العبد وابن عمّه وليد

single

لقد توصّل الإنسان عِبر سنوات طويلة من الخبرة والتجربة، الى أن العَدُوَّ العاقل خيرٌ من الصديقٍ الجاهل. وأعتقد أنه لم يكن من السهل على صديق أو قريبٍ الوصولَ إلى مثل هذه القناعة، فيفَضِّلَ، ولو بالفِكر، عدوًّا أو حتى خصمًا عاقلًا على صديقه أو قريبه أو ابن بلدته ودينه وعشيرته! فمسألة العقل أو التعقّل والرزانةُ من ناحية، والجهل من الناحية الأخرى، لم تكن تهمّهُ كمبدأ أو قِيمةٍ سلوكيّة. كان التعقُّلُ والنضوج والحقيقة، وربّما لمّا يزالوا، لدى الكثيرين، خصوصًا من أبناء شعبنا، مرتبطين بمدى القرابة، صَداقةً أو قُربى دمويّة أو انتماءً للدين أو المذهب ذاته! أمّا الخصم أو العدُوّ فَيُنْعَتُ بكل صِفةٍ سلبيّة سيّئة...
"صديقي لا يمكن أن يَغُشَّني"، أقول لنفسي وللسامعين. ويليني آخر: "وابن عائلتي أيضًا كذلك". "وابن ديني". "وابن بلدي"! هؤلاء كلهم لا يمكن أن يتسبَّبوا لي بضرر، وبالتالي فلا يجوز أن أُفَضِّلَ غيرهم عنهم!
ويبدو أنّنا، أبناء هذا الشعب الطَّيِّب، الذي تربّى ونشأ على هذه المفاهيم الحميدة بحدّ ذاتها، لم نختبِر أن كلَّ إنسان مهما بلغت درجة قرابته إليّ، قد يُطَوِّر مع الزمن مفاهيمَ ومعاييرَ خاصة به. حقيقة خاصّة، ومواقف خاصة، وتوَجّهاتٍ يَعتَقِدُ أنها "الصَّحُّ" المُطلَقُ الوحيد! وأنّ هذه المفاهيم والتوجّهات قد تتعارض مع مفاهيمي أنا قريبَهُ وابنَ دينِهِ، أو حتى ابنَ ابيهِ وأمّهِ!

***
لن أتعرّض في هذا الحديث إلى "العدوّ العاقل المُفَضّل عن الصديق الجاهل". فما يهمني أكثر هو ضرورة الانعتاق والتحرّر من الروابط العائليّة والدينيّة والعشائريّة وعدم ربطها الدائم بالخير والصدق والمساندة! ولعل كلّ قارئ منّا يعرف قصةً أو حالةً تؤكّد أنه ينبغي علينا، "وقد أصبحنا كبارًا"، ألّا نستسلِم بعد لهذه الروابط، فنربطها بالخير الدائم كما تَقَدَّم، وتربطنا معها بعدم التفكير النّقدي من ناحية، ومن الناحية الأخرى، بالتزام الرؤية المُحَدّدة باتجاهٍ معيَّن واحد، كما يَطلُبُ الحوذي (العَرَبنْجي) من حصانِهِ الذي يجرّ العربة!  القصة التالية سمعتها من مصدر موثوق، والاسمان فيها غيرُ حقيقيّيْن...

***
كبُرَ وليد ابنُ عمّي الذي كان طالبًا نشيطًا في دروسه عندما تعلّمنا معًا في مدرسة القرية، وانتقل بعد ذلك إلى ثانويّة القرية المجاورة، بينما تركتُ أنا المدرسة وبدأت أبحث عن عمل، أيِّ عمل. فنحن أسرةٌ كثيرة الأنفس وبحاجة إلى مصاريف المعيشة. اشتغلتُ في العمل الزراعيّ المتعِب، وفي البناء والنقليّات (العتالة). كان أجري قليلًا، وعندما كنتُ أطلب مبلغًا لنفسي من والدي، مدير البنك العائلي، كان يصرخ في وجهي ويدّعي أنني لستُ كسلان فَحَسْبُ، بل عديم الإحساس ومُبَذِّر."شوف وليد الله يخليه"!
هل أنا فِعلًا كذلك؟! أحني رأسي أمام أبي وأحيانًا "تَفِرُّ الدمعةُ من عيني" بسبب صراخه واتهاماته، لكنني لا أُجيبُهُ بكلمة، فهو أبي وعليَّ واجب احترامه. هل أنا كسلان؟ أنهضُ من نومي قبل صلاة الفجر، أحيانًا كنت أتمكّن من الصلاة، لكن عندما بدأت أذهب مع الشباب لإسرائيل بالتهريب، لم أعُد أتمكّن أن أصلّي الفجر! أنا أيضًا لا أُدَخِّن السجائر رغمَ تشجيع رفاقي، لأنني أحاول توفير كل شاقل لإخوتي وأهلي بسبب سوء الحالة الماديّة، وآخذ زوّادة معي يوميًّا "نصّ منقوشة بزعتر"، كانت والدتي قد حضّرتها مساء اليوم السابق، آكلها مع "كاسِة شاي"، حتى لا أضطرَّ أن أبذِّر نقودي...
يؤلمني حديث والدي، ومع هذا فأنا أتنازل عن طلبي، وأخرج قاصدًا دار عمّي، لأنني سمعت بأنّ وليد ابن عمي، الذي أحبه، قد عاد من الكلية التي يدرس فيها. وجدته يجلس بين والديْه وإخوته، وقد تغيّر شكل وجهه بسبب لحيته التي أطلقها. آخذُ كرسيًّا صغيرًا وأجلسُ في مكان مُقابل له أستمع حديثَهُ. كان وليد يتحدَّث في مواضيع لم أفهمها كلَّها، غير أنني كنتُ أشعرُ بالفخر والسعادة لأنّ ابن عمّي يتحدّث بأمور سياسيّة عُليا لا أحد يقدر أن يتحدَّثَ بها مثلَهُ في القرية ربّما ما عدا مدير المدرسة وشيخ البلد.
وفي عصر أحد الأيام حضَرَ وليد لزيارتنا. فاستقبله والدي ووالدتي بفرح كبير، وبعد حوالَيْ ساعة من الحديث مع والدي الذي كان يردِّدُ وهو يستمع لوليد: “ما شاء الله"! مرارًا، قال لي وليد: "تعال يا ابن عمّي نتمشّى بَرّه شْوَيْ". فرحتُ كثيرًا وقلت: "يلّلا"! خرجنا، وبدأ وليد يحدّثني عن ضرورة مقاومة الاحتلال لتحرير بلدنا من اليهود. أجبتُهُ بأن لا يهود موجودين في بلدنا! ضحك وليد بصوت عالٍ وضمَّ رقبتي إليه قائلًا: "ولك مش في بلدنا، بلدنا! المقصود بلادنا فلسطين يا ابن عمي عبِد"!
خلال حوالي ساعة مشينا ذهابًا وإيابًا على الطريق الترابي، قلت لوليد إن وضعنا المادي صعب، وأنا مضطر أن أشتغل وأساعد إخوتي الصغار في المدرسة. حاول وليد أن يقنعني بأن مقاومة الاحتلال أهم شيء. سألتُهُ ماذا يفعل هو لمقاومة الاحتلال؟ فأجابني انه يدرس ويتعلّم ليصل إلى مستوى وضع الخِطَط لتحرير الأمّة مِمّا ينتابُها مِن هوانٍ ومهانة. لم أفهم ماذا يفعل تمامًا، لكن لا بدّ أن يكون عمله مهمًّا، فقد أشرف على إنهاء السنة الأولى في كليّة المدينة البعيدة عن بلدنا!
ولمّا اقتربنا أن نفترق، قال لي وليد: " عبِد! فكِّر في ما قلتُهُ لك، وسنواصل الحديث في المرّة القادمة". تمنيتُ ألّا يسألني أبي عمّا تحدّثنا أنا ووليد، والحمد لله لم يسألْني!
صار وليد في كل مرّة يعود إلى القرية يحدثني أكثر عن واجب المقاومة، "حتى لو كان ثمن المقاومة، الشهادة". فالشهداء "أحياءٌ عند ربهم يُرزَقون" كما يؤكّد الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم. هذا إلى جانب كثير من الامتيازات الدنيويّة التي تكون من نصيب الشهيد. وكنتُ في كل زيارة لوليد أشعر أنني شابٌّ مهمّ. فابن عمّي كان يدعوني لزيارة الكلية لأنّ المعلّمين فيها يحبّون أن يتعرّفوا علي، خصوصًا بعد أن حصلتُ على تصريح للعمل داخل إسرائيل. صارت المقاومة بالنسبة لي أسهل، وإمكانيّة الإفلات من قبضة الشرطة و"الشاباك" أسهل أيضًا، كما قال لي وليد!
 "وليد ابن عمّي، كان شاطر في المدرسة، وبعده شاطر في الكلية" قلتُ في نفسي، وامتلأتُ فخرًا واعتزازًا!

