قراءة لانتخابات بلدية الناصرة - (4- ب): عــاد بخُــفّي حُـنـَيـْن...

single
  • *كان بإمكان "التجمع" أن يعود من الانتخابات، لو تجاوب مع نداء الجبهة له، بحمولة ناقة من المبادئ والقيَم وبثلاثة أعضاء في المجلس البلدي وبقائم بأعمال الرئيس وبفرض برنامج التغيير الذي يريد. لكنه عاد بخسارة ناقة مبادئه وبرنامجه وبعضو تجمعي واحد في ائتلاف هزيل، وبعشرة بالمائة فقط من الأصوات لرئاسة حنين. عاد "التجمع" بخُفي حَنين، والعودة أسوأ. فهل ما زال هذا الحزب قادرا على إصلاح وتغيير مسلكه عائدا نحو مستقبل أفضل له ولشعبنا عموما، فتكون العودة عندها أحمد؟ نأمل ذلك وننتظره*



  • الى التجمّع: مَن يريد كسب الأصوات والتخلي عن موقفه القومي الهوياتي الجامع لصالح ما سمّاه "التزاوج القومي - الإسلامي" و/أو هدف حياته هو إسقاط الجبهة، و/أو لا يجرؤ على إدانة الذي يُسيّس الدين ويحيله إلى طائفة ويعتمد الطائفية فكرا وسياسة وتنظيما، من الأجدى به ألا يرمي بيوت الناس بالحجارة والنار، بينما بيته من زجاج هش ومن قش.


  • حنين زعبي تعرف أن غابسو هو الذي قال عن سلام "صديقي الحميم" وبادله الأخير هذا الوصف. وتعرف كل تصريحات غابسو ضد بلدية الناصرة ورئيسها جرايسي ومطالبته للدولة بحرمانها من الميزانيات وبمعاقبة أهلها ونقلهم إلى غزة لأن جرايسي يتظاهر ضد دولة اليهود واقفا وراء شعار مكتوب عليه "نتنياهو قاتل". وتعرف ما نطق به غابسو في مقابلة أخيرة مع صحيفة "الصنارة" بتاريخ 14.2.2014. قال: "من مصلحتي ومصلحة دولة إسرائيل أن يكون علي سلام رئيسا للبلدية، ومن يدعم سلام هو صديقي، وأدعوه لشرب القهوة معي. أما جرايسي فلا أتحدث معه إطلاقا وهو يخدم السلطة الفلسطينية لا دولة إسرائيل". حنين زعبي تعرف هذا وأكثر!


  • "فلتة اللسان" الفاضحة التي قالها جمال زحالقة في مقابلته مع موقع "العرب" بتاريخ 25.2.2014: "انتقدنا سلاّم حين كان مع الجبهة، وحين تركها أصبح الأمر مختلفا". صدق زحالقة. المبادئ والقيم والأخلاق الوطنية هي أن تكون ضد الجبهة وأن تعمل لإسقاطها وأن تبني مستقبل الناصرة والجماهير العربية عموما، مش مهم مع مين، المهم أن يكون هذا بدون الجبهة! وعلي استحق الانتقاد فقط حين كان مع الجبهة، وحين يُصبح ضدها نزحف للتحالف معه.



ذكرت في الجزء الأول من هذا المقال أن أساس خطأ وخطيئة حزب "التجمع" هو الانطلاق من استراتيجية المعاداة للجبهة. أوصله هذا إلى التعاون والتحالف مع الأبعد عنه فكريا وسياسيا بهدف إسقاط الأقرب إليه. لذا هو لم ينتصر حين تحالف مع علي سلاّم ومع "الإسلاموية"، ولم ينصرهما حقا. وإنما انتصر على ذاته وهزمها وشوّه صورته بصفته حزبا قوميا ووطنيا وديمقراطيا، علمانيا ويساريا وتقدمي اجتماعيا.

