*لجنة الثلث.. هل هي لجنة للبحث لتحرير الأسرى أم لجنة يقف من خلفها جهاز الأمن "الشاباك" من اجل قهر الأسرى السياسيين؟*
عندما يصدر الحكم على أي معتقل وبعد قضائه الثلثين من مدة محكوميته، يحق له وفق قوانينهم المخادعة ان يمثل أمام لجنة من قُضاة، يطلق عليها باللغة العبرية "فعدات هشحروريم" أو "فعدات شليش" أي لجنة التحرير أو الإفراج أو لجنة الثلث.. ولكن ما يجري داخل أروقة اللجنة يتنافى مع كل هذه التسميات المذكورة أعلاه. ويستغل "الشاباك" لجنة الثلث كأداة مهمة تندرج ضمن قائمة أدواته لخوض حرب نفسية ومعنوية ضد الأسرى السياسيين.
يقف وراء قرارات مثل هذه اللجنة ووراء نهجها العنصري تجاه الأسرى السياسيين الفلسطينيين جهاز "الشاباك" المعروف والمشهور بحقده تجاه العرب.. فكم بالحري تجاه نشطائهم السياسيين؟ ومثلما ينطبق الأمر على المحاكم المركزية والعليا ان "للشاباك" الكلمة الفصل بمدة الحكم التي يجب ان ينالها أي معتقل سياسي.. فإن هذا ينطبق على لجنة الثلث أيضًا. وبهذا صدق المفكر اليساري البروفيسور يشعياهو ليفوفيتش حيث صرح ذات مرة "إنني أخاف ان يأتي ذلك اليوم ويتحكم من خلاله جهاز "الشاباك" بكل مرافق الدولة مما يتناقض بل ينسف كل أسس العدل والديمقراطية". اننا جميعا نطلق على هذه المحاكم أو هذه اللجان المهزلة أو المسرحية لأنها أصبحت مثل سوق الخضار أو مثل سيف مُصلّت على رقاب المناضلين من كافة أرجاء الوطن الفلسطيني. ان مثل هذه المهازل ليست بغريبة عليّ.. فلي تجربة كبيرة معها ومع جلاديها بكافة مناصبهم وأدوارهم.
جاءعتقالي الثاني في شهر كانون الاول 1972 على خلفية انتمائي للشبكة العربية اليهودية اليسارية. وقبل إصدار الحكم ضدي أي أثناء التحقيق معي في الأقبية المظلمة والنتنة في معتقل الجلمة البغيض في مدينة حيفا، وبسبب صلابتي ورفضي بشكل قاطع عرض احد المحققين من الجلادين بأن أتعاون معهم.. حينها هددني بأنه سينتظرني في المحكمة حكم يراوح ما بين 6-8 سنوات بالرغم من انه لا توجد إثباتات قوية في ملفي وملفي لا يشمل أمورًا خطيرة. وهذا ما أكدته لي المحامية فليتسيا لانغر قبل إصدار الحكم مع تأكيدها لي بأن ملفي لا يستحق أكثر من سنة في أسوأ الأحوال ولكنها أضافت قائلة لي: يا محمد يا عزيزي لا تتوقع العدل من قضاة يسيّرهم "الشاباك". بالطبع أحب ان أشير هنا بأنه حكم عليّ في النهاية بست سنوات ولكن بفضل المحامية المناضلة الشيوعية العريقة فليتسيا لانغر أو كما كان يطلق عليها رجال المقاومة من الضفة والقطاع المحتلين "الحاجة فولا"، بفضل دفاعها المستميت والذي أذهل القضاة والنيابة والحضور معًا – لقد خُفِّض من حكمي المفروض بست سنوات – سنتان – أي أصبح أربع سنوات بشكل فعلي وثلاث سنين مع وقف التنفيذ، قضيتها في سجن الرملة وسجن الدامون.
*ابتزاز سافر*
أثناء مكوثي في سجن الدامون وقبل موعد تاريخ الثلث الأخير من حكمي الأربع سنوات، حضر إليّ إلى السجن وبشكل مفاجئ اثنان من خفافيش الليل من عناصر الشاباك من منطقة الخضيرة – المدينة القريبة من بلدنا جت، الأول اسمه المستعار يوسي والثاني اسمه المستعار روبين والذي كان مسؤولا عن منطقة الشعراوية كلها زائد قرى من الأراضي المحتلة سنة 67. هذه الأسماء المستعارة والتي لا تخفى على الرفيق الصلب والمناضل الشيوعي صالح خلف أبو العبد لأنه ذاق طعم التحقيقات من قبلهم ومن بعدهم زملائهم آسي وبيني ، من خفافيش الليل وما زالوا يلاحقونه ويحققون معه ويفتشون بيته حتى يومنا هذا، لقد قدم إليّ هؤلاء الضيوف غير المرغوب فيهم إلى سجن الدامون. لقد كان هدفهم كما صرحوا لي هو جس وضعي السياسي والنفسي والمعنوي وأيضا هل مازلت سائرًا في طريق النضال الذي اخترته أم لا؟ فعندما رددت عليهم بالرد العاصف.. حينها ردوا عليّ بتهديدي ووعيدي بقطع رزقي والتضييق عليّ بعد الإفراج عني وبأنهم سيقفون حائلا أمام لجنة الثلث لكي لا يخفّض لي ثلث المدة الباقية من محكوميتي. فعندما قابلتهم باستهزاء طردوني من الغرفة التي جمعتنا طالبين من الحارس ان يعيدني حالا من حيث انطلقت لهذا الاجتماع المتوتر معهم.
