خريطة مشروع قناة السويس الجديدة
أحيا الشعب المصري، والاحرار الشرفاء في الامة العربية، قبل ايام وفي الثالث والعشرين من تموز يوليو الذكرى الثالثة والستين للثورة الأم في الوطن العربي. وتمثل ذلك في الندوات والمهرجانات التي اقيمت في اكثر من بلد، وكذلك في زيارة ضريح الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، مفجّر تلك الثورة وقائدها.
وقد آثرت ان يكون مقالي في الاسبوع الماضي عن الاتفاق التاريخي بين ايران والغرب، لما له من دلالة على مجمل اوضاع المنطقة في المرحلة القادمة. وها انا اعود اليوم لأكتب عن تلك الثورة مستعرضا جانبا من جوانبها المضيئة، وتحديدا عن المعارك التي دارت حول قناة السويس، حتى استعادت مصر كامل سيادتها عليها في السادس والعشرين من يوليو عام 1956، حين انطلق صوت عبد الناصر الهادر، ومن خلال اذاعات "القاهرة" و"صوت العرب" معلنا في خطابه التاريخي آنذاك تأميم قناة السويس. والذي دفعني اليوم للكتابة عن القناة هو قيام مصر عبد الفتاح السيسي بحفر قناة السويس الجديدة، والتي سيتم افتتاحها رسميا بعد ايام، وتحديدا في السادس من شهر اغسطس/ آب. فهذا المشروع القومي العملاق هو انجاز كبير للعبقرية المصرية، ولخطط التنمية الطموحة التي اعتمدها النظام الجديد في مصر بعد ثورة 30 يونيو. فالقناة الجديدة ستوفر وبشكل فوري خمسين الف فرصة عمل. كما انها ستمكن كل السفن العملاقة من عبور قناة السويس، حيث سيتضاعف دخل القناة في السنوات القادمة من خمسة مليارات دولار الى عشرة مليارات. اضافة الى بناء المدن الجديدة، والمناطق السياحية والتجارية ما بين الاسماعيلية والسويس. والشيء البارز في هذه القناة الجديدة انه تم انجازها خلال عام واحد، وبايدي العمال والمهندسين والفنيين المصريين، وبرأسمال مصري. فهي انجاز مصري مائة في المائة. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان مصر حين تملك ارادتها وقرارها المستقل فانها قادرة على صنع الكثير وتحقيق المعجزات. وهذا اهم ما يقوم به نظام الرئيس السيسي، الذي حرّر مصر من ذلك الكابوس، الذي جثم على صدرها لعام كامل، بعد ان اختطف الاخوان ثورة 25 يناير وظنوا ان دولة الخلافة العثمانية الجديدة اصبحت قائمة. وهذا سر عداء اردوغان وحكومته لمصر وثورتها ورئيسها، وتشبّثه بالمعزول محمد مرسي. وستكشف لنا الايام في المستقبل عظمة ثورة يونيو، التي تعتبر الى حد ما امتدادا لثورة 23 يوليو الأم. ووجه الشبه كبير لكنه بحاجة لبعض الوقت، حتى يدرك الجميع حقيقة ما اقول. على اية حال فان مصر المتجددة تؤكد مرة اخرى انها قادرة على الانجاز والاعجاز، وقادرة على النهوض من الكبوات التي وقعت فيها طوال سنوات الردة بعد رحيل عبد الناصر.
وقناة السويس الجديدة هي واحدة من ساحات التحدي الكبرى التي انتصرت فيها مصر، كما في معارك القناة السابقة. فالكل يعلم ان مصر في زمن الخديوي اسماعيل، حين حفرت قناة السويس الاولى، فان ذلك استغرق عشر سنوات، واشرف على عملية الحفر المهندس الفرنسي ديلسبس، وقضى حوالي 120 الف مصري في عملية الحفر. وهو رقم كبير جدا بالنسبة لعدد سكان مصر وقتها. والشيء المحزن ان عائدات القناة وقتها كانت تذهب للشركة البريطانية الفرنسية، وكانت حصة مصر لا تتجاوز خمسة في المئة. وكان هذا ظلما فادحا وامتهانا للكرامة المصرية. وبعد قيام ثورة 23 يوليو راح قادة الثورة الاحرار يفكرون في قناة السويس، التي تذهب عائداتها للشركة العالمية الانجلو- فرنسية. وحين فكر قادة الثورة في بناء السد العالي في اسوان، طلبوا مساعدة البنك الدولي الذي تهيمن عليه امريكا، من اجل اخذ قرض لهذا المشروع الهندسي العملاق، للاستفادة من مياه النيل حتى لا تذهب هدرا في البحر. وبعد تلكؤ صندوق النقد الدولي ورفضه في النهاية تمويل المشروع، لانهم لا يريدون لمصر ان تكون قوية تقيم المشاريع العملاقة على ارضها.
