جلالة الشعب العظيم يقول كلمته

single



**ملاحظة هامة:


مصطلح مواطن "بريطاني" يشمل كل من يحمل الجنسية البريطانية ويقيم بشكل دائم في المملكة المتحدة بغض النظر عن لون بشرته، عرقة، موطنه السابق، دينه اومكان ولادته. قانون المساواة الصارم في المملكة يظلل ويحمي جميع هؤلاء المواطنين الذين تحرسهم أعين رجال أمن مهنيين ومطارق قضاة أجلاء.


** مقدمة:


لم يستعد الكاتب لتحليل نتائج الاستفتاء البريطاني. لكن تسرع بعض اصحاب الاعلام العربي مصحوبا بالخوف على الجاليات العربية والمسلمين في المملكة المتحدة جعلت من الواجب وانصافا للحق ان نضيء صورة اكثر واقعية لحقيقة الاستفتاء ونتائجه. اللافت ايضا ان الكتبة وارباب عملهم اصحاب فضائيات ناطقة بالعربية الغارقين في الانحياز والتحريض على العنف والقتل في حروب ابادة أمة الضاد من جنة عدنها الى  ياسمين دمشقها ومن  حدائق بغدادها الى زيتونة مغربها قد اتفقوا بالاجماع  على اعتبار نتيجة الاستفتاء نصرا لليمين البريطاني واستفحالا للتطرف والعنصري البغيض. هذا تسرع وخطأ فادح لأن الشعب البريطاني اكثر شعوب الارض دعما للسلام ومعاداة لحروب حكومته الخارجية. لقد عانى الكاتب الحالي العائد متعبا مرهقا بعد يوم عمل طويل توترا وتكدرا في المزاج سببها اخبار وتقارير الفضائيات العربية التي كشف كتابها عن مهنية فقيرة ومعرفة سطحية في الشأن البريطاني وخاصة التقارير المفزعة لمراسلي فضائيتي "روسيا اليوم" و"الميادين" في لندن كمثال لا للحصر.
نتائج الاستفتاء هزت ابدان واسواق المال في العالم وكل ما له صلة بالاسواق الوهمية (بورصة الاسهم) والتجارة والسمسرة العالميين. وتراجعت اسعار النفط المنهارة اصلا. على الضفة الاخرى؛ ازداد بريق الذهب لمعانا على انغام والحان الشعب البريطاني. نعم لقد طرب ورقص الذهب مزدهرا مزهوا على وقع بديمقراطية وحق تعبير عن الرأي يحلم بمثلهم مواطنوالعالم. ولكن؛ ما الذي يجعل هذا الشعب المطيع والموالي لحكومته واحزابه ان يغضب ويخرج عن طاعتهم؛ لا بل يتحدى جبروت امبرطورية اعلامية تخر صرعى لاخبارها وبرامجها شعوب الارض؟ ما الذي يجعل الشعب البريطاني يفقد هدوءه وصبره فيصدح على الملأ مناديا باستقلاله وسيادته على حدوده على ارضه وثرواته؟  لماذا تحدى الشعب البريطاني حكومته التي هددته بالويل والثبور ان هولم ينصع لارادة ديفيد كامرون؟ لماذا رفض البريطانيون ان يقبلوا اويذعنوا لحملة الرعب والتهديد والوعيد المحلية والاوروبية والعالمية؟ هل الشعب البريطاني على حق؟ من الخاسر الشعب البريطاني ام الاتحاد الاوروبي؟      

 

