صادقت الكنيست في الأسبوع الماضي على تعديل رقم 8 لقانون تشغيل العمال بواسطة مقاولي القوى العاملة - 1996، الذي يمنع التعاقد مع شركات قوى عاملة أو شركات خدمات* لا تملك رخصة عمل من قبل وزارة العمل. ويأتي هذا التعديل ضمن سلسلة من التشريعات هدفها الحد من الإنفلات الحاصل في سوق العمل من خرق لحقوق العمال المشغلّين بواسطة هذه الشركات.
وفقا لهذا التعديل والذي يدخل حيز التنفيذ بتاريخ 1.1.2012، كل "مشغّل فعلي" (صاحب العمل الذي يعمل في مصنعه/مؤسسته عامل من شركة قوى عاملة أو خدمات) يتعاقد مع شركة لقوى عاملة أو مع شركة خدمات (في مجال النظافة أو الحراسة) غير مرخّصة من قبل وزارة العمل، يرتكب مخالفة غرامتها 14,400 شاقلا. وكل "مشغّل فعلي" يعمل لديه عمال من هذه الشركات يدفع غرامة قدرها: 14,400 شاقلا عن كل عامل مشغّل خلافا للقانون.
عشرات آلاف العمال في سوق العمل الإسرائيلي يعملون اليوم عن طريق شركات القوى العاملة وشركات الخدمات. ويعتبر هذا العدد المرتفع والذي يشكل قرابة ال-10% من مجمل العمال في إسرائيل، إشارة مقلقة جدا لما يجري في سوق العمل. حيث أن ظاهرة تشغيل العمال عن طريق هذه الشركات تعتبر تحوّلا جذريا من المبنى المتعارف عليه في علاقات العمل وهو "التشغيل المباشر" إلى مبنى "التشغيل غير المباشر"- فيه تقف هذه الشركات حاجزا فاصلا بين العامل والمشغّل الفعلي، وتمنع بالتالي من العامل تحصيل الحقوق التي كان يستحقّها لو تم تشغيله بشكل مباشر عن طريق المشغّل الفعلي.
بدايةً – قبل قرابة ثلاثة عقود - كانت الدوافع وراء تشغيل عمال عن طريق شركات القوى العاملة هي توفير حلول زمنية مؤقتة لأماكن العمل التي تحتاج لقوى عاملة لفترات زمنية محددة. مثلا، عند خروج عاملة لإجازة ولادة، خروج عامل/ة لإجازة مرضية، أو لتوفير قوى عامله إضافية في حالة طوارئ أو لمشروع مؤقت في مكان العمل. لكن سرعان ما أخذت هذه الظاهرة في الانتشار لتشمل اليوم كافة مرافق العمل ولم تعد هنالك صلة بينها وبين مسألة "العمل المؤقت".
من أهم الدوافع التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة هي الأرباح المادية الناتجة للمشغّلين والشركات على حساب جمهور العاملين، أضف الى ذلك إضعاف قوة اللجان العمالية في أماكن العمل وتنظيم العمال بشكل عام. فنجد مثلا أن المكاتب الحكومية، البلديات والشركات الحكومية هي المشغّل الأكبر للعمال عن طريق هذه الشركات، لأنهم بذلك استطاعوا تجاوز الإتفاقيات الجماعية والأنظمة الداخلية التي وفّرت الحماية للعمال والموظفين في هذه الأماكن، بحيث لا يتم تطبيقها على عمال شركات القوى العاملة وشركات الخدمات. كما واستطاعت الشركات والمصانع الكبيرة بواسطة تشغيل عمال، عن طريق هذه الشركات، تقليل عدد العمال المثبّتين لديها، إضعاف لجان العمال وخلق مجموعتين من العمال، داخل مكان العمل الواحد، أصحاب استحقاقات مختلفة.
