منذ ما يقارب سبعة عقود لم تتوقف موجات العنف والتعصب والاستيطان التي يمارسها الاحتلال في فلسطين ، لكن هناك فترات تشهد ما يمكن تسميته نوبات سُعار، تتصاعد فيها وتيرة العنف لتشمل البلاد والعباد من مختلف المناطق المحتلة ، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية ، فكل فلسطيني متهم إلى أن يثبت عكس ذلك ، وهو التخلي التام عن هويته ، وحتى لو فعل ذلك فإنه لن ينجو، لأن النظرية الصهيونية التي يتجدد صدورها بطبعات مختلفة هي أن الفلسطيني الطيب هو الميت! ونوبة السعار التي تشهدها فلسطين الآن لم تتوقف عند الحرق والهدم والمطاردة والترانسفير الذي يجري بالتقسيط ، بل تجاوزت ذلك إلى استباحة أطفال دون الثانية ، ومن تجرأوا على ذبح الطفلة إيمان حجو قبل أعوام لم يعودوا يخشون من أية ردود أفعال رادعة ، أما فقه التجريم سواء عبر عنه الإعلام أو تحول إلى ملفات تتراكم ويغمرها الغبار في المحاكم الدولية فهو بالنسبة للقتلة مجرد ثمن عابر ومقدور عليه والمثل القائل لن تسلم الجرة في كل مرة سيكون للاحتلال نصيب منه ، فالجرة ليست من فولاذ وليست قبة حديدية ، إنها الأفكار الفخارية القابلة للكسر. وسيأتي يوم مهما كان مستبعدا تتحول فيه الجرار كلها إلى حطام ، لأن هذا السعار سوف يستولد بالضرورة عنفا مضادا، فكل صبر واحتمال لهما حدود، واستمرار الحصار يحوّل القط إلى أسد، لأن المعركة في نهاية المطاف هي حياة أو موت، وإذا كان للاحتلال نوبات سعار تصيبه بالصمم والعمى فإن المقاومة أيضاً لها نوبات لكنها ليست مسعورة بل منطقية وتشكل امتدادا عضويا لعقود من الانتفاضات المتعاقبة والتي جرى اختزالها تاريخياً في واحدة أو اثنتين فقط ، والحقيقة أن مثل هذا النسيان المتصل لا يقبل التجزئة والتشطير كما لو أنه دودة شريطية!
ومن مظاهر وإفرازات نوبة السعار الراهنة أن نتنياهو الذي يشجب عنف المستوطنين وحرقهم للأطفال بلسان مستعار قدم قبل أيام تعويضاً لتلك القطعان عن منزلين هدما أكثر من ثلاثمائة وحدة استيطانية قيد الإنشاء!
والرهان الدولي على إعادة من أصابه السعار إلى رشده سيبقى حبرا على ورق إذا لم يعثر على أسلوب آخر للردع.