** الشعب قال  كلمته


 بعد اعداد طويل وتحضير متقن ( اختيار يوم الثلاثاء كونه يوم عمل عادي جريا للنظام والعادة ولا يشكوالمواطن فيه من صداع السهر الطويل واكثار تناول الكحول في الليلة السابقة كما في ايام نهاية الاسبوع) واستقطاب متزاحم استهلك طاقة الاعلاميين والساسيين توجه البريطانيون بهدوء وكل على راحته وحسب وقت فراغه على مدار نهار 23 حزيران 2016 الى مكاتب وصناديق الاقتراع. هذه الصناديق والمكاتب لم تنس حيا اوركنا في مدينة اوقرية منزوية الا ووفرت لساكنيه سهولة الوصول والاقتراع في اجواء من الطمأنينة والراحة. لم يبعد مكتب الاقتراع في الحي الذي يقطن فيه كاتب هذه السطور عن بيته اكثر من 150 مترا. لم يفاجئ الكاتب بوجود موظفين اثنين فقط في مكتب الاقتراع (بدون مراقبين اومستشارين اوممثلي أحزاب). لم يطلب اي من الموظفين وثيقة تعريف واكتفى احدهم بالسؤال عن عنوان السكن وتدقيقه على لوائح الشطب. الموظف الثاني اشرف على بقية عملية الاقتراع  التي جرت في جومن حرية اختيار لا شائبة تشوبها لدرجة ان الكاتب الحالي تناول هاتفه النقال والتقط صورتين لبطاقة تصويته المعبأة  للذكرى.
 أهلت نتائج الاستفتاء مع بزوغ الفجر قبل ان يرتفع الضباب عن الشوارع المقفرة وقبل ان يستيقظ البريطانيون من نومهم الهادئ الطويل (اثناء الليل يحظر على المواطنين استخدام بوق السيارة تحت طائلة الغرامة كما  يحظر على رجال الشرطة والامن طرق ابواب بيوت المطلوبين للعدالة قبل السادسة صباحا وتمتنع سيارات دوريات الشرطة والاسعاف والاطفائية عن استخدام ابواقها  وتكتفي باستخدام الاضواء الزرقاء).
بعض المهتمين يسألون عن اختيار الجاليات العربية والاقليات الاخرى في الاستفتاء. لا بد من التأكيد ان هذا امر شخصي في ظل ضعف دور السفارات وما يسمى بالجاليات الموجودة الا على الورق والمناسبات الاعلامية. اقترع سكان مدينة لندن  التي يقيم فيها التجمع الاكبر للمهاجرين بنسبة 59,9% لصالح البقاء في الاتحاد الاوروبي. مقاطعة الارض الوسطى التي تضم مدينة بيرمنغهام (المدينة الثانية في المملكة  بعد لندن من حيث عدد السكان) ومدينة كوفنتري وغالبية سكانها من اصول مهاجرة بنسبة 59,3% للخروج من الاتحاد الاوربي. 
 نتائج الاستفتاء قرأت على الملأ ان نسبة %51,9 اي ما يساوي 17,410,742 مواطنا اختاروا الاجابة "مغادرة الاتحاد الاوروبي". في المقابل اختار 48,2% اي ما عددهم 16,141,241 مستفتى اختاروا الاجابة "البقاء عضوا في الاتحاد الاوربي". بذلك يكون البريطانيون قد ناموا مساء 23 حزيران 2016 مواطني الاتحاد الاوروبي ليستيقظوا صباح اليوم التالي مواطنين بريطانيين خارج الاتحاد الاوروبي.
لم تصدم نتيجة الاستفتاء لا الحكومة ولا الحزبين الرئيسيين (العمال والمحافظين) ولا المؤسسة الملكية ومؤسسات المجتمع المدني الحكومية وغير الحكومية وخاصة النقابات. ذلك لأن استطلاعات الرأي بجميع ميولها واتجاهاتها اظهرت من البداية تقدما واضحا لأنصار الخروج من الاتحاد. صباح يوم الاستفتاء اشارت تلك النتائج الى ان المنافسة تقف على حد سكين اوانفا لأنف بحسب محبي سباق الخيول.  متكدرا استسلم رئيس الحكومة ديفيد كامرون لقدره بعد ان نام مساء اليوم السابق مطمئنا الى تطمينات البعض ان نتائج الاستفتاء تقول ببقائه سيدا على حزب المحافظين ورئيسا للحكومة ومستقبل يضمن له سكنا لمدة اطول في 10 داووننغ ستريث وقبل هذا وذاك خلع واستبعاد منافسه وصديقه اللدود عمدة لندن بوريس جونسون. حزب العمال كان الخائب الاكبر حيث وقف عاريا امام اعضائه ومناصريه. ادت نتائج الاستفتاء الى ارتدادات وتصدعات هددت وحدة قيادة الحزب  التي تمثلت في موجة استقالات جماعية من حكومة الظل؛ ومطالبة رئيس الحزب بالتنحي من منصبه وكان آخرها ادلاء الحاخام الاكبر بدلوه في 30 /06/ 2016 وانتقاده زعيم الحزب جيرمي كوربين لتحقيقاته غير الجادة في تصريحات وشكاوى "اللاسامية".


