(الحلقة 2)
لم تسقط الهزيمة العسكرية في حزيران 1967 نظامي الحكم في مصر وسوريا كما أستهدف مشعلو تلك الحرب ومنفذوها.
لذا ليس صحيحا توصيف نتائجها بالنكسة –كما درج البعض على توصيفها . فقد استعاد كل من البلدين عافيتهما العسكرية خلال السنوات الثلاث التي تلت تلك الهزيمة العسكرية القاسية، استعدادا لحرب جديدة يحرران فيها ما احتلته اسرائيل من اراضيهما، فقد لبى الاتحاد السوفياتي –الذي كان قائما أنذاك-ما احتاجه جيشاهما من أسلحة متطورة وتدريب.
توفي جمال عبد الناصر في 28 أيلول 1970 قبل انجاز مهمة التحرير،فتولى انور السادات، نائبه،رئاسة مصر والقيادة العليا لجيشها وبعد سلسلة من الاجراءات المشبوهة التي نفذها خلال السنوات الثلاثة الاولى من رئاسته. أتفق مع القيادة السورية على خطة وموعد الحرب لتحرير اراضي الدولتين التي أحتلتها أسرائيل في حرب حزيران 1967(شبه جزيرة سيناء ،والجولان والاراضي الفلسطينية ).
وفي السادس من أوكتوبر 1973 باغت الجيشان المصري والسوري بفتح تلك الحرب التحريرية. وفي عز الانتصارات التي حققها الجيشان المصري والسوري على الجبهتين خلال الايام الاولى من تلك الحرب أقدم انور السادات على خيانته (المتفق عليها مع امريكا مسبقا ،كما ظهر لاحقا) .التي اعطت للجيش الاسرائيلي فرصة شل قدرات الجيش المصري من جهه ، وتفريغ قوى كبيره منه وتوجيهها الى جبهة الجولان لدحر الجيش السوري من المواقع التي كان قد حررها. وقد أستكمل السادات خيانته تلك لاحقا بزيارته لأسرائيل (في أواخر نوفمبر 1977)
وبدأ المفاوضات مع حكومتها (برئاسة بيغن)وتحت الرعاية الامريكية . وأدت تلك المفاوضات الى اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر رسميا من دائرة الصراع ضد الهيمنة الامبريالية عموما . وكان السادات قد أخرجها عمليا من هذه الدائرة منذ زيارته لأسرائيل – أي قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد بسنه ونصف .
وكانت حكومة بيغن قد فحصت صدق نوايا السادات ونظامه في أخراج مصر هذا المخرج ،بعد أربعة أشهر من زيارته لأسرائيل عندما ِ شنت حربها العدوانية على الجنوب اللبناني في مطلع ربيع العام 1978(حرب الليطاني كما أسميت في حينه)فلم يحرك السادات ونظامه ساكنا ولا حتى باحتجاج كلامي . بل واصل مفاوضاته وحكومة بيغن وكأن شيأ شاذا لم يحدث!!
وهكذا وجهت الامبريالية الامريكية وشركاؤها ضربة قاصمة الى حركة التحرر العربية عموما، وطعنة الى الدولة الثانية التي قادت مع مصر تلك الحركة على مدى خمسينيات وستينيات واوائل سبعينيات القرن الماضي- أي سوريا .
ولكن سوريا الوطنية صمدت ، وبصمودها اعطت الأمل لكل قوى التحرر الوطني العربية، رغم ليل الانتكاسة الذي نشرته خيانة السادات وعبر بها عن أرادة ومصالح "قطط مصر السمان " وليس عن أرادة ومصالح شعب مصر .
امتد ليل النكسة هذا طوال سنوات الربع الاخير من القرن العشرين،وخلال تلك السنوات ارتكبت القوى الامبرالية شتى العدوانات على الشعوب العربية في مواقع متعددة، ارتكبتها اما بايدي جيش اسرائيل (نيابة عنها جميعا) واما بأيدي جيوش الدول الاعضاء الرسميين في حلف الاطلسي مباشرة وفي مقدمتها الجيش الامريكي.
