يتفق كثير من المراقبين أن الأحداث الدموية الأخيرة في الولايات المتحدة، لن تشكل مجرد حدث ضمن سلسلة تتوالى. فالقتل غير المبرر للمواطنَين من اصل افريقي، فيلاندو كاستيلو والتون ستيرلنغ، في ولايتي لويزيانا ومينيسوتا برصاص بوليسي، أعقبه هذه المرة مقتل 5 من الشرطة على يد قناص في دالاس. ووفقا للرواية الرسمية هو هو شاب من اصول افريقية في الـ25 من عمره يدعى ميكا جونسون، سبق أن كان جنديا ضمن القوات الامريكية المتبقية منذ اجتياح واحتلال وتدمير الولايات المتحدة لدولة افغانستان.. ولم يتضح بعد تأثير هذه الحقيقة من سيرة جونسون على العملية التي قام بها.
ويبرز في الخطاب السياسي والاعلامي الراهن استخدام مصطلحات وعبارات مشحونة مثل "الانقسام العرقي" و "الأمة المنقسمة" و "ثمن الاستعباد" و "خطيئة اميركا الكبرى"، ما يشير الى استحالة تحويل الحدث الى مجرد "شغب" أو "ارهاب" وما شابه ضمن عمليات الغسيل الكلامي المعهودة، إذ بات يصعب حتى على عتاة المحافظين والرجعيين تجاهل سياق سياسي معقد من القمع التاريخي والعنصرية المتأصلة ضد الامريكان من أصول افريقية، أديا الى مثل هذه النتائج.
لقد جاء كل هذا وسط تحرك احتجاجي واسع وحقيقي شمل مظاهرات وُصفت بالقوية والحازمة بعدة مدن أميركية طالبت بإنهاء العنف ضد ذوي الأصول الأفريقية . وشملت المظاهرات واشنطن ونيويورك وأتلانتا وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو وفينيكس. شعارات الاحتجاج وابرزها "حياة السود غالية" و "لا سلام بلا عدل"، جسدت عمق الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة والتي نجح الساسة من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في اخفائها عن الأعين والشاشات حتى الآن. ولكن الساحة الأمريكية أيضًا، وليس العربية وحدها، تتأثرت بمساحة التواصل الاجتماعي والاعلام غير الرسمي، ما حجّم دور الاعلام الثري والطاغي في بلورة صورة الأمور وبالتالي الوعي لدى شرائح هامة!
وأمام أصوات عنصرية حمّلت المحتجين على القتل البوليسي لمواطنين من اصول افريقية مسؤولية حادث دالاس، وقفت حركة "حياة السود مهمة" لتؤكد انها "تكافح من اجل الكرامة والعدالة والحرية وليس من اجل القتل". وهو طرح يشير الى أن القضية وتفاعلاتها لن تقتصر على جرائم القتل قيد البحث، بل مختلف القضايا المشتقة من قيم "الكرامة والعدالة والحرية". ففي نهاية المطاف هذه هي القيم التي حرّكت وتحرّك احتجاجات متباينة، وصلت احيانا لدرجة الثورات، في العصر الحديث.