** اساس البلاء انقسام الحزبين الرئسيين


انقسام الشعب البريطاني جاء على صورة لا بل انعكاسا لحالة تجاذب وانقسام داخل قيادة الحزبين الرئيسيين العمال والمحافظين.  في حزب العمال انتخب المتشدد جيرمي كوربين لرئاسة حزب العمال بنسبة عالية جدا لم يعهدها حزب العمال منذ 32 عاما مما اثار رعب انصار توني بلير الذين استشاطوا غضبا. في حزب المحافظين؛ دفع وزير العدل وحفنة من الطامعين برئاسة الحكومة بعمدة لندن السابق بوريس جونسون كرأس جسر في مواجهة ضارية مع زميله في الدراسة وصديق عمره رئيس الحكومة ديفيد كامرون.  فرض هذا المشهد الحزبي الصارخ نفسه على الاستفتاء والمستفتين. التوقف عند كيفية توزع اصوات الاستفتاء بحسب  الفئات العمرية يساعد المختصين على الفهم الصحيح لحالة  لم تعهدها الحياة السياسية والحزبية والانتخابية البريطانية من قبل.
تؤكد نتائج التصويت أن الفئة العمرية 18 – 24 (هؤلاء في غالبيتهم  طلاب معاهد وجامعات) كانت اكثر الفئات تأييدا للبقاء في الاتحاد الأروبي حيث جاءت نتيجة اقتراعها 73% لصالح البقاء؛ تلتها الفئة العمرية 25 – 34  بنسبة %62؛ ثم الفئة العمرية 35 – 44 واقترعت بنسبة 52% لصالح البقاء. انقلبت الصور رأسا على عقب عند الفئات العمرية الثلاث الباقية فاخلت بميزان الاستفتاء ورجحت كفة  مغادرة الاتحاد الاوروبي.  اقترعت الفئة العمرية 45 - 54  بنسبة 56% لصالح مغادرة الاتحاد؛ تلتها الفئة العمرية 55 - 64 بنسبة 57% لتتبعها الفئة العمرية 65 عاما  فما فوق  بنسبة 60% لصالح المغاردة. نتيجة الاستفتاء اثبتت بالحجة والبيان انقسام المجتمع البريطاني الى فريقين الاول فريق الاحلام ويمثله  جيل الشباب وجيل الواقعية المستندة الى تراكم تجارب الحياة ومثله الكهول والمتقدمون في السن.