 

* من فمك أدينك*


إثباتا لما ورَد أعلاه، ورغبةً بإطلاع قواعد حزب التجمع وجمهوره الواسع على ما نطقت به قيادتها الانتخابية، نورد أدناه استشهادات من مواقفها هي والقائمة "الأهلية" مستقاة كلها من بياناتها ومناشيرها وتصريحاتها وخطاباتها ومقابلات ومقالات قادتها بمن فيهم عضو البرلمان ومرشحة الرئاسة حنين زعبي. ونتحدى أن يستطيع أي إنسان إثبات عدم مصداقية اي استشهاد أو عرض سنورده لموقف تلك القيادة.
خطاب الأنا: لجأت حنين إلى استعمال "الأنا" المنفوخة في خطاباتها. أنا وحدي أحمل برنامجا متكاملا لمشروع مدينة. أنا وحدي صاحبة مشروع بديل. أنا لست كالآخرين لا أدخل الانتخابات بمنفعة ولا أخرج منها بغنيمة. أنا سأغيّر وجه الناصرة وأطوّرها. أنا بعلاقاتي العربية والعالمية قادرة على تحصيل الدعم والميزانيات للناصرة وعلى إعادة مكانتها العالمية والسياسية. أنا القادرة على القضاء على نظام الفساد والمحسوبية. أنا سأوقف العنف والخاوة والمخدرات. أنا بإمكاني إيقاف هجرة أهل الناصرة من مدينتهم. أنا الوحيدة القادرة على انتزاع كرسي الرئاسة من رامز جرايسي. أنا التي أكّدت كل الاستطلاعات فوزي.
الخطاب عن البلدية الجبهوية وإدارتها: إدارة تتميز بغياب الرؤية والافتقار للمهنية وعدم التخطيط وتبذير المال العام وموارد البلد. إدارة مرتبطة وتتحكم بها حفنة من أصحاب رؤوس أموال يستغلون البلد ويسرقون أموال الناس لجيوبهم. لا توجد نوادٍ مفعّلة، ولا مشاريع ولا نشاطات ثقافية، ولا مكتبة عامّة فاعلة، ولا اهتمام بقضايا الشباب. وما من تطوير للتعليم، ولا للمرافق السياحية، ولا بناء مشاريع إسكان ولا توسيع لمُسطّح المدينة، ولم يجر عمل أي شيء لحل أزمة السير، ولتوفير أماكن عمل. هذه بلدية فساد إداري ومحسوبيات وترهّل، وتراجع أمام الخاوة والبلطجيات.
بلدية لا تقدّم حلولا لأي شيء. وقادت البلد لأفق مسدود ووقفت تتفرج وتجتر الخطابات وتستمر في اللاعمل وتساير السلطة و"بتقول مخصنيش". بلدية لا عمل ولا أمل ولا تقدم الحد الأدنى لخدمة السكان. بلدية عمّمت معادلة الكراهية وفككت النسيج الاجتماعي لوحدة المدينة وتتلاعب بوحدة شعبنا وحصانته الوطنية وتميّز ضدنا. بلدية أحالت البلدة إلى بلد جائع. لا يوجد بلد فقير، بل توجد سلطة محلية أفقرته وإدارة لم تحارب الإفقار.
