مقال مضى على كتابته ستون سنة

single

المقال أدناه له قِصّة، ذلك ان صديقي العزيز علي قدح (أبو عزمي) فاجأني قبل مدة بمقال كنت قد كتبته وأنا في الصف الحادي عشر في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة في سنة 1957 ونشر في حينه في مجلة "الأمل"، مجلة كانت مجموعة من طلاب المدرسة قد عملت على إصدارها، تشجيعًا للأقلام الشابة من طلاب المدرسة، وكانت تباع للطلاب بسعر التكلفة. وكما حدّثني الأستاذ أبو عزمي فهو يكثر من تقليب الأوراق القديمة عنده بعد خروجه للتقاعد، حيث كان مديرًا لإحدى المدارس الابتدائية في كفرمندا لسنين طويلة... أطال الله بعمرك يا أبا عزمي وأدامك كاتبًا لهذا الجيل وناشرًا مقالاتك في الجرائد والصحف التي تصدر في آخر الأسبوع وليَدُم لقاؤنا على صفحات هذه الجرائد نُغني جيل الشباب خاصة والقراء عامة من تجاربنا ونفيض عليهم من الثقافة التي اكتسبناها في حياتنا، ونعمل بروح الحديث النبوي الشريف "من علم علمًا وكتمه لجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"، وإلى قراءنا الأعزاء هذا المقال الذي مضى على كتابته ستون سنة و كان تحت عنوان "تعلم كيف تعيش".