** جمل الاقتصاد يزجر حمار السياسة


 يقال ان الاقتصاد جمل بأحماله يجره حمار اسمه السياسة. بالطبع لم يكن صراع الحزبين الرئيسيين العمال والمحافظين الا صورة لحالة عدم استقرار مالي واقتصادي انعكس على حياة المجتمع والفئات العاملة. هنا يمكن التأكيد ان الازمة الاقتصادية الخانقة 2008 – 2016 لعبت الدور الابرز والاهم في ما جلبته ولا زالت على قطاعي الانتاج والخدمات والتشغيل من خسائر وخراب كان احدثها في حزيران الماضي والافلاس المفاجئ لسلسلة ب.هاتش. اٍس وخسارة 11,000 موظف لوظائفهم في ليلة واحدة.
هنا لا بد من ملاحظة تناقض المشهد الاقتصادي الاجتماعي؛ فالبطالة وتجمد اجور ومداخيل طبقة المشتغلين الاجراء واصحاب المهن الخاصة من الفئة الصغيرة والمتوسطة التي طالها الخراب اثر اجراءات حكومة المحافظين بالانقضاض على حقوقهم وخاصة الاعانات الحكومية. في المقابل بقيت خزينة الدولة مزدهرة توزع المساعدات المالية والاعفاءات الضريبية على المؤسسات "الاحتكارية" الكبيرة كالبنوك والصناعة شبه الحكومية والاتصالات (في ذروة الازمة الاقتصادية والمالية منحت حكومة توني بلير في 2011 و2012 مساعدة مالية لشركة لاند روفر وجاغوار بقيمة 700 مليون جنيه واعفت في 2011 بنك هتش.بي. سي. وشركة فودا فون للاتصالات من ضرائب مستحقة بقيمة  ملياري جنيه استرليني لكل منها. كما تمتع كبار مديري البنوك ووالشركات العملاقة برواتب وعلاوات فاقت الخيال وصدمت البريطانيين.
كان يمكن للازمة المالية والاقتصادية ان تمر على البريطانين بخسائر اقل لولا غزو اليد العاملة الماهرة وغير الماهرة اوروبا الشرقية. توسيع الاتحاد الاوربي في 2005 جلب الى المملكة المتحدة بحسب بعض المصادر ما يزيد عن 5 ملايين اوروبي شرقي من بولندا ورومانيا بالدرجة الاولى. هكذا مثلا تجمد اجر ساعة عمل سائق الشاحنة (قاطرة مقطورة) خلال العشر سنوات الاخيرة  بين 2005 – 2016 عند حدودد 12 جنيه استرليني في الساعة دون اية زيادة تذكر. نذكر سائقي الشاحنات لشدة الطلب عليهم لدورهم المفصلي في كافة القطاعات الانتاجية والخدماتية والاستهلاكية.
 نتيجة لهذه الازمة المالية والضغط لا بل التجاهل الحكومي افلست عشرات الاف العائلات العاملة بعد ان خسر هؤلاء وظائفهم. هنا نلفت الى ان خسارة الفرد المشتغل لوظيفته تعني خرابه وافلاسه اي خسارته لبيته وزوجته واولاده والسبب يتمثل في ان البيوت والعقارات التي يشتريها المشتغلون مرهونة للبنوك.  في حال خسر المشتري الاسمي للبيت وظيفته وتوقف عن دفع قيمة الرهن الشهري يسترد البنك الذي هو المالك الحقيقي للبيت العقار ليصبح مالكه الاسمي مشردا، يتبعه التخاصم داخل الاسرة فيقع الطلاق وتشتت الاولاد وخراب الاسرة.
تدفق اليد العاملة هذا لم يترك مجالا من مجالات العمل الا واغرقه بشروط اذهلت كبار ارباب العمل الذين اعادوا الى الحياة انظمة عمل بائدة. اعاد ارباب العمل في القطاعات غير الانتاجية نظام 12 ساعة عمل يوميا وبأجور لا تتجاوز الحد الادنى للأجور وبدون اية عقود عمل تضمن حقوق الاجراء بفعل ازدهار وتكاثر وسطاء "مكاتب العمل".
في مكان العمل فوجئ المشتغلون البريطانيون بجهل العمال الجدد لحقوقهم بل تذللهم لرب العمل يقابلها رعونتهم واساءة معاملة زملائهم العاملين معهم من البريطانون. فهؤلاء يجهلون تقاليد العامل والمواطن البريطاني الذي يشهد له بالولاء للقانون واحترامه لحقوقه وحقوق زملائه وشركائه في العمل والحياة  بدءا من الجار وصولا الى الاماكن العامة.
"الاوروبيون" الحالمون عابرو الحدود في غالبيتهم الساحقة اختلفوا عن اسلافهم القادمين من بلدان اخرى كالصين وتركيا مثلا. لقد أساء هؤلاء استخدام نظام  الاعانات الحكومية وخدماتها الصحية والتعليمية والاجتماعية. راحت نسبة عالية من هؤلاء تعمل بنظام القبض باليد غير القانوني"الاسود" وتستلم في نفس الوقت اعانات الفرد والعائلة والبيت من الحكومة وتحصل على الخدمات التعليمية والصحية مجانا فاصابها الثراء بعد جوع.  
 لم تتوقف حدود المنافسة عند المشتغلين الاجراء بل طالت الفئة المتوسطة من اصحاب المهن الحرة ونعني المشتغلين لحسابهم في مهن البناء؛ الادوات الصحية؛ الحوانيت؛ مطاعم؛ مقاهي وصيانة السيارات اصابها الخراب بفعل المنافسة غير المسبوقة للعمال الجدد الفارين من جحيم الفساد والافلاس في بلدانهم. حتى اللصوص العابرين للحدود تفوقوا على اللصوص البريطانيين وسلبوهم مصدر رزقهم.