وهل انا بحاجة للتذكير بالتفاصيل ؟! الا تذكرون حرب اسرائيل على لبنان في العام 1982، التي ساهمت فيها قوات المارينز الامريكية ؟ الا تذكرون حملة" تصفية الحساب" وحملة "عناقيد الغضب" الاسرائيليتين على لبنان في اعوام التسعينيات من القرن الماضي؟!
الا تذكرون أسقاط الحكم الديموقراطي الشعبي في اليمن الجنوبي، وأسقاط الحكم الوطني في اليمن الشمالي وتوحيدهما تحت رئاسة علي صالح صديق امريكا الصدوق ؟!
الا تذكرون حرب لبنان الأهلية التي أشعلها عملاء امريكا واسرائيل وفرنسا، وما اضطرت سوريا لدفعه من دم جيشها لأيقاف تلك الحرب التي كانت تستهدفها ايضا؟! الا تذكرون الفتنة التي أججها الامريكيون في حماة السورية قبل اربعة أشهر من عدوان اسرائيل على لبنان في العام 1982 وتمهيدا لها ؟! وهل أنا بحاجة للتذكير "ببطولات" الاحتلال الاسرائيلي على شعب فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة ،طوال تلك السنوات؟!
في كل تلك الاحداث كانت الامبريالية الامريكية وشركاؤها في اسرائيل وفي دول اوروبا الغربية يزرعون في كل تلك الربوع، التي وصلتها أقدام جيوشهم وأجهزة أستخباراتهم، أشتال الديموقراطية وحقوق الانسان ويروونها بدم شعوبها!!!
وفي نفس الفترة الزمنية التي يجري الحديث عنها -أي الربع الاخير من القرن العشرين- حدثت أعاجيب أخرى في هذه البقعة من العالم المسماة بالعالم العربي لا بد من التذكير بها :
منها ان مصر –أم هذا العالم- صارت في ظل حكم السادات الاول ،والسادات الثاني (حسني مبارك) موئلاْ ليس فقط للقاء قادة أجهزة الاستخبارات الأمريكية والأطلسية ومجروراتها العربية ،وانما أيضا للمناورات العسكرية الأمريكية المصرية المشتركة التي حملت أسم" النجم الساطع" !! وأما العجيبة الثانية فكانت تحول جل أنظمة الحكم العربية الى أنظمة "واقعية وعقلانية" في التعامل مع العدوانية الامبريالية –الأمريكية- الأطلسية الاسرائيلية
وفرحت بتسميتها دول الاعتدال. وتحولت الجامعة العربية التي تؤطرها الى ختم مطاطي في يد امريكا وشركائها .
واما الاعجوبة الثالثة فكانت انتشار القواعد العسكرية الامريكية في العديد من أقطار هذا العالم العربي المعتدل، بذريعة درء الخطر السوفياتي عنه،قبل ان ينهار الاتحاد السوفياتي، وتزايدها واتساعها المتواصل بعد انهياره!
وفي هذه الاجواء مرر الامبرياليون أتفاقية اوسلو - او بالأحرى لعبة أوسلو- التي أوهموا الرأي العام أنها خطوة تأسيسية للوصول الى سلام عادل بين اسرائيل والفلسطينيين . ومن بعدها مرروا أتفاقية السلام الاسرائيلية –الاردنية وكل ذلك مع أبقاء الاحتلال الاسرائيلي على حاله في الاراضي الفلسطينية وهضبة الجولان السورية والجنوب اللبناني. وأطلاق الحرية لهذا الاحتلال وللعدوانية الأسرائيلية عامة لارتكاب كل ما يخطر ببالهما من عدوانات متى ما شاء أصحابها ومسانديهم ألأمريكيين والأوربيين والأطلسيين، وما تقتضيه مصالحهم في هذه المنطقة من العالم.!!
