من هنا أرى غزّة

single

كل هذا الموت واللجوء والبكاء والوجع كيف سنسميه اذًا!


يتصاعد الدخان الاسود. من بعيد يظهر كأنه يخرج من مدخنة مطبخ، مطبخ كبير. هي بضعة كيلومترات لا غير تلك التي تفصلنا عنه، يتصاعد من جديد، هنا في هذه الزاوية، وهناك ابعد بقليل، شمالا، جنوبا وفي الوسط. الآن يبدو كأنه ناتج عن مخيم كشفي، لا بد ان المرشدين يعلّمون الكشافة الصغار كيف يشعلون النار لشي البطاطا واضاءة ارض المخيم.
ارض بعيدة تبدو غزة من هنا، رغم اني اكاد اميز الوان اصص الزهور الذابلة على شبابيك بناياتها. ما يجري هناك هو البعيد في عيون الكاميرات المصطفة هنا، بانتظام كتيبة تتهيأ للإغارة، لكنها لا تغير! والكاميرات، تلتقط الصورة ولا تراها.
سأعود للبيت بعد يوم العمل الشاق تحت الشمس، سأفتح التلفاز فأرى عائلة البطش تحت عمود الدخان الاول، وخريجي التوجيهي الذين لم يسعفهم الحظ بإطلاق المفرقعات ابتهاجا بتخرجهم، اراهم تحت اعمدة الدخان المتشعبة في ارض المخيم.. كبير ذلك المخيم وصغير، كما ان هنا وهناك مناطق قريبة وبعيدة. كلها اشياء ذات قياسين وقيمتين ومعنيين. وحده الاسم " غزّة"  لا شيء سواه يعني نفسه.
 عند الحدود الشرقية مع قطاع غزة المحاصر اجلس الآن، وفيما انا بانتظار موعد البث القادم الذي سأخرج فيه على الشاشة لأعطي تقريرا ببعض المعلومات العادية هنا، تنطلق من هناك صلية جديدة من الصواريخ "فيننن" و "بوووم" لم تدوِّ صافرة الانذار في المنطقة.. وحده الصاروخ الذي لمحته فوق رأسي هو المدوِّي. خفت، نعم خفت! هل أكذب واقول ان الصاروخ الذي يسقط في معظم المرات في مناطق يقال انها مفتوحة لم يخفني!؟ حتى اني قدمت الى هنا خائفة، أساسا انا خائفة كل الوقت. اخاف من موتي ومن موت من أحبهم. لكن الخوف والموت ليسا مقياس الحياة، إنما الحياة ذاتها. اعتقد ان هذا ما يدفع اهل غزة بالشجاعة تحت القصف والغارات الكثيرة التي اراها من هنا مجرد دخان اسود كثيف، ما يلبث ان يختفي.  تقول زميلتي في غزة خلال بثنا المباشر ان طائرة استهدفت اطفالا يلهون على الشاطئ أسمعها تكرر بعد دقائق قليلة من وقوع الكارثة ان لا مراكز او قواعد او منشآت عسكرية في ذلك المكان.. وان الطائرة استهدفت اطفالا يلهون بصاروخين، دقائق اخرى تمر ليبلغنا زميل ثانٍ انهم اربعة، شهداء اربعة.
 انه الشاطئ ايها العالم القبيح.. ترى ما الذي خطر ببال قرصان الطائرة الحربية حتى يقصف اعناق الاطفال الاربعة؟! بماذا يفكّر الآن، هو.. ذلك الشخص الذي شاهدهم يتراكضون من تحته فزعين هاربين من غول الدم والموت بماذا يفكّر الآن!! ألم يلحظ شعر عاهد او محمد او اسماعيل وقد يكون شعر زكريا ! ذلك المرسوم فيه خط يحيط رأسه الصغير؟! يبدو انه اليوم او بالامس فقط زار حلاق الحارة وطلب منه هذه التسريحة الخاصة، ألم يكن ذلك الغول ليرى اعمارهم من خلف نظارته العسكرية! تسعة عشر وعشرة وحداش..
رأيتكم أيها الاطفال الصغار، لم استطع تمييز ملامحكم ولا بقايا ثيابكم لكني اعرف كم من الضحكات ضحكتم وكم من الشيطنات تشيطنتم وكم من الرمال بنيتم قصورا تحيطها الانهار العذبة. لكن..لم افهم ماذا كنتم تصنعون على شاطئ البحر في هذا الصيف! ألم تستمعوا الى وزير خارجية اسرائيل قبل موتكم بساعة او اثنتين عندما قال انه يريد عطلة صيفية طبيعية لأطفال اسرائيل، الم تفهموا ان هذا ليس بصيفكم!
 تذيِّل احدى المحطات الاسرائيلية شاشتها بعبارة: دولة تحت النار.
أيّ وقاحة هذه وأي عُنجهية وأي استعلاء، وأي كذب هذا؛ دولة تحت النار! وغزة؟ بيت حانون وجباليا وبيت لاهيا والشجاعية وخزاعة وخان يونس تحت ماذا تكون اذا! 
 كل هذا الموت واللجوء والبكاء والوجع كيف سنسميه اذًا! وجه العالم الحالك، نذالة العرب، كسل فلسطين، اوليست هذه هي النار!  
إنها النار التي تبردها القوة. قوة الهجوم وقوة الردع وقوة الحياة. فطوبى لغزة بميتيها وثاكليها ونازحيها، ومقاتليها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ملاك ... الملاك

featured

وانتهى اللقاء على خير

featured

إنه الاحتلال.. لا الإسلام

featured

دورة برلمانية شتوية وعنصرية أشدّ

featured

واو الوحدة الشعبية

featured

مويل الهوى يمّا مويليّا

featured

95 سنة على ثورة أكتوبر