابذة، وكل واحدة منها تسعى إلى تكبير لحافها على حساب الأخريات. واستمر الاختلاف بعد الانتخابات، إلى أن تفاقمت أزمة إعداد دستور مصر الجديد فتوحدت القوى الدينية مرة أخرى على تحدّي القوى العصرية، وعملت على فرض الدستور الديني.
مجموعة الجيش أخذت موقفاً سمّاه المتحدثون باسمها محايداً. ظن قادة المجموعة أن التزيِّي بالحياد يبقي الجيش بيضة قبّان الدولة ويحفظ لقادته النفوذ الذي سيق إليهم أثناء الانتقال من حكم الطغمة المباركية إلى حكم الجماعة الدينية. ولئن صح أن هذه المجموعة تلقت ضربة مباغتة على يد الجماعة، وأن الضربة أفقدت المجموعة عددًا من قادتها، فالصحيح، أيضًا، أن هذه الضربة لم تلغِ مكانة الجيش ولم تبدّل مصادر نفوذه المحلية والخارجية. وهذا هو ما يُبقي كل واحدة من المجموعتين الأخريين، الدينية والعصرية، على حذر من الجيش وعلى أمل فيه.
مجموعة القوى العصرية تتعدد أطرافها تعدداً لا يأذن حتى بإعداد قائمة تستوفي أسماء هذه الأطراف جميعها. تستند هذه القوى إلى قواعد شعبية واسعة. لكن حجوم القوى ذاتها أقل، وفق أي حساب، من حجوم قواعدها الشعبية. وليس بين القوى العصرية واحدة لها الحجم الذي يؤهلها لان تصير قوّة قائدة. ثم إن الخلافات التي تعتمل داخل هذه المجموعة وداخل كل قوة فيها، لا تقل عن ما يعتمل من خلافات داخل بقية المجموعات.
ميزان القوى الداخلي، وفيه كل هذا التعقيد، هو إذًا، ميزان مترجرج. وترجرج هذا الميزان يشتد حين ينضاف إلى أسبابه الداخلية تأثيرُ التدخلات الخارجية في الشأن المصري. وما أكبر هذه التدخلات، العربية والإسلامية والأجنبية، وما أعظم وسائل المتدخلين، وما أشدّ تبايناتهم!
غنيٌّ عن البيان أن هذا التصنيف الوجيز لمجموعات القوى الداخلية وهذه الإشارة الأوجز لقوى التدخل الخارجي، لا يلغيان التداخل القائم بين القوى الداخلية ذاتها أو بين الأطراف الخارجية. يُضاف إلى هذا حركةُ الانتقال المطردة من مجموعة إلى غيرها، الحركة التي يشتد تواترها بمقدار ما يصير ميزان القوى رجراجاً ويتأخر استقراره. وكل هذا الذي لم يُشَر هنا إلا إلى بعض عناوينه، فقط، يُظهر كم هي متعجلة تنبؤات الذين يجيزون لأنفسهم ان يروجوا بشائر أو نذراً يقينية، وكم هي خطيرة الخطط التي توضع بهدي هذه التنبؤات.
فمن الذي يستطيع، وهذا على سبيل المثال، أن يتنبأ بيقين حول مآل موقف الجيش ومجموعته. لقد سهَّل جيش مصر لجماعة الإخوان المسلمين تسلم مناصب القمة السياسية في الحكم، بعد أن تلقى قادته عهد الجماعة أن تبقى لهم هم سلطة القرار في أمور كثيرة. فهل استقر اتفاق الجماعة والجيش الذي جاء بمحمد مرسي رئيساً للدولة وأسقط منافسيه ومنهم من كانت له فرصة أكبر من فرصة مرسي. ومن الذي يستطيع ان يتنبأ، وهذا، أيضًا، على سبيل المثال، بمآل الموقف الأميركي، الذي انطلق من اعتماد الإخوان المسلمين قوة كبيرة في السلطة دون أن تتفرد بها، ودون أن تصبغ الدولة المصرية بالصبغة الدينية. كان هذا تنفيذاً لاتفاق بين الإدارة الأميركية والجيش والإخوان المسلمين، فهل استقر هذا الاتفاق. وهل يمكن للجماعة المدفوعة بإرثها المتخلف وأطماعها الضخمة أن تسترضي الولايات المتحدة. مثلان من عشرات الأمثلة التي يعرضها المشهد المصري فتدّل على مدى تعقيد الوضع وصعوبة التنبؤ.
وسط الترجرج الذي يفاقم الأزمة يمكن الوقوع على عناصر ثابتة تفاقم الأزمة هي الأخرى. فهناك عجز القوى الدينية المصرية عن السلوك بما يتعارض مع طبيعتها. وهناك تصميم القوى العصرية على مقاومة السعي المثابر لجعل مصر دولة دينية على غرار السعودية مثلا، ووجود فرص أمام هذه القوى لتنمية إمكانياتها وتحسين أدائها. وهناك إسرائيل المدفوعة أكثر من غيرها إلى الاهتمام بما يجري في مصر. وإسرائيل لا يلائمها أن يستقرّ حال هذا البلد، لا للعصريين ولا للمتخلفين فيه. وهي، لهذا، مرشحة لمضاعفة جهودها من أجل الدفع نحو الاضطراب ومزيد من الاضطراب باستمرار، ولديها إمكانيات وأمامها فرص.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألحرمان البابوي ضد الشيوعيين

featured

تقاطع والتقاء سعودي-اسرائيلي!

featured

تحت العباءة الأمريكيّة

featured

جرائم هدم جديدة/قديمة

featured

رحيلك أيها الرفيق توفيق طوبي

featured

لبيد ثعلب الانتخابات

featured

ألحق على قدر اهله