هل تسمعون هذا أعلاه يا كل رؤساء سلطاتنا المحلية العربية، بمن فيكم الرؤساء الذين يدعم انتخابهم حزب التجمع. أنتم المسؤولون عن الفقر، وعن تقاعس الشرطة في محاربة الجريمة، وضيق المسطحات والاكتظاظ السكاني، وأزمة السير ومستوى التعليم، وشح أماكن العمل، وعدم وجود مناطق ومرافق صناعية وأخرى زراعية. وأساس الداء ليس مصادرة الأرض والتهويد والتمييز القومي والمدني العنصري وشح الميزانيات... إلخ. (ولا أقصد بهذا أبدا إعفاء السلطة المحلية من مسؤولياتها ومن قصوراتها).
لا أريد الدفاع عن إنجازات بلدية الناصرة خلال العقود الأربعة الماضية (رغم العديد من القصورات). لكن أقول لو كانت بلدية الناصرة موبوءة حقا ولَوْ بـ 10% مما أسبغته عليها حنين من سمات، لكان جرى حلّها منذ سنوات وأحيل بعض قادتها وإدارييها إلى القضاء الجنائي. لكن يجري تصنيفها بين العشر الأوائل من بلديات البلاد اليهودية والعربية من ناحية النجاعة وحسن الإدارة والتخطيط السليم في إطار الممكن المتاح ومقدراتها المالية.
الخطاب عن جرايسي: رئيس شكلي. لم يعمل شيئا للبلد. جمّد ودمّر البلد ويكذب ويراوغ. قسّم البلد إلى طوائف. لم يزُر مؤسسات المدينة على مدى عشرين عاما. هو دون المستوى على كل الصعد. شخصية هنالك إجماع على كونها ضعيفة وتعبانة. هو يحتاج إلى حماية من أهل البلد بدلا من أن يحمي البلد. لا يتمتع بمهنية، وفئوي ومستبد. وهو متورط بشبهات فساد وسرقات وتبذير أموال. شخصية مشكوك بنقاوتها ونزاهتها، وتنصاع لأصحاب مصالح فردية يستعملونه أداة لسرقة البلد.
هذا السّقط من الكلام لا يستوجب الانجرار والسقوط في خطاب دفاع عن شخص رامز. وما من إنسان يخلو من سلبيات. لكن ما تفوهت به حنين بحق جرايسي هو بالضبط النقيض لشخصيته. وما يميّزه هو بالضبط الأمانة والتفاني بالعمل والمهنية العالية والتقنوقراطية المبالغ بها أحيانا، والقدرة على التخطيط. والبلدية الحالية ستبدع إن استطاعت خلال دورتها الحالية تنفيذ ما أعدّته إدارة رامز جرايسي من مشاريع تطوير في كل المجالات. وأشغل رامز أعلى المسؤوليات في البلدية على مدى 35 عاما، قائما بأعمال الرئيس ومن ثم رئيسا، دون أن تمسه أية شائبة مالية أو أخلاقية.
أعدى أعداء جرايسي وخصومه السياسيين، وكذلك "الإسلاموية" وعلى سلاّم لم يتفوّهوا بمثل هذا الكلام المسيء والمتجني لحنين عنه.


