بعدان شاسعان ومختلفان ومتناقضان بين 23 تموز وبين 23 يوليو. الأوّل بعد زمانيّ والثاني بعد عاطفيّ. البعد الزمانيّ خمس سنوات بالتمام لا ينقص منها يوم ولا يزيد عنها يوم وأمّا البعد العاطفي فهو البعد بين الحزن والفرح أو بين الهزيمة والنصر أو بين الذلّ والإباء.
شهر يوليو هو الاسم المصريّ لشهر تموز ويوليو هو الإمبراطور الرومانيّ يوليوس قيصر وأمّا تموز فهو إله الخصب عند البابليين الذي هو أدونيس عند الفينيقيين وشتّان بين 23 يوليو و 23 تموز.
23 يوليو صباحا يحملنا التاريخ على بساطه إلى ثورة الضبّاط الأحرار في مصر والرئيس جمال عبد الناصر وخطبه الشهيرة في ميدان التحرير التي كنّا ننتظرها بفارغ الصبر وكنّا نسمعها من المذياع ثم صرنا نشاهدها على شاشة التلفاز. ويذكّرنا بصراع الرئيس ومصر مع الاستعمار ومع إسرائيل ذلك الصراع القاسي والمرّ كما يذكّرنا بالسد العالي وبمصانع الحديد والصلب في حلوان وبالعلاقة الوطيدة مع الاتحاد السوفييتي الذي عرف العرب قيمته الحقيقيّة وأهميّته بعد تفككه ونهايته.
23 تموز 1948 مساءً احتلّت القوّات الإسرائيليّة قريتنا ميعار وأعتقد أنّ احتلال بلدتنا مساءً فيه إيحاء فهو نهاية نهار صيفي وبداية ليل معتم ظنناه قصيراً فطال وطال وما زال يطول وكانت ضحيّة الهدم الأولى في تلك الليلة السوداء مسجد القرية. أليس في هذا إيحاء أيضاً؟
في ذلك المساء خسرت طفولتي وأصدقائي وبيتي وملعبي وألعابي وجيراني وساحة الدار وبئر الماء.
خسرت كتابي المدرسيّ الأول وقلم الرصاص الجميل والطابة الملوّنة التي اشتراها لي والدي من مدينة عكا ولعبت بها مع أترابي على البيدر القبليّ حيث البحر تحت أقدامنا ورأس الناقورة ورأس الكرمل على مدّ نظرنا.
شاركت أمس 23 تموز 2011 في حفلة عرس فتموز هو موسم الخصب والزواج والأعراس وبعد أن تناولنا العشاء التقليديّ الغنيّ بالدهن والكولسترول: رز مفلفل باللحم والصنوبر ولحم خروف ولبن مطبوخ وكبّة توجّهنا لتناول التحلاية من حلويّات وفواكه. على مائدة الفواكه شاهدتها تحدّق بي. عرفتني وعرفتها. ثمرة تين خضاريّ كبيرة وفمها الأحمر الصغير يطلّ العسل منه ويبتسم لي.
في حاكورتنا الميعاريّة شجرة تين خضاريّ وارفة هي أشهر تينة في البلدة. ثمارها بحجم ثمار الكمثرى ولها مذاق العسل الذي ما زال على لساني وعلى شفتيّ حتى اليوم. كنت أرافق أمي صباح كل يوم من تموز لنجني ثمرها على الندى فطعم التين على الندى يختلف عن طعمه فيما بعد. وكان صديقي محمود يأتي إلينا أحيانا حاملا سلا صغيرا من القصب فتملؤه أمي بالتين الخضاريّ ولا ينسى محمود أن يحمل إلى بيتنا السلّ نفسه مملوء بالتين السواديّ أو الحماضيّ أو البياضيّ من كرمهم الواسع الكبير.
خسرت التينة.
قلعوها وغرسوا فسائل الصنوبر الأوروبيّ في ترابها. وخسرت صديقي الذي لا أعرف في أيّ قطر عربيّ يعيش ولا أدري إذا كان ما زال حيّا!!
23 تموز بداية زمن اللجوء وبداية الليل الذي طال.
آه يا ليل يا ليل يا ليل....!!
