قد يكون الخبر عاديّاً في الشّارع الفلسطينيّ الذي اعتاد على القتل اليوميّ، فلا يمرّ يوم تقريباً بدون أن نسمع عن مقتل فلسطينيّ على حاجز عسكريّ أو في حقله أو في بيته أو قرب مستوطنة سرطانيّة أو على معبر الكرامة، فلسطينيّ آخر ينضمّ إلى قافلة الشّهداء. البيت الأبيض لا يستنكر ولا يشجب وقد يستنكر بحياء حتّى لا يزعل الحبيب. والإذاعة الإسرائيليّة تبثّ الخبر خاطفاً فالقتيل هو المذنب.
هو عربيّ مخرّب ومعتدٍ، حاول اختطاف سلاح جنديّ أو حاول خنق جنديّة أو كان يحمل آلة حادّة خطرة قد تكون مدية صغيرة لتقشير التّفّاح أو البرتقال. والصّحافة الإسرائيليّة الحرّة جدّاً لا تنشر خبراً عن القتيل، وإذا "تحرّرت" أو "تدمقرطت" فلا بأس من سطرين اثنين على صفحة داخليّة بعد الصّفحة العاشرة. الشّهيد أو القتيل هذه المرّة ليس قاضياً حاول أن يخنق جندياً فأرداه قتيلاً كما نشر إعلام واحة الديمقراطيّة، فالقاضي العربيّ ليس جنتلماناً وليس متحضراً، القاضي عربيّ ويبقى عربيّاً قاتلاً مجرماً، ولكن القتيل هذه المرّة طفل. وهذا أمر عاديّ. أطفال عديدون قُتلوا. والطفل عربيّ. والعرب ينجبون أطفالاً كثيرين مثل الأرانب. والقتيل من قرية عزلاء منسيّة بجوار مدينة الخليل الأسيرة، ومن عائلة فقيرة مثل معظم العائلات القرويّة الفلسطينيّة، والقتيل ارتكب جريمة تهدّد جيش الاحتلال، فقد جاء يلتقط العكّوب قرب جدار الفصل العنصريّ. القتيل طفل يدرس في المرحلة الإعداديّة وإذاعة إسرائيل تزعم أنّ شابّاً فلسطينياً حاول هدم جدار الفصل. اعتدى على أمن إسرائيل، على بقرتها المقدّسة والجنديّ اليقظان أرداه قتيلاً. ثلاث رصاصات فقط لا غير. والعربيّ ميّت. والإسرائيليّون، معظم الإسرائيليّين، يعتقدون أنّ العربيّ الجيّد هو العربيّ الميّت. والصّحف العبريّة لم تنشر خبراً حتّى من سطرين على الصّفحة ما بعد العاشرة. عربيّ ومات. لا يستحقّ مجرّد خبر فالعربيّ حاقد أعمى على اليهود والفلسطينيّ ليس إنساناً. الفلسطينيّ قاتل مخرّب مجرم لصّ. هذه صورته في عقل الإسرائيليّ منذ روضة الأطفال. الفلسطينيّ أفعى كما قال الراب عوفاديا يوسف. حيوان مفترس يجوز قتله بل يجب قتله!
في أثناء عملية "الرّصاص المصبوب" قتلت صواريخ القسّام الغزيّة كلباً للجيش الإسرائيليّ فاحتلّت صورته الصّفحات الأولى من الصّحف الحرّة جدّاً (يا حرام!) وفي اليوم نفسه قتل جيش الاحتلال عشرة فلسطينيّين فجاء خبر مقتلهم على صفحة 16 وبسطرين فقط لا غير. وأمّا جامع العكّوب فلا يستحقّ سطراً واحداً. عربيّ ومات. فلسطينيّ ومات. ولن يجتمع برلمان. ولن يهدّد أحد بسحب سفير أو طرد سفير. ولن يعتذر شمعون أو بنيامين. الطفل فلسطينيّ. والطّفل تنتظره أمّه لتطبخ العكّوب. والأطفال الفلسطينيون فقراء جائعون، والموت راحة ورحمة لهم.
هذا الطّفل كان من الممكن أن يكون ابننا أو حفيدنا، أو أن يكون أنت، أو أن يكون أنا، في الصّغر، حينما كنتُ أذهب مع أترابي إلى قريتي المهجّرة ميعار ونلتقط الفقع أو السّنّارية أو الزّعتر أو الزّوفا ويطاردنا الحارس.
لم يتغيّر العقل الصهيونيّ منذ بنوا بيتح تكفا حتّى اليوم. العربيّ الجيّد هو العربيّ الميّت. ونتنياهو يريد السّلام. بَسْ مع مين؟!
()