أما عجيبه العجائب التي حدثت بصمت خلال تلك الفترة الزمنية فقد تمثلت بنمو شريحة وازنة من دهاقنة المال-المليارديريين- العرب صار لها مكانها ومكانتها في تكتلات رأس المال المالي الدولية وما يرتبط بها من احتكارات، فنقلت عددا من الانظمة العربية من مرتبة نواطير مصالح الامبريالية وخدمها، الى مرتبة الشريك في نهب ثمار كدح وثروات اوطان الشعوب العربية وسواها.(وسأتحدث عن تفاصيل ذلك وعن تداعيات ذلك لاحقا)
بالاضافة الى ما تقدم أجد من الضروري التذكير بحدثين أمدا النكسة وصانعيها بأكسجين أضافي. كان اولهما الحرب العدوانية التي شنها نظام صدام حسين الارعن على الجمهورية الاسلامية الايرانية المعادية للامبريالية ، ولما تكمل السنة الاولى على انتصار ثورتها التي أطاحت بنظام الشاه الايراني العميل.
تلك الحرب التي أنهكت البلدين ،واخذت العراق الى موقع خدم موضوعيا وعمليا قوى الامبريالية ومخططاتها.
أما الحدث الثاني فكان الحرب العدوانية التي شنها نفس النظام المذكور على الكويت واحتلها في صيف 1990،وقدم بها نظام صدام حسين المبرر للامبريالية الأمريكية وشركائها وخدمها في المنطقة لتمويه مطامعهم والاستعداد لتنفيذها والظهور مع ذلك كأنهم قوى تحريرية لا تبغي سوى حماية سيادة الكويت من اعتداء المعتدي !
وفي الحدثين وقفت سوريا ونظامها بقيادة حافظ الاسد الموقف الوطني السليم الرافض والمقاوم للحروب العدوانية . وقامت بتوطيد علاقاتها بالجمهورية الاسلامية الايرانية ،التي ومنذ الايام الاولى لانتصار ثورتها(ثورة الخميني) انتهجت ومارست سياسة العداء للاستعمار والامبرياليين. وبهذا الموقف من الحدثين أضافت سوريا بشعبها ونظامها الى رصيدها كالدولة العربية الوحيدة المثابرة على موقفها الوطني المعادي للاستعمار والرافض للخضوع لأملاءاته او الوقوع في خداعاته . ولذا تحولت سوريا ،وبحق، الى الموئل والسند لكل قوى المقاومة العربية. وتعزز موقفها هذا بعلاقات الصداقة والتعاون التي توطدت بينها وبين جمهورية ايران الاسلامية.
اما مفاعيل هذا الموقف فقد بدأت تتجلى في الحدث الكبير وغير المسبوق في هذه المنطقة الذي وقع في الرابع والعشرين من أيار العام الفاصل بين القرن العشرين المنصرم وبداية القرن الحادي والعشرين الحالي – أي عام الفين.
وأعني به انسحاب جيش الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان دون قيد او شرط ، وبعد اثنتين وعشرين سنة أمضاها فيه، وهو يغرس أشتال الديمقراطية وحقوق الانسان وكرامته!!اليس كذلك؟!
فماذا تنتظرون من الامبريالية- بشتى فصائلها ؟ وماذا تنتظرون من أعضاء حلفها الاطلسي الرسميين – بدءا من الولايات المتحدة الامريكية وعبورا بدول غرب اوروبا وانتهاءا بتركيا ان يقولوا لسوريا شعبا ونظاما: شكرا ؟! ام ان يوجهوا نفس الشكر الى ايران الجمهورية الاسلامية المثابرة كسوريا على نهج معاداة الاستعمار ومقاومة مخططاته؟!
أنها لحقيقة ساطعة بان هاتين الدولتين بنظاميهما القائمين هما العنوان في هذه المنطقة لمقاومة الامبريالية وممارساتها ومخططاتها العدوانية .واليهما تستند كل قوى المقاومة لشعوب هذه المنطقة.
وهذه الحقيقة هي الامر الحاسم ،الاساسي في المرحلة التاريخية التي تعيشها شعوب منطقتنا اليوم. ولا يمكن لأية مأخذ –حقيقي كان او مغرض- ضد نظاميهما ان تدحض او تشوه هذه الحقيقة،التي ينبغي لكل وطني وتقدمي ان يتمسك بها ويدافع عنها .
(يتبع)
--------------------------------------------
** أثناءارسال مادة الحلقة الاولى من هذا المقال التي نشرت في 15 من الشهر الجاري ،سقط عنوانها الخاص: "تجربة مضت ولكن دروسها باقية"