وكان لا بد لجمال عبد الناصر ان يقوم باجراء مناسب ردا على غطرسة الدول الغربية الاستعمارية. وكان لا بد له ان يفعل اكثر مما فعل حين رد عليهم من اجل اقامة جيش وطني قوي، بعقد صفقة السلاح الشهيرة مع الاتحاد السوفييتي في خريف 1955، فيما عرف بـ"الصفقة التشيكية". وردا من عبد الناصر لاعادة الاعتبار للكرامة المصرية، وسعيا منه لاسترداد حقوق الشعب المصري في قناة السويس، كان لا بد من اللجوء الى اخطر قرار ثوري وهو تأميم شركة قناة السويس واستعادتها لمصر، من اجل تمويل مشروع السد العالي بعائدات القناة التي كانت تذهب الى جيوب الانجليز والفرنسيين. وكان القرار التاريخي. وفي الخطاب الشهير، الذي اعلن فيه تأميم القناة، مساء 26/7/1956، وفي بث مباشر على موجات الاذاعة العاملة. وفي تلك اللحظة كان رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، والوصيّ على عرش العراق عبد الاله، يتناولان طعام العشاء على مائدة رئيس الوزراء البريطاني انطوني ايدن في لندن. وفجأة دخل القاعة مستشار ايدن وناوله ورقة، جاء فيها ان الرئيس ناصر فعلها وأمّم القناة. وتوقف الجميع عن الطعام، لان خطوة الرئيس ناصر افقدتهم الصواب، وراحوا يتوعدون هذا الزعيم العربي، وقرروا التخلص منه. وراحوا يستعدون للحرب على مصر مع فرنسا واسرائيل، فجاء عدوانهم بعد عدة اشهر، وتحديدا في التاسع والعشرين من اكتوبر/تشرين الاول عام 1956، فيما عرف بـ"العدوان الثلاثي". وصمدت مصر أمام العدوان، وخاضت بور سعيد معارك الشوارع من بيت لبيت ومن شارع لشارع. وقاومت الغزاة، حتى جاء بعد اسبوع من الحرب الانذار السوفييتي الشهير، بضرب لندن وباريس بالصواريخ الباليستية، ان لم توقف الحرب خلال اثنتي عشرة ساعة. وتوقف العدوان بالفعل، وكان انتصارا سياسيا كاسحا لجمال عبد الناصر، ادخله مصافّ التاريخ، وجعل من ثورة 23 يوليو محطّ انظار حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. ومن تلك المعركة استلهم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، والثوار معه جيفارا ورفاقه، من صمود مصر ليقوموا بتلك الثورة التي انتصرت في عام 1959 في كوبا، والتي اكتمل انتصارها قبل عدة اسابيع، حين اعادت واشنطن العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، بعد حصار فاشل دام اكثر من نصف قرن.
إن ثورة 23 يوليو، ومن خلال معاركها حول قناة السويس، حققت انتصارات ذلك الزمن الجميل. وستبقى هذه الثورة الرائدة محطّ انظار الثوريين في مصر وفي العالم العربي، وعلى مستوى العالم اجمع، ليستلهموا منها. فمبادئها في الحرية والعدالة والكرامة الوطنية لا زالت محور الصراع في مصر وفي كل بلد عربي. واذا كانت هذه الثورة قد ضُربت، وانحرف حكام مصر عن نهجها بعد رحيل قائدها، الا ان قائدها كان ولا زال في مماته كما كان في حياته عرضة لهجمة شرسة من قبل اعداء الامة، وفي المقدمة منهم الرجعية العميلة، وتلك المتسربلة برداء الدين. وحتما ستستعيد مصر عافيتها لتأخذ دورها المنتظر، وتبقى في كل الحالات والظروف مصر الثورة، مصر الحرة، مصر عبد الناصر، وسعد زغلول واحمد عرابي. وانا اكثر المستبشرين خيرا بمصر القادمة، التي تتجدد الآن بقوة وعزيمة..!!
