أربعون سنة من تاريخ جبهة عرابة 1968-2008 : دروس وعبر

single

هدأت العاصفة ونفضت الجبهة عن كاهلها غبار المعركة وعادت تمارس حياتها الروتينية الطبيعية، وانطلقت لتعزيز مواقعها بين الأهالي في الأحياء والعائلات وإعادة اللحمة مع الجبهة لرأب الصدع، وطمر بعض البؤر الناجمة عن معركة الانتخابات. فبادر سكرتير الجبهة الأخ شاكر سعدي إلى تنظيم فعاليات
سياسية وندوات أدبية وثقافية من شأنها تخفيف حدة الشرخ. ونجحت الشبيبة الشيوعية في تنظيم مخيمات عمل تطوعية- عدا مخيمات الأطفال التقليدية السنوية لتساهم بدورها في إعادة الحياة العرابية إلى طبيعتها التي تميزت بالحب والوئام والسلام.
ثمرة النضال إنجاز تاريخي
استمرارا لإيفاء ذلك الوعد الذي قطعته على نفسها في أجندتها السياسية بعدم الكف أو التوقف عن المطالبة بتحرير أرض المل من الصبغة العسكرية وإرجاعها لأصحابها الشرعيين الحقيقيين وحتى لا يذهب الدم الذي أريق هدرا، تابعت الجبهة جنبا إلى جنب مع إدارة المجلس المحلي ووضعت نصب عينها رفع هذا المطلب العادل وبشكل دائم ومتواصل أمام السلطات والدوائر والمؤسسات الحكومية المسئولة.
فطرقت الإدارة في المجلس المحلي أبواب الوزارات وهي تهدد بصنع يوم أرض جديد على غرار يوم الأرض1976.  واصلت نشاطها بلا هوادة أو كلل حتى تتوّج باقتناع وزارة الدفاع رفع الصبغة العسكرية عن منطقة المل. منطقة-9- في حزيران من سنة 1986 في أعقاب زيارة قام بها وزير الدفاع آنذاك عازر فايتسمن لمنطقة  -9- شاهد عن كثب زيف ادعاء السلطات العسكرية التي ادعت زورا وبهتانا أنها أرض وعرية صخرية يبابا وعجفاء. استغرب الوزير واستهجن ذلك الزيف الكاذب عندما شاهد بأم عينه واحة خضراء من أشجار الزيتون الشامخة. بهذا فقد حققت الجبهة إنجازا هاما وتاريخيا بإعادة الأرض المسلوبة بقانون الطوارئ إلى أصحابها الشرعيين فعمت الفرحة الأهالي والمزارعين، وغمرت الغبطة إدارة المجلس بهذا النصر الكبير.

 