* خطاب المحاكم*


يُعلن حزب "التجمع" أنه ضد التوجه للمحاكم وأن الاحتكام يجب أن يكون فقط لصندوق الانتخابات. وإذا ما جرى اختلاف في احتساب النتيجة يجب إيجاد حلّ أهلي توافقي. ويُضيف لكن "الجبهة" لا تريد التسليم بخسارتها وتتوجّه لمحاكم إسرائيلية صهيونية أجازت بناء الجدار وميّزت ضدنا واقرّت سلب أرضنا وتفتيت وحدتنا. ثمّ تدخّل المحاكم يعني تسجيل سابقة التعدي على حق لجنة الانتخابات المحلية بإقرار النتيجة، وتسييسا للقضية. فإما قبول النتيجة كما هي وإما إعادة الانتخابات للرئاسة، وخصوصا أن فارق الأصوات بين مرشحَي الرئاسة ضئيل، وهذا يمس بشرعية الرئيس المُنتخب. والجبهة تتحمل مسؤولية كل ما حدث وكل ما سيحدث أيضا من توتير... بسبب عدم قبولها لقرار الناخب وتوجهها للمحاكم.
أكاد لا أصدّق ما استشهدت به أعلاه! من المَعيب والمحزن أن يسقط حزب مسؤول إلى هذا الدّرك من دجل الموقف وتزوير الحقائق واستغباء عقول الناس. أولا، التوجّه للمحاكم ليس لإلغاء قرار الناخب وإنما لتأكيد صحة أو بطلان ما أعلنته لجنة الانتخابات المحلية من نتيجة فرز أصوات الناخبين، ولمنع تزويرها من قبل لجنة محلية تمثل الأحزاب والقوائم المحلية. وما من تعدٍّ على صلاحياتها وما من سابقة هنا. هكذا هو الأمر في كل الاستئنافات التي تُقدّم للمحاكم في كل البلاد. ثانيا، الفارق الضئيل بالأصوات ليس طعنا بشرعية الذي يجري انتخابه، لأن انتخابه شرعي حتى لو فاز بفارق صوت واحد لصالحه.
ثالثا، لا يقول "التجمع" الحقيقة حين يدّعي أنه طالب دوما بإعادة الانتخابات. هو طالب بهذا فقط بعد أن جرى، بقرار من المحكمة، فتح صندوق ذوي الاحتياجات الخاصة الذي أفرز أن جرايسي هو الذي فاز بالرئاسة. قبل فتح ذلك الصندوق ليس فقط لم يطعن التجمع "بشرعية فوز" علي سلاّم بفارق ضئيل من الأصوات، وإنما سارع للائتلاف معه ومع الإسلاموية في المجلس البلدي وأمطر الجبهة بقذائف عدم انصياعها لقرار الناخب والإقرار بهزيمتها. "طبخوا" الائتلاف خلال أيام، بل كان مطبوخا سريا قبل الانتخابات بأسبوعين تقريبا، مع أن قضية من الفائز مطروحة أمام القضاء! واتهموا "الجبهة" التي طالبت بانتظار صدور قرار القضاء بأنها تريد شلّ البلدية والبلد.
رابعا، لا يوجد أرقى من اللجوء إلى القضاء لحسم وحل أية مسألة خلافية. والجبهة أزهقتنا من كثرة ما أعلنت أنها ستلتزم بالنتيجة التي يقرّها القضاء حتى لو لم ينصفها. أما بخصوص "الحل الأهلي" التوافقي... الجبهة هي التي عرضته وتوصلت بشأنه إلى اتفاق مع سلاّم. وكان فيه كرم لصالحه حتى لو ظهر أن الفائز هو جرايسي. لكن كغيره من الاتفاقات مع سلاّم (كان أيضا اتفاقان آخران منذ ما قبل الانتخابات ونصّاهما متوفران عندي...) تراجع عنه بحجّة رفض "مرجعياته" له. فهل كان "التجمع" أحد المرجعيات الناصحة لسلام مع غيرها من مرجعيات معروفة، محليّة وغريبة...
خامسا، الذي ادّعى أن التوجه للقضاء تسييس للمسألة، زحف نوابه البرلمانيون على بطونهم نحو القيادة السياسية الليكودية، مستجدين وزير الداخلية ساعر استغلال صلاحياته لفرض إعادة الانتخابات. فأسرع هذا بدعم من نتنياهو ومن جهاز الأمن والمخابرات، وهذا ما أكّدته صحف عبرية، بالضغط على القضاء لاتخاذ قرار بإعادة الانتخابات. يدّعي التجمع أنه ضد تسييس قضية أهلية عن طريق القضاء، لكنه يوصلنا مع غيره إلى تسييس القضاء من خلال الاستعانة بالليكود!
وسادسا وسابعا وثامنا... وأولا وأخيرا، يا قيادة التجمع، المبادئ والقيم والمواقف والأخلاق ليست علكة نجترها ونمضغها كما نريد ونطلقها بالونات من أفواهنا. وإذا فعلنا هكذا ستنفجر هذه البالونات على وجوهنا تاركة رذاذ بصاق عليها بصقته أفواهنا. لذلك، يُنصح بالاغتسال...


