* شعارات ليبرمان تضع الجماهير العربية في إسرائيل في مكانة دونية وتصوّرها كطابور خامس غريب عن الدولة. وفي المجمل فان نهج "يسرائيل بيتنو" هو نهج عنصري بشكل واضح، معاد للعرب ويحوي إيحاءات من الفاشية البغيضة. في النظم الديمقراطية، فإن الدولة هي من يجب أن تكنّ الولاء للأقلية من بين مواطنيها *
* لا شك أنه لو تم استبدال كلمة "عربي" في برنامج "يسرائيل بيتنو" بكلمة "يهودي"، لجرى إدانة الحزب بشكل فوري وواسع على أساس معاداة للسامية. وللمفارقة، فلا يبدو أنه سيكون هناك إدانة مماثلة لليبرمان وحزبه، لا في داخل إسرائيل ولا في خارجها *
في أعقاب الانتخابات البرلمانية الأخيرة أصبح حزب "يسرائيل بيتنو" بقيادة أفيغدور ليبرمان، ثالث أكبر حزب في إسرائيل، بعد "الليكود" و"كاديما"، وهذه واحدة من نتائج الانتخابات التي دلت بشكل قاطع على أن الناخبين الإسرائيليين انتقلوا في هذه الانتخابات إلى أقصى اليمين السياسي. وتشكل أحزاب اليمين الآن غالبية واضحة في الكنيست. وبالنسبة لنا نحن، مواطني الدولة من العرب الفلسطينيين، أبرزت نتائج الانتخابات وبشكل أكثر حدة الوضعية الحرجة التي تعيشها جماهيرنا في ظل السياسات الإسرائيلية.
ينطوي البرنامج السياسي لحزب "يسرائيل بيتنو" على أن "حل" مشكلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يكمن في "تبادل الأراضي والسكان، بهدف الفصل بين الشعبين اليهودي والعربي". ويحتوي برنامج الحزب كذلك على اقتراح "قانون مواطنة" جديد يجعل الجنسية الإسرائيلية ترتكز على أساس "إعلان كل إنسان الولاء لدولة إسرائيل كدولة يهودية".
وفي واقع الأمر فإن الحملة الانتخابية لـ"يسرائيل بيتنو" اعتمدت بشكل رئيسي على هذه المبادئ الانفصالية، مستخدمة شعار "لا مواطنة بلا ولاء" وشعار "فقط ليبرمان يفهم العربية"، وهي شعارات تضع الجماهير العربية في إسرائيل في مكانة دونية وتصوّرها كطابور خامس غريب عن الدولة. وفي المجمل فان نهج "يسرائيل بيتنو" هو نهج عنصري بشكل واضح، معاد للعرب ويحوي إيحاءات من الفاشية البغيضة.
كيف يمكن لمواطن عربي في إسرائيل أن يفسّر حقيقة أن هذه المواقف ساعدت في الواقع "يسرائيل بيتنو" على توسيع قاعدته بشكل ملموس؟ فبحسب برنامج ليبرمان وحزبه، علينا واجبات سياسية في بلادنا (تجاه دولة تستثنينا بشكل خاص) ولكن لا حقوق لدينا (مثل الاستمرار في حمل المواطنة في الدولة التي ولدنا فيها). وبحسب خطة ليبرمان "القومجية"، سيجري "استبدال" المدينة التي أقيم فيها، أم الفحم، مقابل أراض فلسطينية ما وراء الخط الأخضر (حدود ما قبل 1967). ليس فقط أن هذه الخطة ستضم مناطق محتلة في الضفة الغربية إلى إسرائيل بشكل ينتهك القانون الدولي فحسب، بل إنها تنتهك العديد من المعايير الدولية التي تحمي الأقليات القومية والأصلية.
إن سياق مخططات ليبرمان واضح: إذ ترمي إلى إضعاف الوجود الجماعي للأقلية العربية في إسرائيل. وهي تفصل المواطنين العرب عن ارتباطهم التاريخي والاجتماعي والاقتصادي بوطننا، بما فيها مدن الناصرة وحيفا والقدس. سيجري بذلك تمزيق أواصر الأسر والعائلات وتفريقها، ومصادرة الأراضي العربية.
قد يكون ما يقلق بصورة أكثر من صعود حزب "يسرائيل بيتنو" نفسه في الانتخابات هو قبول هذا الصعود من قبل الأحزاب السياسية الرئيسية الأخرى والجمهور الإسرائيلي عامة. فبالنسبة لهؤلاء المنشغلين اليوم في "الرقصة الناعمة" لتشكيل ائتلاف حكومي، لم يطرح أي من الأحزاب مفهوم عدم المشاركة في حكومة تشمل ليبرمان وحزبه. وفي واقع الأمر فأنه يُنظر إلى ليبرمان على أنه يحمل مفاتيح تشكيل الحكومة، وبالتالي فانه من المحتمل جدًا أن يتسلم بشكل واحدة من أهم الحقائب الوزارية.
