لماذا لم يخرج أئمة المساجد ورجال الدين مستنكرين بقوّة ذبح الطفل عبدالله عيسى وغيره من الأطفال والنساء والشيوخ؟
هي فقيرة وهو فقير لكن جمعهما الحب، واليوم هي فرحة لأن حبيبها قد اشترى الحذاء الذي كان يتمناه، وها هي تنتظره أمام باب مكان عمله، لكن السماء بدأت تمطر والمياه بدأت تتجمع في الشارع حتى تحول الشارع الى نهر، خرج الحبيب من البوابة واراد اجتياز المياه المتدفقة لكن الفتاة الفقيرة سارعت وحملت حبيبها على ظهرها أمام المارة واجتازت به المياه خوفًا من تلوث وتمزق جلد الحذاء الجديد، صورة مليئة بالرومانسية المفقودة، وكانت قد نشرتها وسائل الاعلام القادمة من اليابان، كصورة تلخص الوفاء والحب والاهمام بالحبيب.
تأملت صورة الحب هذه ليس من زاوية أجمل لحظات العشق، وأنقى المشاعر، والوفاء للحبيب من قمة الرأس حتى أخمص القدم، لكن كيف كان حرص الفتاة على الحذاء الجديد وخوفها عليه ، بينما كان الى جانبها صورة ذلك الرجل المتوحش الذي قام بذبح الصبي الفلسطيني عبد الله عيسى 13 عامًا، من حي باب السباع في مدينة حلب "بتهمة الانضمام الى جيش النظام السوري". حيث قام بذبحه علنًا وبالصوت والصورة دون أن يرف له جفنًا أو ترتجف يداه.
المقارنة بين الحذاء والعنق المذبوح مقارنة ساذجة وغير إنسانية، لا مجال للدخول في تفاصيلها العبثية، لكن حسب ما قاله الشاعر المصري أمل دنقل (الصمت يطلق ضحكته الساخرة) أطلقت ضحكتي الحزينة الموجعة، لأننا في زمن لم تعد فيه الحاجة أم الاختراع، لأننا نرى الاختراع العربي الوحيد الآن هو ترسيخ فكرة الذبح المشروع والتدمير الممنهج والانهيارات الأخلاقية والقيم السلوكية التي تحولت الى سمة من سمات التاريخ العربي الحديث، حتى أصبحنا نعيش فقط داخل أرقام القتلى ومهرجانات الذبح والتنافس بين الثعالب اللامرئية التي تحشرنا في حظيرة الدم، والادهى أننا نرقص مع هذه الثعالب رقصات التأييد الصامت على أنغام انشودة "أمجاد يا عرب أمجاد".
لقد رقصنا وخرجنا الى الشوارع فرحين مهللين لفشل الانقلاب التركي وخروج اردوغان منتصرًا على معارضيه، وسجلنا الكلمات المؤيدة له بحروف من ذهب، ولكن منظر الصبي المذبوح لم يدفعنا للتحرك، ولم نخرج الى الشوارع عندما يُقتل المئات في انفجارات واحزمة ناسفة وتفجير المساجد والأسواق والبيوت والمدارس، لم نخرج الى التظاهر استنكارًا للحرب المسعورة على اليمن ومقتل أطفالها، كأن اليمن خارج الكرة الأرضية، وكذلك العراق الجريح، وليبيا المستباحة، أما سوريا فقد كان النظام السوري هو شيطانهم وتجاهلوا الشياطين الذين تزينوا بشعارات واعلام وغطسوا بالدم والدمار حتى الركب.. والسؤال الذي يلح.. لماذا لم يخرج أئمة المساجد ورجال الدين مستنكرين ذبح هذا الصبي وغيره من الأطفال والنساء والشيوخ؟ لماذا لم يكفروا علنًا تلك الحركات الوحشية التي تغرس انيابها في لحم الشعوب؟ لماذا الصمت الجماهيري المعيب؟ حتى من قبل المثقفين من أساتذة جامعات، من شعراء، ادباء، باحثين وباحثات، نقابات عمالية – اذا وجدت في الدول العربية؟ حتى الشعب الفلسطيني، الذي خرج مهللًا لاردوغان لم يهتم بذبح الصبي الفلسطيني، لم نسمع في غزة أي استنكار؟ والقائد في حركة حماس "مشير المصري" الذي بشر الاتراك أن الفلسطينيين على استعداد للموت على شواطئ تركيا، لم نسمعه يستنكر عملية ذبح الصبي وغيره من الأطفال والشباب؟
التهاني والمباركات التي هطلت كزخات المطر على انتصار اردوغان اشعرتنا أننا حمالو الحطب، وأن شعاراتنا وهذياننا وهياجنا السياسي هي مرايا مخادعة لاستعراضات التصفيق الفارغ، واثبتنا أننا القطيع الذي يصفق وهو في طريقه الى المسالخ، يصفق حسب مزاج زعمائه وقادته.
كيف نحاول النوم وصورة الصبي عبدالله عيسى الذي ذبح امامنا معروضة بالكامل، وهذا الفخر في القتل والتباهي من قبل هؤلاء الذين لم يتورعوا عن الذبح، لم نشعر بتأنيب الضمير - مثلما جرى مع عائلة الدوابشه التي غسلوا ابنها الوحيد الناجي من المحرقة بمياه اللاعب رونالدو ووسائل الاعلام البراقة، وهكذا انتهت قصة العائلة-.
كلنا نتذكر صورة الطفل السوري الذي وجد غريقًا على شاطئ الهروب، كيف حاول العالم المتحضر رسم الألم والحزن وتجيش العواطف، حتى تحول الطفل الى أيقونة اللجوء، هذا العالم المليء بالإحساس المرهف يصمت يوميًا، على ذبح الصبي عبدالله عيسى وغيره من الاطفال.
لو أتينا بأشهر قارئة فنجان وأشهر قارىء كف لما استطاع قراءة المستقبل العربي الغامض، المشوه، المحبط، المخدوع، المنافق، الغني السعودي الذي يطالب بشراء الهاتف الذي أطل منه اردوغان طالبًا التحرك، هو نفسه الغني الصامت على المذابح التي تقوم بها بلاده في اليمن، هو الصامت عن أصابع بلاده التي تحرك خيوط الموت العربي المفخخ.
اذا قال يوما الكاتب الساخر مارك توين (السياسيون مثل حفاظات الأطفال يجب تغيرهم)، فقد وصلنا الى وضع يقول "الشعوب يجب تغيرها".