* خــطـاب الـطـائـفيـة والبلطجية والترهيب*


يصمت التجمع عن البلطجية والترهيب والطائفية في خطاب وممارسات حلفائه (الأصح هو حليفهم). هو لا يرى الاعتداءات بالمولوتوف والرصاص الحي على قادة جبهويين وبيوتهم وأملاكهم، ولا الاعتداءات الشوارعية المتكررة يوميا تقريبا على أعضاء ونشطاء ومؤيدي الجبهة. ولا رسما لرئيس بلدية مضرّجا بدمائه وبلطجي يوجّه الرصاص إلى رأسه. ولا نصب خيمة اعتصام بشعاراتها المقززة التي تستدعي التوتير والبلطجة. ولا فرض مظاهرة وإضراب على مدينة بقوة الذراع للضغط على المحاكم. ولا التهديد بحرق البلدية والبلد إن لم يكن فلان هو الرئيس. ولا "فرمانات" من مسموح له أن يدخل البلد وأن يقطن بها ومن المطلوب منه أن يبحث عن بيت خارجها... إلخ.
وإذا ما اضطر التجمع، نادرا جدا، لإصدار بيان إدانة ما يكون هذا أنعم من الحرير وعموميا، وتضيع الإدانة للممارسة البلطجية بحق الجبهة في فيض الإدانة للجبهة التي من اختصاص كوادرها اللجوء إلى "أدوات البلطجية كافة" وإلى "الاعتداءات بالعصي والشتائم والتهديد والتخويف والترغيب" (؟!) والجبهة هي "صاحبة العنف الكلامي الأشرس" وهذا "يُنتج ثقافة عنيفة هي أخطر بكثير من الاعتداءات على الممتلكات". لذا هي التي يجب تحميلها المسؤولية عن "العنف الأكبر والأخطر"، وهي "صاحبة بلطجية وعُنجهية  منقطعة النظير"... و"البلطجية والعربدة في قلوبكم وعقولكم يا جبهة"...لكن الجبهة تفتري على عموم الناس (؟!) وخصومها السياسيين وتتهمهم بالبلطجية وتخوّن الجميع... (؟!)
أما عنف الإضراب والمظاهرة والخيمة، برأي حنين زعبي، فيجب أن نرى فيه "البعد العقلاني والوطني... وتعبيرا عن غضب الناس الشرعي ورغبتهم بالتخلص من عربدة واستبداد الجبهة". والناس (من الناس؟ هل هم فقط بضع عشرات أومئات أو حتى ألوف من نشطاء وقواعد "ناصرتي" و"الإسلاموية" و"التجمع" الذين شاركوا في تلك الاستفزازات). والناس، تتابع حنين، "اكتشفت أنها قوية وطلعت من أجل قضية وطنية" (؟!) و"هؤلاء كنز وعلى الجبهة أن تحييهم"!
الخطاب الطائفي: حسب الرأي الجديد - القديم للتجمع، وتعود لحنين زعبي براءة تطويره مؤخرا، الجبهة هي "الطائفية وصاحبتها ولم تعمل أي شيء لمواجهتها". وهنالك "صناعة للطائفية من قبل المستفيدين منها". ورامز جرايسي "قسّم البلد إلى طوائف واستغلت الجبهة الطائفية واعتمدت على بلوك... لكسب الأصوات" (تقصد بلوك مسيحي). والجبهة "تلعب في هذا الملعب مستغلة للطائفية ولمعادلة الكراهية"، وهذا قمّة "اللامسؤولية وانعدام الأخلاق الوطنية عندها".
