تردّدت في أبحاث ومقالات مفكّرين وباحثين في العقود الأخيرة مقولات مثل "نهاية الشّعر" و "نهاية القصّة القصيرة" و "نهاية الفنّ السّينمائيّ" و "نهاية الكتاب" و "نهاية الصّحافة المكتوبة" وغير ذلك من النّهايات سواء قبل صدور كتاب "نهاية التّاريخ" للأمريكيّ فوكوياما أو بعده، ففي خمسينات القرن الماضي توقّعوا نهاية الفنّ السّينمائيّ بعد ظهور الشّاشة الصّغيرة ودخولها إلى كلّ بيت، وزعم البعض أنّ زمن الشّعر قد ولّى بعد سيطرة الآلة والاختراعات العصريّة على حياتنا وكتب أحدهم أنّ الشّعر لم يعد له مكان في حياتنا بعد هبوط الإنسان على القمر واكتشاف حقيقته: حجارة صمّاء ومناطق جرداء غبراء، ولن يستطيع شابّ بعد اليوم أن يقول لفتاته "يا قمري" وإن قال لها ذلك فستغضب منه.
يحبّ الإنسان البدايات التي تحمل أنفاس الفجر، وميلاد النّهار الباسم، وصرخة ميلاد الطّفل في أثناء دخوله إلى العالم، ورجفة الفرخ الطّالع توّا من البيضة، ولحظة تفتّح الزّهرة من البرعم، ومطلع الأغنية وغيرها، وينفر البعض منّا من النّهايات التّراجيديّة أو النّهايات المفرحة المفتعلة في الأعمال الفنيّة.
في الحياة وفي التّاريخ نهايات ماديّة وحقيقيّة مثل نهاية الحرب العالميّة الأولى أو الثّانية، أو نهاية الحرب الباردة بين القطبين، أو نهاية النّظام الاشتراكيّ في روسيا ودول أوروبا الشّرقيّة، أو نهاية النّظام الملكيّ في إسبانيا، أو نهاية المواصلات البخاريّة، وأمّا الفنون على أنواعها مثل الشّعر والرّواية والقصّة والمقالة والموسيقى والمسرح والسّينما والرّسم والنّحت وغيرها فلا نهاية لها ما دام الإنسان يعيش على وجه الأرض. وأظنّ أنّ عالم الذّرّة أو الرّياضيّات أو الفضاء أو الحاسوب أو أيّ عالم في ميادين العلوم في عصرنا حينما يعود من مختبره إلى بيته متعبا بعد يوم عمل شاقّ فكريّا ويتناول طعامه ويشرب قهوته مع زوجته يحتاج إلى قراءة قصيدة أو سماع أغنية ناعمة أو سمفونيّة تحمله فوق الغيوم كي ترتاح أعصابه ويعود إلى حياته الإنسانيّة ويتزوّد بمحبّة الحياة لمواصلة مشواره العلميّ.
زعموا قبل عقود نهاية الشّعر فبرز شعراء عظام انتشرت مجموعاتهم الشّعريّة انتشارا واسعا بين القرّاء، ونعوا القصّة القصيرة فزادت سيطرتها على الملاحق الأدبيّة ونالت كاتبة جائزة نوبل للآداب على قصصها القصيرة، ونعوا السّينما فتألّق الفنّ السّينمائيّ وأقبل الملايين على دور السّينما. ويتحدّثون اليوم عن "نهاية الكتاب" و "نهاية الصّحافة المكتوبة" في زمن الانترنت والمواقع الإلكترونيّة ولكنّ الكتاب سوف يبقى ولن يسدّ الدّيسك أو الأسطوانة عنه فالإنسان يحتاج إلى كتاب في غرفة بيته الدّافئة أو على سريره أو على كرسيّ الاستراحة في المنتجع أو شاطئ البحر.
ما زلت أذكر المقالات غير البريئة التي نعى فيها بعضُ النّقّاد وبعضُ الأدباء أدب المقاومة مؤكّدين نهاية هذا اللون الأدبيّ بعد اتّفاق المبادئ في العام 1993 ولكنّ شعراء وأدباء المقاومة الفلسطينيّين أبدعوا روائعهم الشّعريّة والنّثريّة بعد هذا النّعي.
هل يعود الحديث عن النّهايات إلى خوف الإنسان من نهايته أيّ خوفه من الموت؟
لا أدري !!!