** تخريب منظومة العلاقات الاجتماعية


 يحمل المواطن البريطاني معه قفازا وكيسا يضع فيه براز كلبه بعد ان يرفعه عن الطريق اثناء النزهة. وكدليل على هذه الحقيقة اسوق مثلا قريبا على تصرفات وسلوك بعض العرب والمسلمين في المملكة. عن سبق اصرار وامعان اساء "الشيوخ" ابو قتاد وابو حمزة وعمر بكري للديمقراطية وتسامح المجتمع البريطاني فراح انصارهم بدفع وتوجيه منهم يبيحون سرقة المال العام والغش والافتراء للحصول على اعانات الدولة والمجتمع "الكافر". اضطرت الشرطة البريطانية الى وضع آلات تصوير سرية في مسجد ابوحمزة لجلب ادلة واثباتات لاقناع القضاة بتورطه في اعمال اجرامية مخلة بالنظام العام.  مع ذلك لم يرحل ابوحمزة وابو قتادة من المملكة الا بعد سنوات من الجدل والاخذ والرد في المحاكم  واشتراط حكومة المملكة المتحدة على حكومة الاردن اصدار البرلمان الاردني قوانين تحترم حقوق الانسان اكراما لانسانية ابوقتادة الذي لم يحترم اصول الضيافة.
 تجاوز الغزو البشري الجانب الاقتصادي المالي والاعانات الحكومية وانقض على منظومة العلاقات الاجتماعية في الاماكن العامة وعلى الطرقات. فسائقوا السيارات الشرقيون من الشباب راحوا يخرقون قوانين السير ويهينون المارة من المواطنين. خلال 15 سنة لم يسجل كاتب هذه السطور حادثة خلاف واحدة على افضلية المرور في شارع ضيق او تقاطع طرق. فالمواطن البريطاني من ضابط الشرطة الى المعمر المسن يتسابقون الى اعطاء افضلية المرور لشريكهم في الطريق حيث لا شارات السير. في حادثة تجاوز سائق بريطاني ثلاثة ارباع طريق ضيق لا يسمح بمرور سيارتين في آن. فوجئ السائق البريطاني بسائق يواجهه من الطرف الآخر ويطلب اليه الرجوع وافساح الطريق له. صعق المواطن البريطاني بالسلوك الشاذ لسائق لم يتراجع عن رعونته الا مرغما وتحت ضغط سائقين تصادف وجودهم في المكان. تراجع السائق الشرقي وافسح في المجال لكنه بصق في وجه المواطن البريطاني الذي مسح وجهه وتابع طريقه.
باعة الرصيف والطرقات، التسول، السرقة لم ينجوا من الغزو. عند مفترقات الطرق في لندن وخارجها حمل القادمون الجدد معهم عاداتهم الغريبة. فقد ازهقت الشرطة طاقاتها وميزانية دافعي الضرائب وهي تلاحق اطفالا وكبارا يتطفلون على السائقين مرة لبيع بضائع واخرى لتنظيف زجاج السيارات. اما التسول فاذا كان المواطن البريطاني المشرد المجبر على التسول يفترش وكلبه  الارض على جانب الرصيف  ليسأل المارة بطريقة غاية في الادب واللياقة فان المتسولين الجدد يحضرون معهم كراسي ويجلسون على جانب الطريق بطريقة استعراضية يتوسلون الناس باستخدام عبارات دينية وبوقاحة لا قبل للمارة بها.
اما السرقة فلا يقابل وقاحة القادمين الجدد الا امانة المواطن البريطاني. فالمواطن البريطاني ان وجد حقيبة اوهاتفا اواوراقا نقدية  نسيها اوسقطت من احدهم في مكان عمله اوفي مكان عام ضيق يحمله الى قسم الامن المختص ويودعه هناك. قبل ايام وبحكم وظيفتي جاءني سائق باص الشركة التي اعمل فيها ومعه مفاتيح سيارة ب.ام. 6  فارهة واخبرني انه وجدها منسية بالقرب من باب السيارة. بعد ثلاثة ايام راجعني السائق قائلا ان السيارة لا زالت مركونة مكانها. اخبرته ان صاحبها لم يأت لأنه ربما في مهمة عمل خارج حدود المقاطعة. ضحك السائق البريطاني الاسمر الافريقي الاصل وقال "ان لم يأت صاحبها بعد شهرين ستكون السيارة من حقي بحسب القانون" ضحكت وقلت لا تطعم روحك جوزا فارغا. في المقابل  فان بعض اللصوص القادمين من بلدان اوروبا الشرقية لديهم ابداعات وسوابق في السرقة تذهل الانسان العادي وليس اقلها قطع ابهام اليد. 


** ردود الفعل العالمية والمحلية


 بداية نود التأكيد لا بل الجزم ان نتائج الاستفتاء لم تصدم المجتمع البريطاني الذي تابع حياته بروتينها ووقعها التقليدي الهادئ وفق البرامج المعدة سلفا. صباح اليوم التالي للاستفتاء كانت انشطة مدينة كوفنتري مثلا لا للحصر  تسير وفق ما اعدت له قبل اشهر. منذ الصباح جاء اصحاب سيارات الجاغوار من مخلتف المدن ليعرضوا سياراتهم القديمة والجديدة في ساحة "متحف السيارات" وسط المدينة. أكثر من ذلك فقد بعث القائمون على شركة جاغوار التي تتخذ مصانعها من المدينة مقرا لها وتمول المتحف المذكور بأحدث سياراتها لتخلب عقول الزوار وتستدر احلامهم وتشحذ همهم وزنودهم لامتلاك واحدة من هذا الطراز الساحر الذي يختصر عصارة ابداع العقل البريطاني ويقدمه في حلة تلامس الخيال. في الاسوق، الاسعار في كل الاماكن على حالها لا مؤشر على الهلع اوالجشع او اصطياد الفرص باستثناء اسعار الذهب التي تأثرت بالاضطراب العالمي.
 فاجأت الصدمة اولا الاسواق العالمية؛ البورصات كادت تنهار اسعار اسهمها وتراجعت معها اسعار النفط القادمة من بلدان التخلف وهذه ظاهرة ستتولى الحكومة البريطانية القادمة معالجتها. اما بلدان الاتحاد الاوروبي فقد بدأت ترتفع الاصوات بتكرار تجربة بريطانيا وخاصة في فرنسا.


