وصلتُ إلى القاهرة في الأيام الأخيرة من عام 1988 على رأس وفد من "اتحاد الكتَاب العرب في إسرائيل" لتهنئة الكاتب الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب. وقبل اللقاء معه التقينا مع مجموعة من كبار الكتُاب والشعراء مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد وعبد الرحمن الأبنودي ورجاء النقاش ولطفي الخولي وغالي شكري، وفيما كنا نشرب القهوة في مقهى على ضفة النيل قال الكاتب الروائيّ جمال الغيطاني وهو صديق حميم لنجيب محفوظ: أودّ أن ألفت النظر قبل اللقاء معه إلى أمر لطيف، فحينما لا يريد الإجابة عن سؤال ما فإنه يتظاهر بالصمم. وأما الكاتب الروائيّ يوسف القعيد فقال وعلامات القلق في عينيه: أرجو أن يمر هذا اللقاء على خير!. ولما سألته مستغربا عن داعي قلقه أجاب: وهل نسيت مقالك عنه؟
بدأت علاقتي بروايات نجيب محفوظ وقصصه منذ قرأت روايته "زقاق المدق" في صيف العام 1958 وتابعتُ قراءة نتاجه الرائع مرورا بِ "الثلاثية" و "اللص والكلاب" و "ميرامار" و "السمّان والخريف" و "الشّحاذ" و "الطّريق" و "أولاد حارتنا" و "الحرافيش" و "همس الجنون" و "تحت المظلة" و "بيت سيء السمعة" وغيرها، ولا أضيف شيئا لتراث محفوظ الأدبيّ، ولا لي كقارئ له، إذا ما اعترفتُ بأنني كنت وما زلت معجبا بهذه القامة الروائية السامقة التي تضاهي أعمالها أعمال كبار الروائيين في أوروبا وأمريكا، وقد درّستُ طلابي طيلة سنوات بعض أعماله مثل: "زقاق المدق" و "ميرامار" و "اللص والكلاب" و "زعبلاوي" و "تحت المظلة" ونقلتُ لهم حبي لأدبه وإعجابي به، ولكن في العام 1987 نشرت إحدى الصحف العبرية تصريحات أدلى بها نجيب محفوظ لمراسلها يهاجم فيها منظمة التحرير الفلسطينية بشدة ويحمّلها المسؤولية الكاملة لما جرى ويجري للشعب الفلسطينيّ ولم يذكر – ولو من باب رفع العتب – ممارسات الاحتلال الإسرائيلي البغيض وكأنه لا يوجد استيطان و أسرى واعتقالات وسلب أراضٍ وهدم بيوت، وقد استفزّتني هذه التصريحات من كاتب عربيّ كبير فكتبتُ مقالا قاسيا وشديدا بعنوان "سقوط نجيب محفوظ" ونشرتهُ في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية ومما جاء فيه: إن نجيب محفوظ يعتقد بأن الطريق إلى جائزة نوبل يمرّ عبر تل أبيب.
أجبتُ يوسف القعيد: لم أنسَ مقالي ولكنني متفاجئ لأنني ما كنت أتوقع أن يجتاز الحدود ويصل إلى مصر. فذكر لي أنّ صحفا عربية نشرت المقال في حينه وأضاف: حينما قابلتُ نجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب ( في خريف 1988 ) سألته عمّا جاء في مقالك فغضب غضبا كبيرا. ألم تقرأ ذلك في عدد "المصوّر" ؟ وذكر القعيد والغيطاني أنّ الكاتب الكبير يوسف إدريس ردد في وسائل الإعلام بأنّ محفوظ نال الجائزة بدعم من إسرائيل مما جعل الموضوع حساسا وساخنا.
استقبلنا نجيب محفوظ في مطلع العام 1989 في مكتبه في الطابق السادس من بناية " الأهرام " في القاهرة، وفي قاعات هذا الطابق تقع مكاتب لعمالقة الأدب في مصر: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغالي شكري وبنت الشاطئ. وهو تقليد جميل وحضاريّ ابتكره رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل في فترة الأهرام الهيكلية الزاهرة وأطلق على هذه المكاتب " قاعات الحكماء ".
بعد أن رحّب بنا ألقيتُ كلمة قصيرة قلتُ فيها بأنه شرف كبير لجائزة نوبل بأن تُمنح للكاتب الكبير نجيب محفوظ أكثر مما هو شرف لنجيب محفوظ بأن ينالها لأنه جدير بهذه الجائزة منذ نشر رائعته " الثلاثية " وإنّ نتاجه الروائيّ أفضل من نتاج عدد كبير من الذين نالوا هذه الجائزة في السنوات الماضية. ولاحظتُ على محياه علامات السرور لهذا الأطراء. ودار بيننا حوار ممتع حول رواياته وقصصه، وأجاب ردّا على سؤال لي بأنه لم يكتب قصة أو رواية عن القضية الفلسطينية لاعتقاده بأنّ هذا الأمر من مهام أدباء فلسطين و " البركة فيهم ". وأظن أنّ الإجابة لم تكن مقنعة.
ولما وقف ليودعنا قال بدهاءه المعروف وهو يحدّق بي: اسمحوا لي أن أردّ بواسطتكم على كاتب فلسطينيّ اتهمني بأنني نلت جائزة نوبل بدعم من إسرائيل نتيجة تأييدي لعملية السلام مع مصر وأقول له إنّ هناك كتّابا مصريين آخرين أيّدوا عملية السلام ولم ينالوا أيّة جائزة.
صافحته وقلت له محاولا أن أجاري دهاءه: باسم ذلك الكاتب الفلسطينيّ أعيد ما قلته في بداية لقائنا بأنه شرف كبير لجائزة نوبل بأن تُمنح لنجيب محفوظ أكثر مما هو شرف لمحفوظ بنيلها.
وخرجنا من مكتبه بعد لقاء استمر ساعة وبعض الدقائق ونحن نتبادل الابتسامات وقال أحدنا: انتهى اللقاء على خير!.