المستجدات على الساحة الانتخابية


هبت رياح المعركة للمجلس السابع1989-1993. وكانت منذ البداية عاصفة عاتية وفي غمرة المعركة الإنتخابية قطفت يد المنون واختطفت زهرة يانعة في غير أوانها ابن عرابة البار الوفي لمبادئه، والمخلص لتلاميذه والأمين لجبهته سكرتير جبهة عرابة الدمقراطية- الأستاذ المربي شاكر سعدي في 19/5/1989 إثر مرض عضال لم يمهله طويلا فكان الخطب جلل ووقع كالصاعقة على رفاقه ومحبيه فذكراه خالدة في قلوب الجبهويين.
اشتدت تلك العاصفة حتى طال صرير رياحها التحالف فأحدث شرخا وشقوقا وتصدعات عندما تردّت وساءت العلاقة ما بين نائبي رئيس المجلس المحلي الرفيق فضل نعامنة والأخ عبد الرؤوف كناعنة، أدت إلى إصدار الأخيرمنشورا ندد بالرفيق فضل نعامنة وحشاه قذفا وتجريحا. فأثارت تلك الخطوة غير المسبوقة والغريبة على نهج وسلوك الأخ عبد الرؤوف كناعنة حفيظة الجبهويين فأجّجت فيهم مشاعر الاستياء العارم ولاقت الشجب الصارخ.
ارتأت الجبهة الدمقراطية مع اقتراب موعد الانتخابات أن تعزز قوتها وأن توسع ساحتها وقاعدتها. نزولا عند رغبة العديد من الجبهويين الذين وصموا القيادة الجبهوية المحلية بالتقاعس واللا مبالاة في اختراق تلك القطيعة المزمنة مع حي العاصلة، الذي تميز دائما بمناهضة الجبهة في المعارك الانتخابية. اللهم الا النزر اليسير. فراحت تبحث جادة لكسر ذلك الطوق. ولتحقيق تلك الغاية، وبعد جهد جهيد وجدت ضالتها في الأخ عمر مبدا علي عاصله الذي أبدى استعداده للانخراط في صفوف الجبهة ولترسيخ جذور هذه الخطوة وافقت الجبهة على ادراج اسم الأخ عمر في قائمة المرشحين لعضوية الجبهة في مكان مضمون في المكان الثالث. ففي جلسة احتفالية بالحدث قرأ الحضور الفاتحة تكريما وتبجيلا للشراكة. أوفت الجبهة وبرّت بوعدها فأدرج اسم الأخ عمر عاصله في المكان الثالث. جاءت وحلت المفاجأة أن انفض من حوله ذلك الجمع من المؤيدين بعد ضمان الترشيح. وتركوه يسبح وحيدا في ذلك البحر الهائج، فأخفقت الجبهة في مهمتها، محت عنها تهمة التقاعس.
ففي خضم  المعركة ومع اقتراب موعد الانتخابات فاجأ الأخ الأستاذ محمود نعامنه جمهوره وأعلن أمام الملأ عن احجامه عن المنافسة واعتزاله المعترك الانتخابي تاركا الساحة وحلبة التنافس لحليفه الأخ أحمد جربوني نصار.
على ضوء هذه المستجدات والتداعيات، التأمت سكرتارية جبهة عرابة كعادتها وعادت وبحثت موضوع مرشح الرئاسة للمعركة القادمة للمجلس السابع، وبشكل ديموقراطي ونزيه أجمعت السكرتارية على اعادة ترشيح الأخ محمد عبري نصار للمرة الثالثة على التوالي لرئاسة المجلس المحلي.
خطأ فادح وغلطة قاتلة ومميتة
أثار اعلان الأخ الاستاذ محمود نعامنه اعتزاله المعترك وانسحابه من حلبة التنافس الغبطة والسرور عند بعض الجبهويين، لكونه منافسا قويا يحظى بتأييد واسع في أوساط عديدة في القرية تجلى ذلك بنتائج الانتخابات في جولتين سابقتين وكان الفارق في الجولة الاولى على رئاسة المجلس 260 صوتا وفي الثانية 125 صوتا. فتوهموا أن المعركة أضحت سهلة وأن الفوز بات لقمة سائغة وفي متناول اليد، أثـّر هذا الوهم على سير معركة الانتخابات وعلى مجراها فساد الترهّل وطغى التقاعس وسيطر الاستخفاف بالمنافس. هناك من تراءت لهم المعركة في حلة أخرى. واختلفت تصوراتهم عن الآخرين فرأوا أن المعركة صعبة كسابقاتها لا بل أشد وطأة وخطورة. لما أصاب التحالف من تصدع هذا أولا، وثانيا كون المرشح المنافس ابن حي نصار ياسين وما ينطوي عليه من تعاطف واجتذاب عائلي.
استعرضت السكرتارية التطورات الجديدة والمستجدات على الساحة الانتخابية فاستجابت لطلب الحليف بعقد جلسة بين الفرقاء لرأب الصدع، حضر الجلسة وفد من 5 أعضاء من السكرتارية ومندوب عن قائمة الحليف هو الاخ أحمد عبد اللطيف كناعنه.
تدارس الفريقان الوضع ومن جميع جوانبه وما تخفيه المعركة في ثناياها من أخطار ومفاجآت وبناء على هذا التصور اقترح الأخ أحمد عبد اللطيف كناعنه أن تعتبر الجبهة ما صدر عن الأخ عبد الرؤوف هفوة وكبوة جواد. واقترح عودة عبد الرؤوف الى حضن التحالف لما فيه من مصلحة لصالح مرشح الجبهة.
 ساد الجلسة جو من التوتر وجدل متشعب صاخب. انتهت الجلسة وأقفلت بأكثرية 3 أعضاء لا للتحالف مقابل 2 نعم للتحالف لم يُخْفِ أحدهم تعنته عندما قال أفضل السقوط بدون عبد الرؤوف على النجاح معه.
كنّا الاخ ياسين ياسين وكاتب هذه السطور برأي مغاير مع عودة التحالف. وضرورة رأب الصدع، ومع توسل الأخ أحمد عبد اللطيف كناعنه مندوب الحليف بفتح صفحة جديدة في التعاون، والتنسيق لكسب المعركة.
حملنا رأينا نحن الاثنان ونقلناه الى الأخ محمد عبري نصار في جلسة خاصة وأطلعناه على خطورة ما تبيته لنا الأيام والمعركة وحذرناه من مغبّة الوقوع في الشرك، ومن المؤسف لم يجد رأينا عنده أذنا صاغية فرفض وبشكل قاطع وكان رأيه يتجانس مع رأي الأكثرية الساحقة من الجبهويين. أمام هذا الاصرار من التعنت وذلك الاخفاق المهين في رأب الصدع شعر الأخ عبد الرؤوف كناعنه بالمس به والنيل من كرامته فأوغر صدره على الجبهة فقرر نكاية بها خوض معركة الانتخابات في قائمة مستقلة للعضوية فقط. وهو يعلن جهارة وبصراحة وبلا مواربة تأييده للمرشح المنافس الأخ أحمد جربوني.
ففي شهر تشرين ثاني من سنة 1989 جرت الانتخابات وكان وزير الداخلية قد رفع عدد أعضاء المجلس المحلي من 9 أعضاء الى 11 عضوا.
انتهت معركة الانتخابات وأسفرت النتائج عن فوز الأخ أحمد صالح جربوني نصار برئاسة المجلس المحلي بفارق 680 صوتا. فبكى من بكى، وندب من ندب، واصفرت الوجوه ونجح الأخ عبد الرؤوف كناعنه بعضوية للمجلس فابتسم ابتسامة عريضة فيها شيء من التشفي.
أما في العضوية فقد حققت الجبهة نجاحا باهرا، فازت بـ 5 مقاعد من أصل 11 مقعد. الرفيق فضل نعامنه والأخ خالد موسى بدارنه، والأخ عمر مبدا علي عاصله والأخ ياسين ياسين والأخ غالب خوري. كانت غلطة قاتلة ومميتة.


يتبع...

قد يهمّكم أيضا..
featured

اذا ما توحد الفقراء الغلابى المقهورون لا تستطيع اية قوة بطش الصمود امام ثورتهم

featured

الردع والحماية والتثقيف معا!

featured

لمواجهة عقلية التهجير!

featured

عنزة ولو طارت

featured

ألحكــم العسكـــري...

featured

جديدة والمكر وطنطور

featured

القرحة الهضمية Peptic Ulcer (1-2)

featured

نضال بدارنة وفيلمه "30 آذار" في الجزائر ولبنان ومصر