عن سياسة التجريم، وتجريم السياسة

single

في معرض تقييمنا لفترة عمل المستشار القضائي الأسبق للحكومة، ميني مزوز، قلنا إن مزوز جَرَّم القيادات العربية الوطنية في الوقت الذي امتنع فيه عن الملاحقة القضائية المستحقة ضد أفراد الشرطة المتورطين باغتيال الشباب العرب في هبة القدس والأقصى، رغم توصيات لجنة أور الواضحة في الموضوع. وللحقيقة، فان السمة البارزة والخطيرة في عمل النيابة العامة في السنوات الأخيرة هي محاولاتها المستمرة تجريم العمل السياسي بين الأقلية العربية الفلسطينية في البلاد، ليس ضد الأفراد والناشطين السياسيين فحسب، بل أيضًا ضد القيادات الوطنية الفاعلة. ومن منا لا يرى بوضوح الخيط الناظم بين محاكمة الشيخ رائد صلاح، والنائب سعيد نفاع، والنائب محمد بركة الذي مثل أول أمس أمام المحكمة التل أبيبية الإسرائيلية في محاولة أخرى للنيابة العامة تجريم العمل السياسي والاحتجاج الجماهيري – هذه المرة ضد قيادي في طليعة القوة السياسية الأكبر والأعرق.


سياسة تجريم العمل السياسي هي الآن ظاهرة تفتك بصميم المفاهيم الديمقراطية المتعارف عليها دوليًا حول حرية العمل السياسي والنضال الجماهيري، وخاصة لدى الأقلية المضطهدة، بأفرادها وقيادتها. وقد يكون أخطر ما في هذه الظاهرة اليوم أنها تنحدر ليس فقط إلى تجريم العمل السياسي، بل إلى تجريم الحقوق السياسية والمدنية أيضًا.
فكيف يمكن أن نفهم أن يتحول دور النائب بركة في قيادة الاحتجاج الجماهيري كقائد سياسي منتخب، إلى تهمة بالقيام بمخالفات قانونية "جنائية"؟ هذا في الوقت الذي تدخل الأعمال المنسوبة إليه في دائرة حرية العمل السياسي وحرية التعبير السياسي، ليس فقط كعضو برلمان بل أيضًا كمواطن يجب أن تحميه المفاهيم الديمقراطية إن حضرت هذه في النظام. ومن هذا الباب، فان تقديم لوائح الاتهام ضد القيادات العربية يجب أن يُفهم من قبيل محاولات الأجهزة القضائية في البلاد إقصاء الناشط السياسي والقائد السياسي كمدخل لإقصاء العمل السياسي وإقصاء الحريات السياسية والمدنية لدى مجموعة الأقلية. وهنا تكمن خطورة هذا التطور في  عمل الأجهزة القضائية الإسرائيلية، والذي يتمثل في الانجرار المتواصل وراء المناخ السياسي اليميني الموغل في التطرف، بدل أن تشكل الرادع أمام تدهور معايير النظام وتآكل الحقوق والحريات فيه.
ولا يمكن هنا إلا أن نرى الرابط بين محاولات تجريم السياسيين في هذا السياق وبين المداولات المستمرة، بدعم حكومي وقضائي، حول "قانون النكبة" بصيغه المختلفة والتي تهدف بالأساس إلى تجريم التفاعل الجماهيري مع الذاكرة الفلسطينية وتجريم القيادات الجماهيرية التي تقود هذا التفاعل.
إنه تجريمٌ للحزن والذاكرة، كما هو تجريم الآن للعمل السياسي والنضال الجماهيري. من هنا، فإن السعي إلى تجريم القيادات العربية يندرج ضمن المحاولات الخطيرة لتغيير قواعد اللعبة في علاقة الجهاز القضائي للدولة بالقيادات والمؤسسات العربية، بالتوازي مع محاولات شبيهة على المستوى السياسي أيضًا.
قد تتسع أروقة المحاكم لمحاكمة القيادات العربية، وإن ضاقت قاعات المحاكم أمام حشود المتضامنين، لكنها حتمًا لن تتسع، مهما اتسعت، لمحاكمة الجماهير الصامدة في ديارها صمود زيتون البلاد، والمتفائلة بتفاؤل أصحاب الحق (وأصحاب الزيتون).

قد يهمّكم أيضا..
featured

الضحك المُقاوِّم

featured

أحلام السّراب..

featured

عدم اعلان الدولة الفلسطينية انتهاك لقرارات الامم المتحدة

featured

الساعة تتوقف في نابلس

featured

نعي الثقافة والسياسة في العالم العربي: ويكيليكس آل سعود (1-2)

featured

الشيوعية تضمن بقاء البسمة على الشفاه

featured

قصة من أدنبرة

featured

دنيانا ليست لنا.. بل لهم