ألدبابة والطائرة المقاتلة والبارجة – دائما على حساب الدفتر والكتاب وحبة الدواء للفقراء

single

تتشدق اسرائيل بانها دولة رأسمالية متطورة، فهي لا تعتبر نفسها من الدول الآسيوية المستقلة حديثا. ومنذ زمن بعيد ألصقت نفسها باوروبا في العديد من المجالات، مثل الرياضة، فاسرائيل ليست تابعة للاتحادات الرياضية الآسيوية، رغم انها جغرافيا تنتمي للقارة الآسيوية.
وتريد اسرائيل الانضمام للنادي الاقتصادي للدول الاوروبية الصناعية المتطورة، رغم انها لا تلبي الحد الادنى من الشروط التي يجب ان تتوافر لدى الذي يريد الانضمام لهذا النادي – وبالاساس ما يتعلق بمساواة الاقليات القومية، وبالخدمات التي تقدم للغالبية العظمى من السكان.
كما ان اسرائيل كانت تتباهى بانها دولة رفاه اجتماعي وكانت تستغل ذلك لاهدافها السياسية والفكرية والعنصرية، مسخرة ذلك من اجل اغراء الجاليات اليهودية وبالذات السواد الاعظم منها اي الفئات الشعبية وبالاساس الفقراء، لكي يتركوا وطنهم الأم ويهاجروا الى بلاد "السمن والعسل" ارض الميعاد، الى دولة الرفاه الاجتماعي، رافعة شعارًا ما معناه، الاسرائيلي كفيل الواحد بالآخر.
إلا انه بسبب تحول اسرائيل الى دولة رأسمالية متطورة بلغت مرحلة رأسمالية الدولة الاحتكارية وبسبب اتباع اسرائيل السياسة النيوليبرالية، فقد تحطمت عمليا دولة الرفاه الاجتماعي، وذلك استجابة للشروط الامريكية ولصندوق النقد والبنك الدولي.
وبسبب هذه السياسة تعمق الاستقطاب الطبقي، واصبحت اسرائيل من اكثر الدول التي فيها استقطاب طبقي، واصبحت ست عشرة عائلة تتحكم بالاقتصاد الاسرائيلي. ومن الثابت علميا وعلى ارض الواقع، ان من يسيطر اقتصاديا وطبقيا هو الذي يسيطر سياسيا وفكريا، واجتماعيا. وهو الذي يحوّل السلطة الحاكمة المنتخبة بشكل "دمقراطي" الى خادم بيديه، يعبر ويدافع عن مصالحه.
إسرائيل ليست كباقي الدول وبالذات التي قامت في اواسط القرن الماضي وبعد ذلك، فبالاضافة الى المساعدات الامريكية والاوروبية الاستعمارية في كل المجالات فقد استفادت من قدوم اصحاب القدرات العلمية والمهنية وبالاساس بعد انفتاح الاتحاد السوفييتي السابق، وهجرة اكثر من مليون سوفييتي لاسرائيل لم يشكلوا حالة ضغط او عالة، بل بركة ومساعدة اقتصادية وعلمية كبرى لاسرائيل. فقد قدم لاسرائيل عشرات آلاف العلماء، الاطباء، المهندسين، الموسيقيين والرياضيين الذين استفادوا من النظام الاشتراكي الذي وفر لهم المعرفة والعلم والتخصصات العلمية والمهنية. هذه التخصصات كلفت الدولة السوفييتية والدول الاشتراكية الاخرى مبالغ طائلة، لا تستطيع الدول الناشئة ولا حتى دول عريقة مثل اليونان، تركيا، اسبانيا والبرتغال توفيرها لمواطنيها.
وبعد الانفتاح على العالم العربي وخاصة بعد هزيمة 1967، وما تبعها من "السلام" العلني بين مصر "العروبة" والمملكة الاردنية الهاشمية، التي ينسب ملكها وعائلته انفسهم الى الرسول "صلعم" "انبهر" الاخوة العرب بدولة الرفاه الاجتماعي وبالخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها. انبهروا بالمساحة الدمقراطية البرجوازية في اسرائيل، وهم غير مذنبين بذلك، لانهم قارنوا اوضاعهم وواقعهم المر والصعب مع الواقع الاسرائيلي على علاته.
إلا انه منذ ذلك الحين "جرت مياه كثيرة في نهر الاردن" كما يقولون وتغيرت الاوضاع جذريا في اسرائيل، ليس في صالح دولة الرفاه الاجتماعي البرجوازية. بل قضي عليها تقريبا والضحية كانت وما زالت الفئات الشعبية والفقراء الذين يزداد عددهم باستمرار.
وبسبب تعمق الاستقطاب والانقسام الطبقي في المجتمع الاسرائيلي، اصبح للاغنياء جهازهم الطبقي، وجهازهم التعليمي وجهازهم الحضاري المتطور. اما الفقراء وعامة الشعب فلهم اجهزتهم الطبية والتعليمية والحضارية والاجتماعية المتخلفة التي تعاني من ازمة شديدة، بفضل سياسة الدولة، التي اتخذت من الخصخصة دينا لها.
في هذه الايام ونحن في عز فصل الشتاء تزداد الامراض الموسمية مثل الانفلونزا واخواتها فتظهر اسرائيل دولة الرفاه الاجتماعي عارية تظهر على حقيقتها الطبقية. فالمستشفيات الحكومية، ومستشفيات صناديق المرضى تئن تحت وطأة عشرات آلاف المرضى من المسنين المرضى  الذين يعانون من الامراض المزمنة، حتى غرف الاكل والممرات تحولت الى غرف لاستيعاب المرضى. وبعض المستشفيات الرئيسية اعلنت عن عدم قدرتها على استقبال واستيعاب مرضى جدد، بعض المسؤولين من مديري مستشفيات ، ومديري اقسام، صرحوا لوسائل الاعلام انهم لا يستطيعون تقديم العلاج الضروري، وان بعض المرضى يموتون بسبب ذلك.
من الواضح انه ليس جميع المواطنين يعانون من ذلك، فالاغنياء لا يعانون من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر فقد اقيم للاغنياء مشفى خمسة او سبعة نجوم، في ضواحي تل ابيب في رمات هحيال.
فكبار الرأسماليين بامكانهم تلقي العلاج في ارقى المستشفيات في اوروبا وامريكا. لم نقرأ في الصحف، ولم نشاهد على شاشات المرناة – التلفزة - انه اغلقت المشافي والعيادات المعدة للحيوانات الاليفة البيتية (والاصح حيوانات التسلية للاغنياء) في هذه الايام شديدة البرودة.
والحقيقة ان ظاهرة الاستقطاب الطبقي، وهبوط الخدمات المقدمة للسواد الاعظم من المواطنين ليست حكرا على دولة اسرائيل، بل هذه ظاهرة ملازمة لكل الدول الرأسمالية، وخاصة التي تبنت النموذج الامريكي ، والليبرالية الجديدة، هذه الظاهرة تعبّر عن جوهر النظام الرأسمالي الاستغلالي البشع.
الا ان لاسرائيل ظروفا خاصة، اسرائيل على ما يظهر ستكون آخر دولة محتلة، اسرائيل تريد ان تصبح دولة "عظمى" لها سلاح جو له الذراع الطولى، واسطول بحري حربي وغواصات تجوب البحار والمحيطات، وجيش كبير مدجج بأحدث الاسلحة الامريكية – والاسرائيلية، والامريكية - الاسرائيلية مشتركة الصنع.
اسرائيل تريد الحصول على احدث الطائرات الامريكية المقاتلة مثل الشبح المكلفة جدا. ومن الواضح انه مقابل طائرة، او طائرتين من طراز الشبح بالامكان حل ازمة المستشفيات الحكومية وبناء مستشفيات جديدة عصرية وحل مشاكل السلطات المحلية الضعيفة وفي مقدمتها السلطات المحلية العربية.
مرة تلو الاخرى، وعلى مر التاريخ وليس عندنا فقط يثبت مجددا ان الدولة الاستعمارية، الدولة المحتلة، الدولة الرأسمالية التي تتبع سياسة الخصخصة لا يمكنها توفير الدفتر وسرير المشفى – والطائرة المقاتلة والبارجة والدبابة في آن واحد.
فالولايات المتحدة تقوم بحرب احتلالية في العراق وافغانستان. وهذا يكلف دافع الضريبة الامريكي مليارات لا بل تريليونات من الدولارات، التي تزيد غنى اصحاب الاحتكارات وصناعة وسائل القتل والدمار، وفي نفس الوقت تزيد من املاق الفقراء والمحتاجين الامريكيين وبالذات من الاقليات.
إسرائيل تستمر بعدوانها واحتلالها، لما تبقى من فلسطين وللهضبة
السورية، تحاصر قطاع غزة، وتحوله الى سجن كبير، تبني جدار العزل العنصري والضم الكولونيالي وتتسلح من اخمص قدمها حتى قمة رأسها. بأحدث اسلحة القتل والدمار الشامل. وبالذات في هذه الفترة يتعمق الاستقطاب الطبقي والاجتماعي. بالذات في هذه الفترة يزداد الاغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا واملاقا، ويثبت مجددا انه ليس الشعب الرازح تحت الاحتلال يدفع ثمن الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، بل الفقراء من الشعب الاسرائيلي هم الذين يدفعون ثمن الاحتلال وحده من قوتهم وصحتهم وتعليمهم  وتدنّي الخدمات الاجتماعية المقدمة لهم، ناهيك عن خطر سلبهم حرياتهم الدمقراطية البرجوازية.
ما اصح المقولة الماركسية "ان شعبا يحتل شعبا لا يمكنه ان يكون حرا".

 

(أم الفحم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

انتخابات اللا استقرار تثبت حالة التشرذم<br>وتعيد جدولة الأزمات

featured

شروخ بعلاقات القاهرة والرياض

featured

وجهة نظر حول العنف

featured

تركتَ لنا إرثًا نفيسًا من المناقب والقيم...

featured

الإنتخابات البلدية كمدخل لإستعادة الوحدة

featured

الأوقاف، معركة سياسية

featured

لا تقبلي أن تسمعي: &#34;مش وقتُه إسّا&#34;!

featured

إعلام وحقوق إنسان