***
خلال عملي في البناء في "بيت شيمش"، زارتنا الشرطة بثياب مدنية وساقوني وحدي إلى مكان معزول، حيث سألوني هناك عن وليد ابن عمي، وعمّ نتحدّث عندما أزوره ويزورني. أجبتهم بأن وليد ابن عمي وابن صفي ونحن أصدقاء نتحدّث عن دراسته، وأحدّثه عن عملي فقط. لم تعجبهم إجابتي، فصاروا يهدّدونني بالسجن لي ولإخوتي وأخواتي وأمي، إذا تبيّن لهم أنني أكذب. قلت: إفعلوا ما تريدون، فأنا لا أكذب! أعادوني إلى مكان عملي، وقبل أن أنزل من السيارة قال لي أحدهم:" دير بالك! إنت هون بتصريح!".
بعد هذه الزيارة، دبَّ فيَّ الخوف على وليد ابن عمّي، لكني لم أقل شيئًا لرفاقي في العمل. وقبل أن أذهب لبيتنا مررتُ على دار عمي. لم يكن وليد هناك، فأخبرتُ عمي بما حدث، وعدتُ إلى بيتنا. لم أستطع النوم في تلك الليلة، وفكّرتُ ألّا أعود لعملي في إسرائيل! غير أنني خفتُ أن يفسِّروا عدم عودتي للعمل بما يمكن أن يضُرَّ وليد!
لم يحدث شيء في اليوم التالي يثير مخاوفي. لذلك قررتُ أن ارجع لعملي كالعادة، ولكن سأقاوم وأطعنهم بالسكين إذا حضروا للتحدّث إليّ كما فعلوا قبل يوميْن. انتظرتهم، وطال الانتظار، لكنهم لم يحضروا! فكّرتُ أن أقتل الفورْمَن صاحب العمل بالسكين قبل انتهاء الدوام بقليل، حتى لا يستطيعوا اكتشافي قبل مغادرة مكان العمل! هذا يُحسَبُ عمل مقاومة! نفّذتُ العمل، طعنتُ الفورْمَن طعنةً قاتلة، وسارت الأمور كما قدَّرتُ، لكن لم أفهم معنى تجمّع قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود والشرطة والشاباك والمستوطنين وغيرهم عند الحدود! وازداد خوفي عندما أوقفوا السيارة التي كنتُ فيها، ووجّهوا بنادقهم صوب رأسي، ثمّ قيّدوني، وأغمضوا عينيَّ ودفعوا بي إلى إحدى السيارات التي سارت بنا بسرعة هائلة إلى مخفر بعيد!
وفي المخفر قيّدوني برجليَّ أيضًا، لكنهم فكّوا الرباط عن عينيَّ لأرى بجانبي وليد ابن عمّي مقيّدًا مثلي ومربوط العينين! سألتُ بتعجّب: "وليد؟!" فلم يُجِبْ! جاء أحدهم وأخذهُ من غرفتي، فصرختُ مقسِمًا أنني لم أقل عنه شيئًا! فتقدّم إليّ واحد من الحاضرين ليقول لي بالعربية: أنتَ لم تقل عنه، هو قال عنك يا بطل!
"مش معقول. وليد صديقي وقريبي! ولكْ هذا ابن عمّي ومثل أخوي!"

***
تستطيعون كلكم أن تعرفوا ماذا حصل للعبد، بالإضافة للضرب والتعذيب. حُكِمَ عليه بالسجن المؤبّد، وهُدِم بيته. أما الأنكى من هذا كله، فإن معظم سكان القرية لم يصدّقوا أن وليد شهد على ابن عمّه، ولم يقبلوا التهمة على طالب كلية الشريعة المجتهد، بل آثرَوا الظَّن ان العبد هو الذي سلّم ابن عمه وليد!
 (المكر- إقرث)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليست جريمة فرد بل جهاز

featured

بدون شروط مسبقة

featured

الجيوبوليتيك والثورة التاريخية: دققوا في المسارات العراقية

featured

شراكة كاملة ومتوازية

featured

مشاهد من الماضي الجميل

featured

"القطرية" تؤدي واجبها الأساس

featured

أمهات بالغات ولكن عصريّات

featured

سرطان القولون والمستقيم (3)