دبكة "على دلعونا" في لندن

single
منذ أن طعنت بريطانيا الشعب الفلسطيني في ظهره بسكين وعد بلفور ووضعت الشعب الفلسطيني في الخلاط وخلطه بقسوة ثم توزيعه في صحون التشرد واللجوء على موائد اللئام، ونحن نشعر ان هذه الامبراطورية التي غابت عنها الشمس ما زالت تملك بين اصابعها خيوط المؤامرات وحبال المشانق وتوابيت الآمال التي تنتظر الدفن.
"لندن مربط خيلنا" هكذا غنى الشعب الفلسطيني اثناء ثورة 36 وبعدها ساخرًا من مدينة لندن أو الحظيرة التي كان يربط فيها خيول وعقول القادة والزعماء والملوك العرب الذين كانوا يقدمون الولاء والطاعة والانحناء والبصم والتنازلات للعنجهية الاستعمارية والفوقية الانكليزية.
لكن هذه المرة مدينة لندن لها الطعم الخاص، ليس طعم حديقة "الهايد بارك" الذي يقف بين أعشابه وأشجاره الذين يريدون التكلم بالأمور السياسية والاجتماعية وإسماع أصواتهم للناس، ويعتبر "الهايد بارك" وسيلة الاعلام الأولى المباشرة، وكانت وما زالت تستقطب العشرات من الشخصيات التي تجد بين ظلال الحديقة الواسعة متسعًا للتغيير وتوضيح الحقائق والأمور السياسية وما يجري من أحداث.
لندن ترقص وتدبك على دلعونا، والرقص والدبكة جزء لا يتجزأ من التراث الفلسطيني الذي يدخل في مجال التعريف والمقاومة، الدفاع واثبات الوجود، الرسالة والتاريخ والجذور، وحتى نحاول فتح النوافذ المغلقة لا بد من الدبكة الفلسطينية تحت سماء لندن، والاسباب التي دفعت الشباب والصبايا من فلسطينيين وبريطانيين وباقي الجنسيات النزول الى حلقة الدبكة والرقص والغناء وخبطة القدم واحدة على دلعونا والله يسامحهم شو عذبونا، هو الاحتفال بإخراج البضائع الاسرائيلية من ثلاثة حوانيت بجانب بعضها البعض في لندن، وقد استطاع اصحاب هذه الحوانيت الاقتناع بعدم بيع بضاعة اسرائيلية احتجاجًا على اقامة المستوطنات وعدم اعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه واقامة دولته، لذلك جاء الاحتفال بالرقص والدبكة على انغام على دلعونا عفويًا صادقًا فرحًا لأن الاحتجاج الاقتصادي قد يؤثر - ولو قليلًا - في التوجه الاحتلالي الاسرائيلي.
من شاهد شريط الفيديو الذي يظهر فرح الشباب والصبايا وتمايلهم في صف الدبكة ومطالبتهم باقي التجار بإفراغ متاجرهم من البضائع الاسرائيلية ومقاطعتها كليًا، يشعر أن بصيص نور الحق قد يتسلل من بين الأيدي والأقدام المنسجمة مع القرار والاصرار، ويؤكد على ما قاله الشاعر محمود درويش "لم نعد قادرين على اليأس أكثر من يأسنا، أما زال من حقنا أن نصدق أحلامنا ونكذب هذا الوطن..." لكن عندما نتأمل الواقع في الوطن نشعر أن هذا التفاؤل محاط بأيدٍ كثيرة تقوم بتخريب كل شيء، وتدفع المقاومة حتى بالغناء والرقص الى ميادين العبث وتفريغ طاقات الحماس بالحركات الجسدية العابرة.
قبل اسبوعين كتبت صحيفة (يديعوت أحرونوت) عن البضائع الاسرائيلية التي تباع في حوانيت ومتاجر قطاع غزة، لا يخلو دكان أو مجمّع تجاري من البضاعة الاسرائيلية، وقد استطاعت الصحيفة تصوير البضائع والرفوف والزوايا والاماكن التي تحوي البضاعة الاسرائيلية، ولم يقف أي مسؤول او قائد فلسطيني ويستنكر وجود هذه البضائع، بل كان التقرير الصحفي متباهيًا باختراق قطاع غزة بهذا السلاح الاقتصادي، أما عن الضفة الغربية فحدث ولا حرج عن البضائع الاسرائيلية حتى البضائع التي تنتج في المستوطنات متواجدة في الدكاكين ولا أحد يرفض وجودها، واذا قامت هبة جماهيرية أو من قبل بعض المؤسسات أو الجمعيات الفلسطينية تكون المقاطعة لفترة قصيرة او يقوم التجار بإخفاء البضائع عن العيون حتى تهدأ العاصفة، أما تصدير البضائع الاسرائيلية للدول العربية فهذا هو التراجيديا واللطم على الخدود، لقد تغلغلت البضائع الاسرائيلية الى الأسواق حتى نخاع التجارة العربية، وأصبح وجودها أمرًا عاديًا ومن الطبيعي أن تجد بضاعة مكتوبا – صنع في اسرائيل.
واذا اعترف شارون قبل الدخول في غيبوبته ان (ما نراه من هنا ليس ما نراه من هناك) ويقصد ما يراه هنا لمصلحة الدولة ليس كما يراه هناك في الغرب حين يضغطون عليه، يدفعنا لاستعارة العبارة فنحن نرى من هنا ليس كما يراه الشباب في شريط الفيديو الذين يحفرون جبل المقاومة بإبرة وبدبكة على دلعونا، نحن نفرح معهم ونتأثر بحماسهم وصلابتهم، لكن هناك من يحطم الاقدام ويكسر اصابع النصر ويصمم على البقاء مشلولًا في حفرة التنازل، انظروا حولكم فأنتم تعرفون من يحمل المِقصات والبلطات وكل ادوات القص و القطع التي يريدون بها تحطيم وتقصير القامة الفلسطينية.
قد يهمّكم أيضا..
featured

“الفيتو” الأمريكي سَيُعزِّز مَسيرات العَودة والإيمان بالمُقاوَمة..

featured

ما بين الاستماع والتحدث

featured

الحكيم والثورة والانتفاضة

featured

"أن تعيش الثورة"

featured

أول أيار بدون أعلام حزبية

featured

في وداع الأخ صبحي أبو يونس