تعود هذا العام الذكرى السنوية لرحيل القائد الرمز ياسر عرفات، ومعها ذكرى إعلان الاستقلال الوطني، وشعبنا يعاني اخطر مراحله بسبب تصاعد حدة التأمر على قضيته ومشروعه الوطني، وبسبب الانقسام الداخلي الذي طال كافة مناحي المجتمع الفلسطيني وصولا لأدق التفاصيل، الأمر الذي يهدد بنجاح المخططات التصفوية في تحقيق أهدافها، وان كان هذا الواقع المرير قد أصاب كل بيت وكل إنسان فلسطيني، فان تداعياته تهدد بالمزيد من الألم لكافة أبناء شعبنا في الداخل والخارج، عدا أولئك المنتفعين من حالة الانقسام وقد وجدت مصالحهم الخاصة مناخا خصبا لتنميتها وتحقيق المزيد من الكسب على حساب الشعب والوطن وألام الناس وعذاباتهم. ولعل في ترافق ذكرى رحيل القائد الرمز ياسر عرفات وذكرى إعلان الاستقلال الكثير من الدلالات في هذه اللحظة التاريخية، وكأن التاريخ يقول لشعبنا وقيادته، أفيقوا من سباتكم ولا تبددوا تاريخكم المجيد.. حافظو على تضحيات الشهداء والمعذبين خلف القضبان ... ابقوا فلسطين ومشروعكم الوطني فوق كل الحسابات الضيقة، واتعظوا من التجربة التي أكدت بان المصلحة الوطنية لا يمكن أن تكون في أحضان أي نظام عربي او إقليمي او دولي، إلا في أحضانكم انتم .. في قلوبكم وإرادتكم انتم، وعليكم التمسك بالحقوق الوطنية أو تفنوا دونها .
لقد كان في رحيل الزعيم الخالد أبا عمار دلالات كما كان لتاريخه المجيد، فهو المقاتل والمفاوض .. الصلب والمناور.. الحازم واللين .. والاهم من كل ذلك هو الإنسان والحريص، الذي كان يخشى على شعبه من الانقسام كخشيته على أن لا تنحرف بوصلة الصراع لتبقى دائما وأبدا باتجاه الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته التصفوية .
نحن بحاجة ماسة اليوم لاستحضار مواقف القائد أبا عامر لاستلهام العبر في هذا المنعطف الكارثي الذي نعانيه، ولكي يتذكر الجميع بان القائد ينتزع موقعه فقط من تقدير وحب واحترام شعبه، وليس من خلال البطش والجبروت والإرهاب، ولا من خلال الاستقواء بالآخرين او التحول لأداة طيعة في أيدي المحاور العربية أو الإقليمية أو الدولية .. القائد الذي يصارح شعبه ولا يستغفل عقولهم، وهو الذي يقول نعم عندما يستوجب ذلك مصلحة الشعب، ويقول لا بعناد عندما يتعارض ذلك مع المصلحة الوطنية .. أبا عمار قالها لا كبيرة فدفع حياته مقابل ذلك، وآثر الشهادة على الخيانة.. فارتقى رمزا خالدا وعنوانا مميزا لكل أحرار العالم ..
وتعانق ذكرى إعلان الاستقلال ذكرى الرحيل، وكأن حكمة تقول .. تهون أرواحنا من اجل استقلال فلسطين ، اجل هي كذلك، فهي الأكبر من كل الأشياء.. اكبر من انتماءاتنا للأحزاب، واكبر من أن تحتكر لهذه المصلحة أو تلك، واكبر من أن يختطفها البعض لأجندات ليست بأجنداتنا ... فعنوان استقلالها والنضال من اجل ذلك معيار للمصداقية الوطنية، كذلك النضال من اجل تجسيد الدولة بسيادة كاملة تزينها القدس عاصمة، والنضال من اجل عودة اللاجئين إلى ديارهم التي ما نسوها .. نعم لقد باتت المصداقية الوطنية لأي تنظيم سياسي فلسطيني ترتبط بمواقف واضحة محددة من التمسك الحازم بالمشروع الوطني، وبالسعي الجاد من اجل إنهاء الانقسام كشرط أساسي لتحقيق أهداف شعبنا، كما بات من الضروري تحقيق اختراق حقيقي في معادلة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتجاوز حالة المراوغة ضمن الحدود التقليدية التي تعودنا عليها .. نحن بحاجة لإستراتيجية وطنية جديدة تحقق إجماعا فلسطينيا يتجسد قولا وعملا بين الناس لتستنهض هممهم، إستراتيجية تقلع بالحالة الفلسطينية نحو فضاءات جديدة، لتحقق انتصارات ملموسة في كافة المحافل العربية والإقليمية والدولية .. حينها فقط يمكن القول بان لذكرى أبا عمار معنى في وعينا ووجداننا وفعلنا، وبان الاستقلال الحقيقي أتى لا محالة .
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني
