مشاهد من الماضي الجميل

single

*شمائل الحَطب*


رافقت امّي كثيرا الى البرية لجمع اعواد الحطب وإحضارها الى البيت لإشعال النّار في الموقد استعدادا للخبيز.  
كنت اتناول الحبل وامّي تمسك إكليل القماش الملوّن الجميل، ونمشي بصمت وهدوء في الصباح الباكر حتى لا نوقظ النائمين.
نجمع الحطب ونعمل كومة كبيرة.
 تبدأ أمي بترتيب العيدان الطويلة الرفيعة فوق بعضها، وكأنّها تستعدّ لتصميم شيء جميل.
آتيها بالحبل، نضعه تحت كومة الحطب، نبدأ بشدّ الحطب داخل الحبل، أساعدها من الناحية الاخرى وأمي تقول لي: شدّي الحبل. ويفلت الحبل من يدي، وأسقط أرضا.
أضحك كثيرا، تصرخ امي، أعود لأشدّ الحبل، فتخور قواي من كثرة الضحك، ثمّ تأتيني القوّة وأشدّ الحبل أكثر، فأسقط على الارض ثانية، وأتألّم. تسمع أمي أنيني فتسرع نحوي لترفعني عن الأرض، والخوف يملأ قلبها، والدموع تنحبس في مقلتيها وابتسامتها الجميلة تملأ فمها. فتحضنني وتغمرني بحنانها.


*إكْليل الحَطب*


فاجأتني أمّي بإكليل صغير من القماش الملوّن صنعته يداها الجميلتان لي أنا.
استغربت لمنظره وشكله المدوّر.
قالت لي أمي: هذا الاكليل لك، لأنّك ستذهبين معي إلى البريّة لجمع الحطب.
قلت: بنت صغيرة تحمل الحَطب على رأسها؟
لم تجبني. سارت وسرت خلفها.
وصلنا إلى البرية، جمعنا الحطب، حضّرت أمّي  شمالتين من الحطب، كبيرة لها، ملائمة لإكليلها المدوّر الكبير، وأخرى صغيرة تليق بإكليلي الملون الصغير. ربطتُها بالحبل، شددتُها ورفعتُها لتستقرّ على رأسي فوق الإكليل الصغير.
في طريق العودة إلى البيت، مشت أمّي أمامي وأنا وراءها، وعلى رأسينا شمائل الحطب. أمشي وعيناي على أمّي أراقبها كيف تمشي، وكيف تُمسك بشمالة الحطب كي لا تسقط عن رأسها. أقلّدها في مشيتها وفي حركات يديها عندما يتحرّك إكليل الحطب على رأسها لتعود وتُثبّته. أمّي لا تستطيع الالتفات إلى الوراء لثقل حملها، أسمع صوتها يقول لي: إبقي بعيدة عنّي حتى لا تؤذي عينيك من عيدان الحطب. فتملؤني مشاعر الحبّ والحنان، وأشعر بالقوّة والامان، وأتابع سيري وراءها بخطوات مطمئنة حتى نصل إلى البيت.


*كْبوش الدخان*


تلك الليلة، لم أعرف النوم.. استيقظت باكرا وجلست على سور الشرفة الممتدة على طول الدار، مشغولا بحَمْل ونَقْل خيطان الدخّان. انتبه لوجودي فابتسم لي ودعاني إليه. ذهبت إليه وسألته: ماذا تفعل بخيطان الدخان الجافة؟
قال لي: عدّي سبعة خيطان.
 بدأت أتحسّسُ أوراق الدخان وإذا بها رطبة بالماء وشرح لي جدّي  أنّ  النّدى الذي سقط جعلها طريّة ولا تتكسر.
بدأت أعد سبعة، سبعة، سبعة. وجدّي يجمع كلّ سبعة خيطان سويّة،  ويضمّها إلى بعضها كالوردة المغمضة، فتبدو كالقناديل الجميلة ويُعلّقها على الشجرة.
ثمّ بدأ يحمل كْبوشات الدخان واحدا واحدا  ويضعها  على الشرفة، ليقف بعدها على السلم ويعلّقها في سقف الشرفة الطويلة التي تزيّنها الأعمدة المدهونة بالازرق.
رأيته يختار لكل كْبوش مكانه المناسب له كأنه يزيّن قاعة أفراح لعرس أو لمناسبة سعيدة.
بدت الشرفة جميلة مزينة لا ينقصها إلا العروس التي تنتظرها القناديل لتضيء لها حياتها، وتغمر بالفرحة قلوب الجميع.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الفقر يرتفع على وقع تقليص المخصَّصات والنسب الأعلى والأعمق بين العرب

featured

نعم "موطني"، وليبلّطوا البحر..

featured

بفقدانك خسرنا رفيق درب لا يعوّض يا ابا رباح!

featured

الطغيان سينهار

featured

أكتوبر والعبر

featured

ماذا يفعل "الشاباك"؟

featured

بانتظار ثمار الحوار