الى متى عمليات تجميل قانون الأحوال الشخصية..؟

single

*آن الأوان لانتشال الرؤوس من الرمال، والتوجه الى إصدار قانون فلسطيني موحد للاحوال الشخصية، ينطلق من الحقائق والوقائع والأدوار المناطة بالمرأة، باتجاه النص القانوني*
//


منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، وبسبب التناقض الواقع بين قانون الأحوال الشخصية مع الواقع المعاش من جانب ومع مستوى التطور والمركز الذي وصلت إليه المرأة الفلسطينية، فقد لجأت دوائر صنع القرار، ولتداركها عجز القانون المتقادم عن محاكاة الواقع، إلى اللجوء إلى القيام ببعض الإجراءات التي من شأنها تجميل القانون والتخفيف من آثار تخلفه عن مواكبة الإشكالات التي تواجهها الأسرة الفلسطينية.
منذ سنوات، قام القائم بأعمال القضاء الشرعي بإصدار تعميم يقاضي من يتخلف عن تسجيل طلاقه في مجلس القضاء، وذلك بعد أن تثّبت من عدم علم الزوجة، في معظم الحالات، ومعرفتها وقوع الطلاق، وخاصة في حالة السكن المختلف لكل من الزوجين. وفي العام الماضي، أصدر رئيس المجلس الأعلى تعميما يطلب فيه المحاكم الشرعية، "عدم إجراء عقد زواج الرجل المتزوج دون إبلاغ الزوجة الأولى أو الزوجات ان كان للزوج أكثر من زوجة". التعديلات المذكورت تشير أن نيّة رئيس المحكمة وإرادته تتجه إلى مواجهة شيوع حوادث الزواج السرّي وعلالج آثاره، حيث فوجئت عديد الأسر الفلسطينية بتكرار وقوع الزواج وخاصة بعد وفاة الزوج.
أما التعميم الهام الثاني الصادر عن رئيس المجلس الأعلى للقضاء، فهو التعميم الذي صدر في أيار الماضي وتصدى لمشكلة "التخارج" الشائعة في المجتمع الفلسطيني. حيث يقضي بعدم تسجيل "التخارج" قبل مضي أربع شهور على وفاة المورِّث، مع وجوب تقديم كشوف التركة المصادق عليها من قبل المجلس البلدي، وذلك لمنع ضياع حقوق الورثة والحد من الغبن الذي تتعرض له المرأة بشكل خاص.
مؤخرا، ألحق رئيس المحكمة التعاميم السابقة بتعميم جديد، يمكّن بموجبه المخطوبة من خلع خطيبها قبل الدخول والخلوة. التعميم الأخير فرض نفسه على المؤسسة المختصة، وذلك لمواجهة إشكالات الواقع بسبب الزواج المبكر والتسرع في إبرام عقد الزواج امتثالا للعادات والتقاليد. فقد أشارت سجلات المحاكم الشرعية الى ارتفاع نسبة الطلاق في صفوف الفتيات قبل الدخول بواقع 77% من عدد حالات الطلاق في المجتمع والبالغ نسبتها 20%. 
الاجراءات المشار اليها أعلاه، توضح الفجوة القائمة بين القوانين السارية، سواء في الضفة الفلسطينية أوفي قطاع غزة، وبين الواقع المعاش. لكن هذه الخطوات والإجراءات الهادفة إلى التخفيف من التصادم الحاصل بين القانون والواقع ستكون بلا نهاية، وذلك بسبب سيرهما باتجاهين متوازيين، ولمأزقه الذي لا يفيد فيه العمليات التجميلية والترقيعية أو إجراء إصلاحات متفرقة ومجتزأة.
ان قانوني الأحوال الشخصية الساريان في الضفة وفي غزة، والذي يعود صدورهما الى مرحلة ما قبل الاحتلال بزمن، أصبحا في واد مختلف عن واد الواقع، الزواج المبكر يتناقض مع التعليم الإلزامي، ويتعارض كذلك مع توجهات حماية صحة الفتيات ومع توجهات حفظ توازن الأسرة واستقرارها، لا سيما وقد تبين بأن أغلب حوادث الطلاق قد وقعت بسبب الزواج المبكر.
 وتظهر الحاجة الى إصدار قانون للأحوال الشخصية الفلسطيني، إلى تكرار حالات الطلاق الغيابي دون علم الزوجة، فلم يعد كافيا الاجراءات المتبعة في المحاكم الشرعية بتثبيت حجة الطلاق، ولا يكفي إعلام الزوجة على أهميته، بل اصبحت الحاجة ماسة لأن يصبح حق الطلاق بيد القاضي وليس بين أطرافه، منعا للتعسف في استخدامه وحفاظا على كرامة المرأة والرجل، ومن أجل تحرير المرأة من البقاء كرهينة بيد الرجل وتوخيا لتحقيق العدل في الطلاق، ومنعا لتحول الأطفال إلى ضحايا وقوع الطلاق.. وخشية من استخدامهم كأداة للانتقام بين الطليقين.
التعارض يظهر بوضوح في موضوع الولاية. لقد تنوعت أدوار المرأة ضمن الخصوصية الفلسطينية وواقع الاحتلال وتبعاته، كما تنوعت أدوار المرأة مع تطور مستواها التعليمي واحتياجات الواقع وتطور وعيها لذاتها ولحقوقها. لقد تولت المرأة مناصب قيادية تنفيذية وتشريعية وأكاديمية ومهنية وإنتاجية، وتمكنت بحكمها من المساهمة في صناعة القرارات في الشأن الوطني والسياسي والاقتصادي، أو خولها منصبها وصلاحياتها التقرير بمسائل ذات أبعاد خطيرة ومصيرية للبلد. فكيف يمكن أن يتم تفهم بأن من كانت مؤهلة لإبرام العقود والاتفاقيات العامة باسم البلد.. أن لا تكون مؤهلة بذات القدر من اتخاذ قرار شخصي يتعلق بحياتها أو التوقيع على عقد زواجها..!
منذ خمس وأربعين عاما والقانون المطبق في الأحوال الشخصية ساكن على حاله، بينما الواقع الاجتماعي المحيط يتحرك دون أن أي قوة من السيطرة عليه أو الوقوف بوجهه، ومع الزمن لن تتمكن التعديلات التجميلية للقانون عن تلبية احتياجات التغيير ومتطلباته. لقد آن الأوان لانتشال الرؤوس من الرمال، والتوجه الى إصدار قانون فلسطيني موحد للاحوال الشخصية، ينطلق من الحقائق والوقائع والأدوار المناطة بالمرأة، باتجاه النص القانوني. أما التغاضي عن نداء الواقع والمجتمع والإصرار على السير بعكس اتجاه رياح التغيير، فلن يورث الا انفصام القانون عن الواقع، واستمرار عمليات التجميل التي سيفقدها الزمن وظيفتها..

قد يهمّكم أيضا..
featured

لتصعيد النضال ضد الحرب

featured

حبل كذب نتنياهو قصير!

featured

صباح الخير يا ولدي

featured

سوريا وموضوعة الديمقراطية

featured

حول الاضراب الشامل مساهمة في النقاش

featured

ابن صفنا "جوجل" يتضامن مع العربي المتهم!

featured

عن الذكرى العاشرة، ويهودية الدولة، والرفيق توفيق طوبي

featured

على هذا الدرب ما يستحق المسير