والجبهة هي التي تقسم الناس إلى "جماعتنا وجماعتكم" وتستدعي خطابا طائفيا بغيضا نقيضا للجامع القومي وللنسيج الوطني، بتصويرها للآخرين برابرة - (متى وأين؟ عيب يا حنين) - أصوليين فتشق الهوية الوطنية للمجتمع". ويطوّر د. جمال زحالقة هذا التنظير البائس، بقوله: "لا يهم إذا كان فلان طائفيا أصيلا أم مجرد لاعب بهذه الورقة. وترشيح حنين ألغى افتعال الخطاب الطائفي". وتقرر "فصل المقال" أن أكثر ما يُميّز نتائج انتخابات الناصرة هو "كسر المعادلة الطائفية"، بفضل ترشيح حنين.
أولا، الجبهة ليست طائفية لا فكرا ولا برنامجا ولا سياسة ولا تنظيما ولا تركيبة لقائمة انتخابات بلدية أو غيرها. ورامز جرايسي هو الذي "أزهقنا" من كثرة ما ردّد في خطاباته الانتخابية التحذير من الخطاب الطائفي ولَوْ بالهمس داخل البيوت، لأنه يدمّر النسيج الوحدوي الوطني للمجتمع. ونعم يوجد فارق بين "الطائفي الأصيل" وبين"اللاعب بهذه الورقة"، هذا عوضا عن أن أصحاب هذا "التنظير" البائس لم يقدموا أي إثبات لوجود "لاعب" كهذا إلا الحديث عن همس في البيوت. وما أدراك ما يُهمس في البيوت ومَن هو الهامس. ثمّ ألم تسمعوا يا زملائي التجمعيين ما يُخطب به جهرا، لا ما يُهمس، من على المنابر وما ينتق (لا ينطق) به الكثيرون في المواقع/ وما تقولونه أنتم جهرا ضد ضحية الطائفية لا ضد مروجها؟
ثانيا، "الجبهة" ليست فقط لا تستفيد من هكذا خطاب ولعب طائفي، وإنما هذا يحطمها انتخابيا ويفشلها خصوصا في بلد ثلثاها ينتمون لطائفة معيّنة. وإذا ما كانت الجبهة ربحت بضعة أصوات من عنصريين مسيحيين، فقد خسرت آلافا مؤلفة من الأصوات في أحياء معينة. وكاهن العنصرية المسيحية وأنصاره كانوا على تنسيق متواصل - سوا سوا - مع عنصريين من طرف آخر لإسقاط الجبهة.
وحنين لم "تكسر المعادلة الطائفية" وإنما خدمتها موضوعيا، هي المعادية للطائفية، بانحيازها لحلفائها والانتصار لهم دون ولو مجرد الهمس ضد طائفيتهم من قبلها. والاقتراع، يا "فصل المقال" ويا كتبتها، لم يتميز في هذه الانتخابات بكسر الطائفية وإنما بتسعيرها بامتياز وبشكل يفوق بكثير مثيلها إبان تفجير ما عُرف باسم "أزمة شهاب الدين" وما رافقها وما تبعها. اقرأوا الخطابات يا زملاء، اقرأوا ما يُنشر في المواقع من تعليقات. بل اقرأوا على الأقل نتائج صناديق الاقتراع في مختلف الأحياء... "علّكم تعقلون".
ثالثا، مَن يريد كسب الأصوات والتخلي عن موقفه القومي الهوياتي الجامع لصالح ما سمّاه "التزاوج القومي - الإسلامي" و/أو هدف حياته هو إسقاط الجبهة، و/أو لا يجرؤ على إدانة الذي يُسيّس الدين ويحيله إلى طائفة ويعتمد الطائفية فكرا وسياسة وتنظيما، من الأجدى به ألا يرمي بيوت الناس بالحجارة والنار، بينما بيته من زجاج هش ومن قش.


