عن الاغتراب

single

لأنني غريب في وطني يُشغلني الاغترابُ همًّا وايقاع حياة...

عندما احتل بنو عثمان وطننا عاملوا أهلنا بالبطش والتنكيل وحولوا شبابنا الى مرتزقة يُقاتلون ويُقتلون ويُدفنون بعيدا عن الاهل والوطن مرضاة للسلطان ...

وكان الاغترابُ الى الموت اغترابا بمراسيم سلطانية ، وهذا الاغتراب أفرز اغترابا دفع بالكثيرين بعيدا عن الوطن سعيا وراء اللقمة والأمن والأمان .
لم يهرب اجدادنا واجداد أجدادنا طلبا لمتعة او بحثا عن قصر بديع وزجاجة خمر وسيقان غانية.. كان لهجرتهم في الماضي السحيق اكثر من مبرّر واكثر من سبب : الحروب والاستعمار العثماني الظالم وبعده الانتداب الفرنسي ومع هذه لا ننسى سطوة العملاء المستبدين من ابناء الوطن في ترسيخ وتوطيد أطماع الاجانب في وطن الانبياء على حساب ابناء قومهم ... بفعل هذه السطوة تكوّن جيل من الشباب الطموحين غير الراضخين للذل فوجدوا انفسهم خارج الوطن ... لم يهاجروا طلبا للرزق بل دفاعا عن مبادئ حرية آمنوا بها وتعذرت عليهم في الوطن لشدة ما كان يصيبهم من تنكيل وعذاب .

لم تتوقف هجرة الأهل بانتهاء الهيمنة العثمانية والاوروبية، بل باتت حالة طبيعية لكثيرين افرادا وجماعات يشدّون الرحال نحو أصقاع بعيدة عن الوطن ليعيشوا غربة دائمة تقوم على آهاتهم ودموعهم بعدما كوتهم الهجرة واقتلعت شبابهم لترمي بهم في مجاهل المهجر... في المهجر يعتاد الواحد منهم على الوطن كفكرة او صورة او أكلة او زجاجة تراب او مفتاح بيت او اغنية تراثية... هكذا يمسي الوطن صديقا لهم في دنيا الاغتراب . يحاول البعض العودة كي لا يخلو الوطن من أهله... يحاول الواحد منهم العودة زائرا الى بلاده ليرى أنه لم يتغير شيء ولم يتبدل حال الوطن فتزداد أقدامه رسوخا في تربة بعيدة عن تراب الوطن .

لا تستطيع كلّ قصائد الحنين ولا أغاني المطربين استدراج مهاجر واحد للعودة طالما العفن والتعفن يحيطان بنا في مشرق عربي تتدفق في عروقه الاحقاد وعنتريات التعصب الطائفي . نحن أمّة بلا حركة وهذا يعني اننا لا شيء. سيبقى الوطن مثل مريض مُلقى على سرير تأكله قروح الظهر وبثور الصديد ...
ما يحدث في العراق وفي فلسطين ولبنان ومصر وغيرها يجعل أبناء الوطن المهاجرين الهاربين في تزايد دائم خارج وطن مصاب بالضمور.
نريد وطنا بلا قروح وبلا بثور ... فيه يلتمّ شمل أزهارنا اليانعة المنتشرة في حقول الغربة لتعود الى الوطن ملامح الفرح والعافية ومواسم الخير... اذا تعذر التغيير سنبقى مرددين مع جبران خليل جبران :
"أنا غريب في هذا العالم ... أفكّر في وطن سحريّ لا أعرفه... أنا غريب وسأظل غريبا حتى تخطَفني المنايا".

قد يهمّكم أيضا..
featured

أسوأ المسيئين إلى النبي

featured

لنوابنا العرب: مضمونكم واحد وشكلكم ليس كذلك!

featured

الجميع خُلقوا مُتساوين

featured

سنعود خصّيصا لمشاهدتك يا "زهرة الجرمق"

featured

ولتكن وحدتُنا باقةَ وردٍ

featured

ابتسم أنت عربي