عندما انفجرت مظاهر الاحتجاج في ايران على نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية اكدنا ان القوى الامبريالية والعدوانية الاسرائيلية آخر من يهمها مصلحة الشعب الايراني الحقيقية وحذرنا من مغبة ان تركب هذه القوى موجة الاضطرابات وتذرف دموع التماسيح على هتك النظام الايراني بعرض الحرية الدمقراطية للجماهير وقوى المعارضة بهدف تحقيق ابتزازات سياسية لعزل النظام الايراني دوليا وضرب نفوذه في المنطقة وتهيئة المناخ لتوجيه ضربة عسكرية تدمر المنشآت النووية الايرانية. وطابع التطور والصراع في المنطقة يؤكد صحة تقيمنا. فمسار التطور يعكس نشاطين متوازيين ولكنهما متداخلين عضويا من حيث الملول السياسي. النشاط الاول استغلال الاضطرابات في ايران لتأكيد ان النظام الايراني ليس فقط مجرما بحق الحرية الدمقراطية للشعب الايراني، بل يؤلف كذلك والى جانب ذلك خطرا كبيرا يهدد بمشروعه النووي شعوب وبلدان المنطقة والسلام الاقليمي والعالمي. وبناء على هذا الادعاء الامبريالي يجري تصوير ايران بانها الخطر الاساسي في المنطقة الذي يستدعي بذل الجهود الاقليمية والدولية لمواجهة وكبح جماحه وشرعنة مختلف الخيارات وبضمنها الخيار العسكري لمواجهة هذا الخطر.
واوباما الذي اكد على نهج الحوار والخيار التفاوضي السياسي للمشاكل الدولية، فانه على ضوء الازمة في ايران بدأت ادارته بتغيير اللهجة والعودة الى لغة التهديد المبطن والمفضوح بالقوة العسكرية العدوانية. فحسب ما اوردته صحيفة "يديعوت احرونوت" يوم الاثنين 6/7/2009 ان نائب الرئيس الامريكي جو بايدين في مقابلة مع محطة "أي.بي.سي" اجاب على سؤال وجه اليه "انه اذا قررت اسرائيل مهاجمة المنشآت النووية الايرانية فما هو موقف الادارة الامريكية"، اجاب " واشنطن لن تقف في طريق اسرائيل اذا قررت ضرب المنشآت النووية الايرانية، فهذا حقها السيادي، ولا مفر امامنا الا الموافقة، فهي دولة سيادية تستطيع ان تقرر ما هي مصلحتها في القضية الايرانية وغيرها. وكشفت الصحيفة ان الرئيس الامريكي اوباما قد ارسل رئيس المخابرات الامريكية (السي.أي. ايه) ليون فانته الى اسرائيل حتى يطلب من حكومة نتنياهو عدم مفاجآة واشنطن بهجوم على ايران. اما رئيس القوات الامريكية المختلطة للجيش الامريكي الادميرال مايكل مالين فقد صرح المصدر ذاته" ان بلاده "قلقة جدا من امكانية قيام اسرائيل بهجوم عسكري على ايران، هجوم كهذا سينسف قواعد الاستقرار في المنطقة"!!
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل السماح للغواصة الحربية الاسرائيلية "دولفين" التي تحمل رؤوسا لصواريخ ارض- جو بعبور قناة السويس المصرية من البحر الاحمر الى البحر الابيض المتوسط تدخل في اطار خطة استراتيجية امبريالية- اسرائيلية وبتواطؤ عرب الدواجن لمغامرة عسكرية ضد ايران؟ وهل تصريح نائب الرئيس بايدين يدخل في اطار اشعال الضوء الاخضر الامريكي لاسرائيل بمهاجمة ايران؟ لا نستبعد على ارباب العدوان القيام بمغامرة عسكرية قد تشعل المنطقة برمتها نارا نحذر من مغبتها الكارثية. ولكننا لا نسقط من الحساب تقييمنا ان التصعيد الامبريالي- الاسرائيلي الاعلامي والتلويح بخيار عدوان عسكري على ايران جاء في وقت تبذل فيه الجهود الامريكية لبلورة سلام اقليمي امريكي بشكل تحالف تطبيعي بين اسرائيل والانظمة العربية "المعتدلة" وقبل انجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية. استغلال التحريض على الخطر الايراني كوسيلة لدفع عجلة التطبيع الاسرائيلي- العربي تحت المظلة الاستراتيجية الامريكية بحجة مواجهة ايران وطمس حقيقة ان الخطر الاكبر والاساسي الذي يواجه شعوب وبلدان المنطقة هو التحالف الاستراتيجي العدواني الامبريالي- الاسرائيلي وبطواطؤ الانظمة العربية المدجنة امريكيا. فحقيقة هي ان ما يستدعي القلق هو "الضوء الاحمر" لقوى العدوان التي تحاول اجهاض حق الشعوب بالتطور الطبيعي الخلاق وتأطيرها في اعلان استراتيجية معادية للمصالح الحقيقية لهذه الشعوب وبلدانها.
