حزب "الميم والعين" الجديد جدا

single

    خضتُ الانتخابات لرئاسة السلطة المحليّة في بلدتي مرتين في عاميّ 1978 و 1983 ولم يلعب فيها المال يومئذ دورا ما، فلم تكن ظاهرة شراء الذّمم والأصوات بالشواقل والدّولارات معروفة ومتعارفا عليها كما اليوم، ولم يتّصل بي مواطن يطلب منّي وظيفة ما في حال فوزي بالرّئاسة، على الرّغم من أنّني كنتُ منافسا قويّا، وليس المهمّ نوع الوظيفة، ولم يشترط ناخب أن أعبّد بضعة أمتار أمام منزله، ولم أهدِ خروفا أو جديا لأحد الناخبين، ولم أدفع فاتورة كهرباء أو فاتورة ماء عن مواطن، ولم أشترِ لأحدهم أثاثا، ولم أعد أحدا من النّاس بشيء خاصّ، ولم أحوّل البحر الأبيض المتوسط إلى مقاثي بطيخ وبيّارات برتقال ويوسف أفندي وكروم عنب وتفاحّ، وأظنّ أنّ منافسي في المرّتين لم يستعمل ذلك أيضا فلم يكن هذا الدّاء أو هذا الوسخ قد دخل حياتنا السّياسيّة والاجتماعيّة وعشّش فيها. خضتُ الانتخابات في تلك السّنوات ببرنامج عمل سياسيّ وطنيّ شعاره: خدمات وكرامة وطنيّة، وحاربتُ ورفاقي على جبهتين أولاهما العصبيّة العائليّة المنغرسة في حارات البلدة وأحيائها وثانيهما الأجهزة التي رأت في وصولي إلى رئاسة السّلطة المحليّة خطورة فعملت بكل قوّتها ونفوذها وإغراءاتها لإفشالي، وعلى الرّغم من مرارة الفشل، قبلتُ قرار النّاخب الّذي تجاهل النّواحي السياسيّة والوطنيّة والعلميّة والثقافيّة وغيرها، وخدمتُ بلدتي في المعارضة لسنوات عديدة.
أسقطت الانتخابات الأخيرة للسّلطات المحليّة العربيّة في إسرائيل في أكتوبر 2013 القناع عن وجه مجتمعنا وظهرنا على حقيقتنا، فقد تراجعت الأحزاب السياسيّة الوطنيّة، والأحزاب الدينيّة ، واستفحل التيّار العائليّ والقبليّ وبرزت المصالح الشخصيّة التي طغت على المصلحة العامّة فلا حديث في معظم المدن والقرى عن بناء مركز ثقافيّ أو مسرح وطنيّ أو إنشاء منطقة صناعيّة أو محاربة الفقر، ولا حديث عن التميّيز العنصريّ والاضطهاد القوميّ، ولا حديث عن المساواة بين مواطني الدّولة ولا حديث عن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلة وعاصمتها القدس على الرغم من تأثير الوضع السياسيّ والاستيطان على ميزانيّات السّلطات المحليّة وعلى حياة المواطن.
العائلة هي التي تقرّر وهي التي تقود ومصلحة العائلة فوق الجميع وهي مصلحة فيها أنانيّة قد تصل إلى الغباء وبخاصّة إذا انطلقت من الحقد ومن المناكفة بين العائلات في البلدة الواحدة.
تنافس حملة شهادات جامعيّة عالية، ومتعلّمون ولا أقول مثقّفين في انتخابات تمهيديّة في عائلاتهم وأصبح مصطلح "برايمرز العائلة" شائعا بين النّاس وصار مطبخ العائلة ووجهاؤها يقررون مصير البلدة.
أخالف الرأي ذلك المثقف الذي صرح بأنّ ما قرّر نتائج الانتخابات الأخيرة هما "دالان". الدّال الأولى هي الدّين والدّال الثانية هي الدّم أي العائلة وأرى أنّ المال والعائلة هما من قرّرا نتائج الانتخابات لسلطاتنا المحليّة فالمال والعائلة سارا معا. مال وعائلة. هذا حزب الميم والعين الجديد جدا في حياتنا. هل هو حزب "ابن عيشة" أم هو غمامة صيف زائلة؟ وهل سيتحرك الجيل الجديد لإفشال هذا الحزب، وهل سينجح أبناؤنا وأحفادنا فيما فشلنا نحن به ؟!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

خابت حسابات القيادة الإسرائيلية

featured

هيك مزبطة بدها هيك ختم

featured

مقال مضى على كتابته ستون سنة

featured

التغيير في النفس اولا

featured

حديث الصور والمرايا

featured

نتنياهو يراوغ

featured

كلمة لا بل منها عن القائمة المشتركة الديمقراطية