* إلعبوا يا أولاد...*


ماذا قال التجمع وحنين شخصيا عن منافسي الجبهة الآخرين – (سلاّم و"ناصرتي" والإسلامويتين) - قبل أن يتحالف معهم ضد الجبهة؟ حنين قالت عن سلاّم إنه "عربيد"، وأضافت أنها لا يمكن أن تنسحب لصالح انتخابه، ولا أحد يجرؤ أصلا على طلب هذا منها لأنها تمثل "نهجا مغايرا على الإطلاق". ولا يمكن أن أدعم سلام لأني لا أعتبره تغييرا حقيقيا. ومشروعنا كقائمة أهلية وحزب تجمع ليس الاختيار بين "السيئ والأسوأ" وإنما إحداث التغيير الحقيقي. وجرايسي وسلام وجهان للعملة ذاتها. أما هي حنين... "فأنا البديل الوحيد". وكل الآخرين من "النظام الحالي" (الجبهة وسلام) ومن "المعارضة الهشة" (الإسلامويتين)، ليسوا ببديل. و"مخططنا ضد الخراب الذي سببتموه أنتم الأربعة مع بعضكم" (تقصد أربعة مرشحي الرئاسة غيرها - جرايسي وسلام وعيّاد وأبو أحمد).
لكن حنين زعبي، وبعد أن قررت هي وقيادة حزب "التجمع" القطرية المتنفذة وقيادة فرعه النصراوي المتنفذة الجلوس العلني في حضن سلام والإسلاموية ومن لفّ لفهم، تظهر في مهرجانهم الانتخابي بتاريخ التاسع من آذار "كاثوليكية أكثر من البابا"، ويختفي من خطابها كلام "الأنا" ليحل محله كلام "الإحنا". وليتها ما ظهرت وما نطقت. ففي نهاية المطاف هي بالنسبة لي زميلة أعزّها، ولا أريدها أن تذلّ نفسها وحزبها.
وقفت خطيبة في مهرجان يجري فيه القسم العلني الجماهيري على القرآن الكريم وباسم الدين الحنيف بدعم سلاّم، والحضور فيه يفصل ما بين الرجال والنساء. ونطقت ضد الجبهة زاعمة انها "تنشر التفرقة الطائفية والاجتماعية!" وتضحك على النساء بتوزيع الورود عليهن في الثامن من آذار. وأبلغت الحضور قرارها وقرار حزبها بأن "نكون معكم من أجل مستقبل الناصرة... بدون الجبهة".
وحنين قارئة مطَّلعة. وهي تعرف أن غابسو هو الذي قال عن سلام "صديقي الحميم" وبادله الأخير هذا الوصف. وتعرف كل تصريحات غابسو ضد بلدية الناصرة ورئيسها جرايسي ومطالبته للدولة بحرمانها من الميزانيات وبمعاقبة أهلها ونقلهم إلى غزة لأن جرايسي يتظاهر ضد دولة اليهود واقفا وراء شعار مكتوب عليه "نتنياهو قاتل". وتعرف ما نطق به غابسو في مقابلة أخيرة مع صحيفة "الصنارة" بتاريخ 14.2.2014. قال: "من مصلحتي ومصلحة دولة إسرائيل أن يكون علي سلام رئيسا للبلدية، ومن يدعم سلام هو صديقي، وأدعوه لشرب القهوة معي. أما جرايسي فلا أتحدث معه إطلاقا وهو يخدم السلطة الفلسطينية لا دولة إسرائيل".
حنين تعرف هذا وأكثر. ولكنها تخطب خطابا هجوميا بلا فرامل ضد الجبهة متهمة إياها بتخوين الآخرين والقول عن علي سلام إنه صديق غابسو. "لتتألق" بعدها قائلة: غابسو صديق مين، ومين المريح لغابسو؟ الصديق والمريح لغابسو من لا يناضل ضد مصادرة الأراضي، طريق بلدية الناصرة برئاسة جرايسي مريحة لغابسو. وتضيف: من الخطأ السؤال من الأحسن وطنيا رامز أم سلام. الصحيح هو السؤال من أحسن رامز بفساده أم علي بأكاديمييه ومستشاريه.
لم ينقص خطاب حنين إلا "فلتة اللسان" الفاضحة التي قالها جمال زحالقة في مقابلته مع موقع "العرب" بتاريخ 25.2.2014. قال: "انتقدنا سلاّم حين كان مع الجبهة، وحين تركها أصبح الأمر مختلفا". صدق زحالقة. المبادئ والقيم والأخلاق الوطنية هي أن تكون ضد الجبهة وأن تعمل لإسقاطها وأن تبني مستقبل الناصرة والجماهير العربية عموما، مش مهم مع مين، المهم أن يكون هذا بدون الجبهة! وعلي استحق الانتقاد فقط حين كان مع الجبهة، وحين يُصبح ضدها نزحف للتحالف معه.
"إلعبوا يا أولاد واللعب على أمكم" - قالت العرب. و"من يلعب بالنار يحرق أصابيعه" - أضافت العرب. المأساة... أن اللاعبين ليسوا أولادا، بل قادة لتيار يحلم بأن يكون التيار الوطني المركزي القائد للجماهير العربية الفلسطينية الباقية في وطنها. من المسيء والمشين أن تنتحر الأحزاب الوطنية.


