ما يسمّى بـ"قرف العائلة"!

single

ونحن نُحْيي ونحتفل بآذار المرأة، آذار الأم، آذار الأرض، نستذكر أجمل ما قيل عن المرأة، الأروع والأسمى والأكثر إنسانية، فصدق محمود درويش عندما قال بالمرأة "لن أسمّيك إمرأة، سأسمّيك كل شيء". وقالوا أيضًا بالمرأة، "الجنة تحت أقدام الأمهات"، فهل لنا كبشر أن نستخلص العبر وأن نحني هاماتنا أمام ما تقدّمه الأم والمرأة والأرض من حب وخير وبركة وحياة، فنحن كرجال لا نذّخر قلمًا أو منبرًا إلا واستخدمناه بالشعارات البراقة في إحياء المناسبات تمجيدًا للأم بعيدها وللمرأة بيومها وللأرض بما فيها وما عليها بصيفها وشتائها، بخريفها وربيعها المتجدِّد.
إن في المرأة الأم ما يميِّزها عن الرجل ويمنحها تبوّء موقع المركز في المجتمع، فهي الشيء وهي كل شيء وبدونها لا يكتمل شيء. إن مكنون هذه القوّة له علاقة متينة بصلة الرحم في حياتنا البشرية فنقول مثلا، "من رحم يوم الأرض" أو "من رحم الثورة" أو "من رحم المعاناة" أو "من رحم الألم" أو " من رحم الحياة" والقائمة طويلة، نستعمل كلمة الرحم عندما يتعلق الأمر بالتجذُّر والانتماء والتأكيد على الشيء، فكيف لنا أن نتجاهل هذا الترابط العضوي والعاطفي والإنساني الذي تمنحه الأم لنا، ولكننا وللأسف نحوّله في بعض الأحيان أو بغالبها إلى شكل من أشكال العبث، ونهمِّشه فيكاد لا يصل وصفه بأكثر من ماكنة آلية وتصبح المرأة من خلال ذلك مجرّد وسيلة لأنانيتنا وجمودنا الفكري والاجتماعي.
نجد في أغلب ما يكتب عن المرأة العبر السامية، ولكن إذا أدركنا بأن الكثير من المسلّمات التي ورثناها عن الآباء والأجداد ومن العادات والتقاليد والأعراف والتعاليم الأخرى الرجعية التي هيمنت على مجتمعنا العربي طوال عقود مضت، نجد أن التقييم المجتمعي السائد، بأن المرأة أقل من الرجل من ناحية حقوقها الإنسانية المشروعة وحريتها التي ليس من حق أي كائن حي المسّ بها وانتزاعها، نرى أن هذا المنطق الأعوج لا يزال ينخر في مجتمعنا دون حدود، رغم التقدّم البسيط الذي طرأ في عصرنا الحالي، حيث استطاعت المرأة  أن تنتزع بعضا من حقوقها بعد نضال طويل ومرير، ولكن عنف الرجال وتسلّطهم لا يزال متجذّرًا في أوساط واسعة من مجتمعنا العربي في هذه البلاد وأخطر ما فيه قتل النساء على خلفية ما يسمى بـ"شرف العائلة" وبالمعنى الأصحِّ "قرف العائلة". إن مجرّد إطلاق هذا الشعار بصياغته المتخلِّفة الرجعية هذه، هو بمثابة عامل مشجِّع لارتكاب الجرائم من هذا النوع ولذلك يجب التخلص من كتابته وقوله في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة وأن نرتقي بتفكيرنا الحضاري إلى تسلّق القمم من أجل الاقتراب بتواضع إلى العرش الذي تتربع عليه المرأة دون منازع أو منافس.
أية دونية هذه التي يحتكر فيها الرجل لنفسه الشرف، فيحاول أن يكون هو الحاكم وهو من يملك العزّة والكرامة وما إلى ذلك، فالمرأة بنظره تعتبر مخلوقا ضعيفا لا حول له ولا قوة، وهو السلطان، وبذهنيته الموروثة الهشّة يحصر شرفها بجسدها وبغشاء البكارة الهشّْ. أيّ منطق هذا الذي يمسّ ويحقِّر المرأة بهذا الشكل المهين والحاقد، في حين تبادِلُنا وتمنحنا هي الحب والقوة والحياة، فهناك من يفاخر بهذه القيم  صدقًا ولكن هناك بين ظهرانينا من يقولها تملُّقا، علما أن جميعنا مازلنا نردد بيت الشعر لشاعر النيل حافظ ابراهيم وقد حفظناه في طفولتنا عن ظهر قلب "الأم مدرسة إذا أعددتها - أعددت شعبا طيب الأعراق" فهل فعلا نصون وندافع بصدق عن هذه القيمة!. 
تحية لك أيتها المرأة بمناسبة الثامن من آذار فلك كل الشرف فهو منك بالأساس ولا يمكن لرجل أن يملكه بدونك، تحية لك أيتها الأم، أيها الملاك، يا مدرسة الحب والحنان والإخلاص والوفاء، تحية للأرض التي تحتضننا وتظلِّلنا، فمن رحم الأم نأتيك وإلى رحمك نعود.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الجنون الدّرزي" عند يجآل ألون

featured

انتخابات السلطات المحلية 1978 ونجاح الجبهات المحلية

featured

الدويلة الرابعة وتغريبة بني اسراطين

featured

شهداء العدالة الاجتماعية: دمكم لهيب يكمل الطريق نحو الحرية والعدالة الاجتماعية

featured

كيف يكون أبا ورمزا وقد سرق من عمرنا ثلاثين عاما؟!

featured

وهل يُعقل أن يكون الأمر صدفة؟

featured

سياسة حماس المزدوجة