*تعلم كيف تعيش


أناس كثيرون يجيئون ويمضون في هذه الحياة، بعضهم ينعم وبعضهم يشقى. ولكن رب سائل يسأل – كيف يمكن أن نعيش ونمضي سنوات العمر؟ ما هي الوسائل التي تضمن لنا حياة طبيعية ناعمة هادئة؟ ان من واجب الإنسان أولًا وآخرًا أن يعمل ويجدّ ويكد حتى يستطيع العيش... ومن في هذه الدنيا وهذه الحياة يستسيغ لقمة إذا لم تكن من نتاجه هو؟ لذلك عليه والحالة هذه أن ينزل إلى ميدان الحياة، وأن يحرث ويزرع في حقل العمل ليحصد ويجني عيشًا سعيدًا. عليه أن يجرب نفسه في هذا المعترك الواسع وأن يضرب سهمه مع غيره من السهام علّه يظفر بنجاح.
لولا العمل لما رغب الإنسان في العيش، فيبقى طول حياته كسولا يعد النجوم فتمقت نفسه وتمل روحه هذه الحياة ويستولي عليه الخمول...
نعم. ان الحياة المريحة مستحبة ولكن للراحة حدودها كما للعمل حدوده... وهل يشعر الإنسان بلذة وسعادة ما دام مستريحًا نائمًا يأكل ويشرب... فلا يشترك مع أبناء عالمه فيما يكابدونه من مشاق ومن فشل ونجاح؟ من مصائب وعثرات، ومن أمل ويأس؟
علينا أن لا ننسى بأن ثمرة العمل هي النجاح ومن يريد أن يكون معززًا مكرمًا فعليه أن يجد ويكد ليكسب قوت نفسه وقوت عائلته فيعيش قانعًا سعيدًا هانئًا ميسورًا.
ولكن على الإنسان أن يريح نفسه من عناء الكد والتعب قليلًا من أجل تجديد نشاطه، لا أن يعمل كآلة أتوماتيكية خالٍ من لذة العيش؛ ولسنا نقصد بالراحة الاضطجاع على القفا فقط؛ ولكن الراحة تأتي من خلال تنويع العمل، وهذا التنويع يجلب التسلية للنفس. والإنسان الذي يستريح طويلًا وبكل ما تحمل الكلمة من معنى لا يشعر بلذة النوم ولا بلذة الراحة، التعب يجعل نومه هادئًا عميقًا وراحته هانئة، لذلك عليه والحالة هذه أن يلتمس أشياء أخرى ينصرف إليها ويتسلّى بها وهي من ضروريات الحياة... من هذه المطالعة والقراءة فأنت ان خصصت وقتًا للقراءة ولو ساعة في النهار فستشعر بأنك عائش ومشترك مع غيرك من الناس وجاعلًا من الكتاب جليسًا وأنيسًا في خِضَمّ تيار الحياة الجارف – فتفهم ما يقال من حولك وما يحدث في عالمك وفي محيطك وتستفيد من آراء الغير وتجاربهم فتزداد فهمًا ورحابة أفق... هذا عدا عن أن المطالعة هي متعة وتسلية بحد ذاتها وهي راحة أيضًا وعامل في إزالة ما يشوش الأفكار ويجلب الكدر للنفس. وأنت ان خصصت وقتًا للمطالعة والقراءة فستكون مع البلغاء والحكماء والسياسيين والأدباء والشعراء، تأخذ منهم فتزيد بذلك معلوماتك وتغنم قوة الرأي والحكمة، فهي كما قال سقراط: "أن أجمل شيء في الحياة هو الحكمة أي المعرفة لأنها الطريق إلى الفضيلة". وهي أساس التعلم، وهذا ما أكده إديسون مخترع المصباح الكهربائي حتى قال: "بالقراءة تعلمت كل شيء".
كما ان هناك بين المطالعة والعمل شيئًا ثالثًا هو التفكير لأن عدم الانشغال بما حولك والتفكير به يؤدي إلى الهلوسة والجنون كما أكد ذلك كونفوشيوس حكيم الصين، والتفكير يكون في الإقدام على الأعمال وعلى وضع الخطط لها ثمّ تنفيذها. والتفكير فيما تقرأ وتسمع وترى، لازم لك كالطعام والشراب لأنه مصدر ومبعث القوة والثقة في نفسك. ففكّر عند نومك بالأشياء التي مرت عليك في النهار وحاسب نفسك الحساب العسير بحيث تكون قاضيها وحاكمها، ومحاسبًا على زلاتها وهفواتها، فالإنسان ابن تجاربه، ومحاسبة النفس من خير ما يهب لك الشعور بالاعتدال والاتزان تجاه الغير، ويكسبك القوة والحزم والثبات أمام مصائب الدهر.
ولكن هل يكفي هذا ويكفل للإنسان حياة هانئة؟ لا... يجب عليه أن يروّض أعضاء جسمه ويكسبها النشاط والقوة دائمًا فيشعر بتيار الشباب لا يفارقه أبدًا. فكم من رجل شاخ قبل أوانه لأنه لم يمارس الألعاب الرياضية فتراه وهو في الخمسين من عمره وكأنه ينوف على الثمانين وكم من رجل في سن الثمانين فتتوهم انه في سن الخمسين لامتلاء جسمه حيوية ونشاطًا، يسير بقوة وثبات، باسطًا أسارير وجهه، والأمل يشرق من جبينه، والسبب في كل ذلك هو ممارسة الألعاب الرياضية. وعندما نفحص الحالتين نجد الأولى بين ظهرانينا والثانية عند الأمم المتحضرة في الغرب. فهم يمارسون الحياة لا يكلّون ولا ييأسون، ويعملون لدنياهم كأنهم يعيشون أبدًا، وهذا عكس ما نراه عندنا الشرقيين، وخلاصة القول فإن اللعب وترويض الجسم هو سر الشباب الدائم.
ان واحدنا إذا أعتمّ بعمامة الكراهية والبغض والأسى في هذه الحياة فإنه يشعر بانقباض في النفس وضيق في دنياه، فيخالها معبسة، فيعيش معها ويبغضها، ولكنه إذا سمع موسيقى هادئة فإنه يشعر بأن حملًا ينزل عن كاهله رويدًا رويدًا إلى أن يزول كله، يجب عليك أن لا تنظر إلى الحياة كمن نظر وقال "نئن ونبكي وهذه هي الحياة ثم تتثاءب ونذهب وهذا هو الموت". كن جميلًا متفائلًا تر الوجود في عينيك جميلا، كما عبر عن ذلك شاعر المهجر إيليا أبو ماضي. أرح نفسك من الوساوس والأوهام وابتسم تبتسم لك الدنيا. لا تجالس من يقول لك أن الدنيا دار شقاء وان الحياة ذميمة، فما أعطينا الحياة لنشقى بل لنحياها على خير ما نستطيع. والحياة خدّاعة لذاعة، فلا نبالغ في التفكير وكد البال فتحترق احتراق الذبالة – بل ردد معي قول شوقي:
خل اهتمامك ناحية
  وخذ الحياة كما هي

 أنظر إليها وكأنها مسرح هزلي، فتسر من هذا وتضحك... أدّ واجبك نحوها واضحك معها. فقد قال أحدهم "خصص وقتًا للضحك فإنه موسيقى النفس"، وقال آخرون "ان الضحك يطيل العمر"، فادخل السرور على نفسك وخل قلبك يضحك ويطرب ويحب الناس أجمعين، فأي إنسان أمضى حياته كآبة وحزنًا ثم عاش طويلًا؟!

قد يهمّكم أيضا..
featured

ادعموا الانتقادات والتحذيرات بالاجراءات !

featured

خطوة في صالح البلدين

featured

هناك ما يستحق الكتابة

featured

واشنطن... وثورات العالم العربي

featured

من الذي يستطيع ان يمنح الاطفال الأمن والاستقرار؟

featured

البعد الشعبي المفتقد

featured

بين المكتوب وبين الموجود

featured

الأنا والأنا الآخر