* عودة إلى المستقبل*


أطالب "التجمع" بالكف عن التهجم على رامز جرايسي لأنه قال عن سلوكهم الانتخابي "مش قومي ومش وطني"، فبأي حق تنسبون إلى جرايسي "براءة اختراع" هذا التقييم؟ هذه براءتي وأنا أول من "اخترعها" ونشرها في مقال بعنوان "نحو انتخابات بلدية الناصرة"، جرى نشره قبل شهر ونيف من موعد الجولة الأولى للانتخابات التي كانت بتاريخ 22 أكتوبر 2013. وأضفت يومها أيضا كلمات ومش مدني ومش أخلاقي.
وكتبت يومها: أن التجمع وبحجة بعض أخطاء عابرة للأقرب إليه، يصمت عن الخطايا الدائمة للأبعد عنه بل يحالفه. وأنه ليس فقط يجوز للتجمع، بل يجب عليه، النقد الحاد لبعض أفكار وممارسات ونهج عمل الجبهة. لكن لا يجوز له ولصالحه وصالح شعبنا أن يحيل الاختلاف إلى خلاف عدائي. لأن هذا إضاعة للبوصلة الوطنية وجعل الأحقاد والمرارات الدفينة برنامج ونهج عمل. وهذا تسفيه للسياسة وحط لمستواها إلى مستوى ثقافة السوق - البازار: كل "تاجر" ينافس ويعادي الأقرب إليه إذا كان "يبيع بضاعة" شبيهة ببضاعته.
وأضفت يومها أن الأوان قد آن ومنذ أوان لأن يغيّر التجمع خياره الاستراتيجي من معاداة الجبهة والحزب الشيوعي ورغبة إزاحتهما والحلول مكانهما، إلى استراتيجية التعاون والتحالف معا ضد المخططات الصهيونية والعنصرية والرجعية العربية والشرذمة العصبوية القبائلية الحمائلية والطائفية والجهوية والحزبية. وأن على الجبهة أن تفعل هكذا أيضا.
طرح "التجمع" مطلب التغيير برنامجا انتخابيا له. لكن بسلوكه الانتخابي لم يُغيّر إلا نفسه وباتجاه الأسوأ. هو لم يطرح حتى شرط الائتلاف الشامل لدخوله الائتلاف البلدي برئاسة سلام، فتعرى كحزب قومي وطني كان أساس وجوهر برنامجه الانتخابي إسقاط واستبعاد الجبهة أولا وأخيرا.
محزن ومؤلم أن تسقط الأحزاب الوطنية وأن تميت مبادئها. فهل بإمكان التجمع أن يعود لذاته ولبراءة ونقاوة أفكار وبرنامج ماضي ولادته بالممارسة لا بالإنشاء الكلامي، فينقذ ذاته ويصنع مستقبله؟ نأمل ذلك. بل نناشده أن يفعل ذلك. شعبنا، بحاضره ومستقبله المنشود، بحاجة إلى تيار قومي وطني وديمقراطي وعلماني يساري وتقدمي اجتماعيا. تيار يكون ركنا أساسيا من تيارات الحركة الوطنية الجامعة المتحالفة.
***
لكن ما دخل هذا المقال بجزأيه بالعنوان - المثل - أعلاه: "عاد بخـُفيّ حُنّيْن"؟ يُحكى أن أعرابيا ركب ناقته وتوجه إلى قرية مجاورة قاصدا الإسكافي حُنين لشراء خفّين. لكنه أهلك الإسكافي بجداله ومساومته ولم يشتر. وفي طريق عودته إلى مضربه وجد الخفين ملقيين في أماكن متباعدة. ربط ناقته بقرب موقع الخف الأول وأخذه. ثم ذهب لجلب الخف الثاني. في هذه الأثناء خرج الإسكافي حُنين من مخبئه، وهو الذي كان قد ألقى بالخفين في طريق عودة الأعرابي، وسرق ناقته. عاد الأعرابي إلى بلدته بخفي حُنَيْن خاسرا ناقته.
كان بإمكان "التجمع" أن يعود من الانتخابات، لو تجاوب مع نداء الجبهة له، بحمولة ناقة من المبادئ والقيَم وبثلاثة أعضاء في المجلس البلدي وبقائم بأعمال الرئيس وبفرض برنامج التغيير الذي يريد. لكنه عاد بخسارة ناقة مبادئه وبرنامجه وبعضو تجمعي واحد في ائتلاف هزيل، وبعشرة بالمائة فقط من الأصوات لرئاسة حنين.
عاد "التجمع" بخُفي حَنين، والعودة أسوأ. فهل ما زال هذا الحزب قادرا على إصلاح وتغيير مسلكه عائدا نحو مستقبل أفضل له ولشعبنا عموما، فتكون العودة عندها أحمد؟ نأمل ذلك وننتظره.



(يتبع مقال أخير من هذه السلسلة، عن الجبهة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نخوة التبرّع بالأعضاء والأنسجة

featured

" طفح الكيل وبلغ السيل الزبى "

featured

للجائعين للحريّة، تحيّة

featured

الحذاء الذي لم يتمزق وعنق الصبي المذبوح

featured

نوبة سُعار استيطانية

featured

خارطة دعم الاستيطان

featured

انتقال السلطة في قطر .. مقدمات ونتائج

featured

ظاهرة العنف ودور القيادات العربية