وهكذا، تنتقل المبادئ العنصرية والمعادية للعرب التي يحملها "يسرائيل بيتنو" إلى التيار الرئيسي في المجتمع الإسرائيلي، أو قد يكون من الدقة أكثر القول أن نتائج الانتخابات هي انعكاس لهذا التحوّل الذي حدث فعلاً على أرض الواقع.
وللمقارنة، فعندما انضم النمساوي يورغ هايدر - والذي ترأس حزبًا ينظر إليه بشكل واسع على أنه حزب قومي متطرف ومعادٍ للسامية - إلى الحكومة الائتلافية في النمسا في العام 2000، واجهت النمسا عُزلة دولية، من قبل إسرائيل أيضًا، لمدة شهور عديدة. بينما لا شك أنه لو تم استبدال كلمة "عربي" في برنامج "يسرائيل بيتنو" بكلمة "يهودي"، لجرى إدانة الحزب بشكل فوري وواسع على أساس معاداة للسامية. وللمفارقة، فلا يبدو أنه سيكون هناك إدانة مماثلة لليبرمان وحزبه، لا في داخل إسرائيل ولا في خارجها.
يبني حزب ليبرمان مبادئه السياسية المركزية حول تهميش الجماهير الأصلية في هذه الدولة والمس بحقوقها. بينما على ضوء الإعلان الدولي لحقوق الشعوب الأصلية الذي صدر عام 2007، فيحق للمواطنين العرب في البلاد كأقلية قومية وأصلية التمتع بحقوق عينية، بما فيها الحماية ضد النزوح القسري (الترانسفير)، أو الاندماج القسري أو الحماية من أية دعاية سياسية يتم تصميمها للتحريض على التمييز العنصري أو العرقي (المادة 8.2)، ويتوجب على الدولة أن تتعاون بنوايا حسنة مع الشعوب الأصلية وأن تحصل على موافقتها المسبقة قبل الشروع بأي عمل يؤثر على ملكية أراضيهم أو حدودهم الجغرافية (المادة 32.2).
من الواضح أن حزب "يسرائيل بيتنو" وجميع الأحزاب المستعدة للدخول في حكومة معه، يطرحون سياسات تناقض معايير القانون الدولي. إلا أن صعود حزب ليبرمان لا يشكل فشلاً قانونيًا فحسب وإنما فشلاً أخلاقيًا كذلك. فواقع الأمر أنّ هذه الظاهرة لم تنشأ فجأة من فراغ. فقد دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدار عقود على تطبيق تشريعات وسياسات تمييزية ضد المواطنين العرب، مستثنية إياهم من مراكز القوة في المؤسسات الحكومية والحيز العام على السواء. أما التمييز المنهجي في تخصيص الموارد العامة في الدولة فوضع الجماهير العربية في أدنى السلم الاجتماعي والاقتصادي في إسرائيل.
إلا أن هناك وعيًا متزايدًا في السنوات الأخيرة لدى الجماهير العربية، مبني على المفهوم الكوني بأن أحدًا لن يقبل أن يكون مواطنًا من الدرجة الثانية. وينادي إجماع كامل تقريبًا في مجتمعنا بإيجاد إطار حقوقي وسياسي في إسرائيل مبني على المساواة الحقيقية والشراكة والندية على أسس فردية وجماعية على حد سواء. وهكذا، فإن أية حكومة جديدة في البلاد سوف تواجه خيارات متناقضة. هل تستمر في طريق التمييز العنصري والمتطرف القومي، أم ستنتقل إلى طريق نحو المساواة الحقيقية والديمقراطية الكاملة؟ حتى يتسنى تحقيق الطريق الثانية، لا يتوجب على المواطنين العرب أن يؤمنوا بالمساواة والديمقراطية فحسب، وإنما يتوجب على مواطني إسرائيل اليهود أن يفعلوا ذلك أيضًا.
في النظم الديمقراطية، فإن الدولة هي من يجب أن تكنّ الولاء للأقلية من بين مواطنيها.
* الكاتب يحاضر في كلية الحقوق في جامعة حيفا وهو المدير العام لمركز دراسات: المركز العربي للحقوق والسياسات.
* (نُشِر المقال بالأصل بالإنجليزية في صحيفة "جيروزالم بوست"، آذار 2009)