** استخلاصات


اولا: القول بانتصار احزاب اليمين البريطانية وتغول الفئات اليمينية والعنصرية نتيجة لهذا الاستفتاء غير صحيح البتة ويجافي حقيقة الشعب البريطاني المسالم والمناصر للسلام. ان نصيب الحزب اليميني الوحيد في المملكة في اي انتخابات عامة قادمة لن يتجاوز الخط الاحمر. وليس ادل على هذه الحقيقة سوى الانتصار العارم الذي حققه حزب العمال ومرشحه لبلدية لندن صديق خان ذوالاصول العمالية الآسيوية والاسلامية.
ثانيا: سيستعيد حزب العمال بفعل رئيسه الحالي جيرمي كوربين موقعه الطبيعي في المجتمع والدولة بعد ان قدمهم توني بلير ضحية في حرب ظالمة خربت المنطقة العربية. معارضو ومنافسو رئيس الحزب كوربين من قيادة الحزب (برلمانيون ووزراء ظل) هم اقل شعبية ولا تأثير فعلي لهم.
ثالثا: سيواجه حزب المحافظين حالا من التصدع المؤقت خاصة وان انصار الخروج من الاتحاد الاوروبي تصدعت جبهتهم وتفرقت ايديهم وسبلهم بسبب طمع كل منهم بمنصب رئيس الحكومة والحزب. بالامس اطلق والد بوريس جونسون عبارة "حتى انت يا بروتس" في اشارة على ما يبدوالى تصريحات جوف وزير القضاء في حكومة كامرون المستقيلة، الذي خرج من تحت عباءة بوريس جونسون ليعلن ان الاخير ليس اهلا لرئاسة الحزب والحكومة وقرر على اثرها في 30/ 06 / 2016 الانسحاب من السباق على رئاسة الحكومة.
رابعا: الخوف على المواطنين البريطانيين او حملة الاقامات الدائمة من اصول عربية واسلامية في الممكلة المتحدة مفتعل ومصطنع؛ فالمرأة العربية المسلمة المحجبة تلقى معاملة واحتراما انسانيين في مكان عملها وفي الاماكن العامة لا مثيل لها في البلدان الاسلامية.
خامسا: الخوف على بريطانيا وشعبها بسبب خروجهم من الاتحاد الاوروبي مبالغ فيه ولا وجود له في الحياة البريطانية والمملكة. فالشعب البريطاني يعشق العمل ويثق بحكومته ويعتمد عليها وقت الازمات والشدائد. البريطانيون الذين ينادون باعادة الاستفتاء فهؤلاء يعيشون احلام يقظة. اما تصريحات رئيسة وزراء حكومة سكوتلندا فليست جدية وفقاعات لملء فراغات اعلامية. لقد قال السكوتلنديون كلمتهم في استفتائهم الاخير واختاروا البقاء في المملكة المتحدة. للتذكير فقط عندما تحدث الساسة السكوتلنديون عن الاستقلال عن المملكة المتحدة قبل الاستفتاء على انفصالهم عن المملكة المتحدة صدهم زعماء الاتحاد الاوربي واشترطوا عليهم تقديم طلب عضوية جديد للاتحاد الاوروبي.
سادسا: انه من حق وواجب زعماء الاتحاد الاوروبي الخوف على اتحادهم الهش الذي ضم جزافا دولا وحكومات فاسدة ودولا خربة لا تملك مقومات الحياة كما لا تلبي الشروط الحقيقية الاقتصادية وحقوق الانسان للالتحاق بالاتحاد الاوروبي. لقد كان توسيع الاتحاد الاوروبي عملية سياسية امنية هدفت الى جعل اقتصاد هذه الدول تابعا وامنها وارضها قاعدة لمحاصرة الدب الروسي المستيقظ بعد سبات لم يطل. قبل الاستفتاء الاخير قالت رئيسة وزراء المانيا ميركيل ان بريطانيا بوابة اوروبا ومدخلها الى العالم. ستبقى بريطانيا كذلك وسيجبر زعماء الاتحاد الاوروبي على احترام رأي الشعب البريطاني ومطالبه.



(الكاتب باحث وهومواطن بريطاني -  فلسطيني)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشباب في ساحات النضال

featured

كتاب مفتوح للخوري جبرائيل ندّاف

featured

بين اللاعنف والعنف

featured

مصر، بين الجيش وقيادته!

featured

مخيم اليرموك، بعض الحقائق

featured

الحرب على "داعش"