تقارير عديدة لمنظمات حقوقية تعنى بحقوق العمال كشفت مدى الإستغلال والخرق لحقوق العمال المشغّلين بواسطة هذه الشركات، كعدم دفع الحد الأدنى من الأجور وحقوق عمالية أخرى مثل عدم الدفع مقابل الإجازة السنوية، أيام المرضية، أيام الأعياد، أيام النقاهة، وصندوق التقاعد. كما وأظهرت هذه التقارير النهج، المتبع لدى هذه الشركات، كالإقالات المتكررة للعمال أو توقيف علاقات العمل لفترات وجيزة والنقل المتكرر للعمال بين المشغّلين الفعليين، وكل هذا بهدف منع العمال من مراكمة حقوقهم المرتبطة بفترة الأقدمية في مكان العمل. جانب آخر، كشفت عنه هذه التقارير والذي يميّز هذه الظاهرة، هو الخلفية الإقتصادية-الإجتماعية والهوية القومية/الاثنية للعمال المشغّلين بواسطة هذه الشركات، فنجد أن العمال العرب، اليهود الروس والأثيوبيين يحتلون القسط الأكبر من العمال المشغّلين بواسطة هذه الشركات، بشكل يتجاوز نسبتهم من مجمل جمهور العاملين في سوق العمل.
في محاولة للجم هذه الظاهرة وتداعياتها، تم عام 1997 سن قانون تشغيل العمال بواسطة مقاولي القوى العاملة. ووفقا لهذا القانون منعت شركات القوى العاملة (في البداية لم يتطرق القانون إلى شركات الخدمات) من العمل بدون ترخيص من وزارة العمل، المخوّلة بسحب أو بتجميد الرخصة في حال قيام الشركة بخرق الحقوق المحمية للعمال المشغّلين.
هذا القانون شمل أيضا بنود تعنى بحقوق العمال المشغّلين عن طريق شركات القوى العاملة أهمها البند رقم 12أ والذي منع تشغيل عامل لدى نفس المشغّل الفعلي لأكثر من 9 أشهر، وفي حالة التشغيل لفترة أطول يصبح المشغّل الفعلي هو المشغّل الرسمي للعامل؛ والبند رقم 13 الذي يلزم بتوفير نفس الحقوق التي يوفرها المشغّل الفعلي لعماله أيضا لعمال شركات القوى العاملة.
كما ذكر وكما يدل أسم هذا القانون، لم يتطرق القانون في البدايةً لشركات الخدمات وذلك لأنها كانت قليلة جدا وغالبية التشغيل غير المباشر للعمال كان يتم عن طريق شركات القوى العاملة. لكن، وبعد سن القانون ومع إزدياد القرارات الإيجابية لمحاكم العمل في قضايا حقوق العمال المشغلين عن طريق هذه الشركات، أخذت شركات الخدمات بالإزدياد، حتى أن الكثير من شركات القوى العاملة غيّرت تعريفها لتصبح شركات خدمات. كل هذا طبعا بهدف التملّص من وطأة القانون وعدم تطبيقه على العمال.
عام 2009 فقط تم تعديل القانون ليشمل شركات الخدمات التي تعمل في مجالات النظافة والحراسة، ولكن في مسألة الترخيص فقط. ولم يتطرق التعديل لحقوق العاملين عن طريق شركات الخدمات.
التعديل الأخير من الأسبوع الماضي، ألقى للمرة الأولى مسؤولية مباشرة على المشغّل الفعلي الذي يشغّل عمال عن طريق شركات قوى عاملة أو شركات خدمات غير مرخّصة. ورغم محدودية تأثير القانون على ما يجري اليوم في سوق العمل من خرق لحقوق العمال، إلا أن هذا التعديل بوسعه المساهمة في الخطاب القانوني الدائر في المحاكم والذي بدأ يلقي بالمسؤولية المباشرة على المشغّلين الفعليين في حالات خرق حقوق العمال المشغّلين لديهم بواسطة هذه الشركات، وبإزالة الحاجز الوهمي بين العمال والمشغلين الفعليين المتمثّل بهذه الشركات.
*الفرق بين شركة قوى عاملة وبين شركة خدمات، هو أن الأولى تهدف الى توفير حلول عينيّة مؤقتة للمشغّلين اللذين بحاجة لقوى عاملة لوظائف مختلفة، أما الثانية تهدف الى توفير خدمة كاملة للمشغّلين وعادة ما تكون هذه الخدمة جانبية وليست في لب العمل الذي يقوم به هذا المشغّل (مثلا خدمات في مجال النظافة أو الحراسة أو السفريات).
(الكاتبة مديرة فرع الناصرة ?? ????? - عنوان العامل)
