الدويلة الرابعة وتغريبة بني اسراطين

single

تواترت الخطابات تباعا في سرت، بدءا بأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة مرورا باستجداء دماء شهداء الامة وانتهاء بالشراكة اليهودية العربية، وجميعها تحمل مفاتيح الحل السحري لقضية فلسطين، بكل جوانبها، الارض واللاجئين والقدس والمياه وحتى التعليم. لكن الغائب الفعلي من تلك الخطابات هو ما قاله القذافي نفسه وهو الدويلة الرابعة او دويلة عرب 48.

لقد ذهب الوفد بعدد غير قليل من الرؤى المختلفة للحل في المنطقة، وبعدد ليس اقل من الاجتهادات لمستقبل العلاقة مع الجماهيرية ومن ورائها مع العالم العربي. وقد تبدو كل النعوت التي حظيت بها الزيارة بدءا من  التواصل الى العمق القومي او الامتداد التاريخي وانتهاء بالعمق الاستراتيجي، تبدو جميعها جميلة ورنانة، لكنها عجزت عن حمل نفس الرنين المسموع في آذاننا الى أذني القذافي والمضيفين من الجماهيرية.

القذافي لم يجامل احدا، ولم يخف رؤيته التي طالما نادى بها وقال: "لا حل إلا بعودة لاجئي 48 الى فلسطين واقامة دولة واحدة ديمقراطية نسميها "اسراطين".. فإذا اعيد الفلسطينيون المطرودون من ارضهم وتم تفكيك اسلحة الدمار الشامل في اسرائيل عند اذن تقام دولة مثل جنوب افريقيا بانتخابات ديمقراطية.. مستحيل ان تقوم دولة نقية في اسرائيل يكون فيها يهود فقط.. الآن يتحدثون عن 3 دول اسرائيل وغزة والضفة الغربية، وبالنسبة إليكم ربما سيقولون انكم بحاجة إلى دولة رابعة".

لقد لامس القذافي جوهر القضية وجوهر الواقع الكولونيالي الاسرائيلي الرافض لاي حل يقدم للفلسطينيين أي مظهر من مظاهر السيادة الوطنية. ففي غزة يغلى نحو مليون ونصف المليون فلسطيني داخل هذه القدرة الكبيرة المسماة قطاع غزة، وقد اوقدت اسرائيل تحتها النار الى اعلى درجاتها. وفي الضفة والقدس الشرقية عملت اسرائيل وما زالت تعمل على حشر نحو مليوني فلسطيني في معازل محاطة بالجدران الاسمنتية والاسلاك الشائكة بعد ان سلخت ما يزيد على اربعين بالمئة من اراضي الضفة لمصلحة الاستيطان الكولونيالي، وهي ماضية بسلخ المزيد من الارض وتضييق رقع المعازل المسماة مدن او محافظات. والوضع في الداخل الفلسطيني حتى لو تم تجميله بشيء من "الرخاء" الاقتصادي الموهوم الا انه لا يقل اجحافا بحق نحو مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون داخل اسرائيل ويحملون جنسيتها ومواطنتها، ومع ذلك هم الاشد فقرا وعزلة، خاصة مع اشتداد سياسة هدم البيوت وتضييق الخناق على المدن والقرى العربية لجعلها اماكن مستحيلة للعيش الكريم، وقابلة للتحول الى معازل ابرتهايد يتجمع فيها السكان على اساس عرقي.

في واقع الامر يبدو ان اسرائيل ماضية قدما في تطبيق رؤية القذافي، وتقيم دولة "اسراطين" على كامل التراب الفلسطيني، وماضية في افشال أي امكانية واقعية لاقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود العام 67، وتتنكر تماما لباقي مركبات الحل بمعنى التنكر لحق العودة وللقرار 194 من العام 1949 وتتنكر لحق السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية المحتلة، وحتى لتلك القرارات التي وافقت عليها سابقا مثل 242 و 338 واذا ما اضفنا الى كل ما تقدم، عمل المؤسسة الاسرائيلية الدؤوب، على الانتقاص من مواطنة مواطنيها العرب من خلال التشريع العنصري والافقار والتهميش، فان "اسراطين" حقيقة قائمة بمرحلتها الاولية، بمعنى ان حل الدولة الواحدة قد اصبح هو الامكانية "الواقعية" الوحيدة وان الشكل المطور للابرتهايد او دولة التمييز العنصري بنسخته الجديدة والمنقحة "ديمقراطيا" سيكون الشكل الاولي لهذه الدولة.

لا اعلم ان كانت هناك جلسات عمل بين جموع الوفيد وسيادة العقيد، لكن من خلال الخطابات التى القيت تباعا في الخيمة الصحراوية في سرت، لا نستطيع رصد اي اختراق للوضع، لا في المسائل الجوهرية مثل تبني رؤية محددة للحل، علما ان الوفد نفسه لا يحمل نفس الرؤية، بل حمل جملة رؤى واجتهادات، ولا في قضية تواصل الجماهير العربية في اسرائيل مع عمقها القومي وامتها العربية، وبالطبع ليس في مسالة المصالحة الوطنية الفلسطينية، والتي بدت شائكة اكثر من أي مسالة اخرى، ففي حين دغدغت مسامع العقيد بعض الخطب المنتقدة للسلطة الفلسطينية، ذهبت خطب اخرى في نقد حماس واصرارها على حالة الانقسام، اما ما شأن العقيد في كل هذا وذاك؟ قد لا يجدي البحث في خيمة القذافي، وربما من الانسب البحث في تغريبة بني هلال، وان تعذر الامر ففي تغريبة بني اسراطين.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إسرائيل: التدحرج إلى رتبة "أحمق الحي"

featured

مضادات ثقافية للعنف

featured

ثمن استرخاص حياة الامريكان-الافارقة

featured

تصعيد احتلالي في القتل

featured

التغيير حصل، وانتهى الأمر..

featured

المدلولات الجيوسياسية والحيّزية المتعلقة بالفلسطينيين في القانون الجديد لدائرة أراضي إسرائيل

featured

ليس الثائر من يحمل السلاح