بالفعل مثلث أمام لجنة الثلث في سجن الدامون بدون الاستعانة بمحامٍ لان النتيجة معروفة لي. دخلت إلى قاعة المحكمة برأس مرفوعة منتصب القامة. عندها لمحني القضاة وسرعان ما تغيرت سحنتهم حال دخولي بهذه المعنويات. لقد شاهدت وجوههم السوداء وابتساماتهم الصفراء والتي ملامحها كانت تُعبّر عن العنصرية والحقد. وبعد ان استقر الحال.. وجّه إليّ احد القضاة سؤالا هذا نصه: هل جئت إلى لجنة الثلث لكي نخفض لك ثلث المدة؟ فبسرعة البرق خطر ببالي المثل العربي الفلاحي والذي يقول "من المفضل ان تتغدى بهم قبل ان يتعشوا بك". حينها توجهت اليهم بصوت قوي بقولي لهم: أنا لم احضر أمامكم من اجل ان تُخفضوا لي ثلث المدة، فانا اعرف قراركم مسبقًا ومن يقف خلفه أيضا ولكنني جئت لكي أتفرج على هذه المسرحية والتي يطلق عليها لجنة لتحرير الأسرى أو لجنة الثلث.. حينها فغر الحاكم فاه وبرز فكّاه مثل فكيّ وحش مفترس صارخًا بأعلى صوته "اخرجوا هذا الوقح من هنا". عدت إلى القسم الذي خرجت منه غير مبالٍ لما حدث لأنني لا انتظر من هكذا حاقدين ولا من أسيادهم أي معاملة إنسانية، لأنهم لا يتقنونها مهما حاولوا التستّر من خلفها ومن خلف الادعاءات الكاذبة بأنهم دولة ديمقراطية ودولة عدالة وبهذا ينطبق عليهم المثل العربي "ان شر البلية ما يضحك".
ان لجنة الثلث دورها ومهمتها بحث إمكانية تخفيض ثلث المدة لأي معتقل جنائي أو امني. ففي حالة الجنائي يحصلون غالبا على تسهيلات كبيرة. وكم من الأسرى الأمنيين اليهود من الذين قتلوا عربا بدم بارد حصلوا على تخفيض ثلث المدة، وليس هذا فحسب وإنما حصل البعض منهم على عفو من رئيس الدولة وكانت ظروفهم الحياتية داخل السجن أفضل بكثير من حالة الأسرى الفلسطينيين السياسيين.. لان الأسير "الأمني" وفق مسمياتهم (اننا أسرى سياسيون وأسرى حرية وضحايا العنصرية والاحتلال ولسنا أسرى أمنيين)، فان اللجنة ومن خلفها جهاز الأمن "الشاباك" وسلطات السجون يضعون كل العراقيل ويتذرعون بشتى الحجج ومن أهمها الادعاء بأنه يوجد "ملف سري". هذه هي الاسطوانة المشروخة والتي سرعان ما يوظفونها من اجل عدم منح الأسير السياسي ثلث المدة: الأسير تابع لتنظيم "إرهابي" ويمارس نشاطه في السجن أو يشارك بإرجاع وجبات الطعام أو يُضرب عن الطعام مع بقية الأسرى. فكم من الأسرى غير منظمين ولا يشاركون بأية فعالية احتجاجية أو سياسية أو تنظيمية ظانين هؤلاء الأسرى بان هذا الشلل السياسي والتنظيمي من قبلهم سيعفيهم من سيف العنصرية تجاههم في لجنة الثلث ولكن عندما مثلوا أمام اللجنة جعلوا منهم عناصر أمنية خطيرة جدًا واستعملوا "الملف السري" الكاذب ضدهم.. حينها رجعوا خائبين.. فرغم الاستئنافات المتكررة من طرفهم، الا انهم ووجهوا بآذان صماء وعادوا من اللجنة كما يقال "بخفَّيْ حنين". لم يحصدوا الا الخيبة، ان القضاة في أي موقع قضائي وفي أي أروقة من أروقة المحاكم العسكرية ما هم الا دمى تحركها أصابع "الشاباك" وأقول هذا في خلال تجربتي الغنية معهم. عادة ما يستجيب القضاة في لجنة الثلث بتخفيض مدة الثلث للأسير الفلسطيني، حين يكون متعاونًا أو مرضيا عنه عند سلطات السجون والأجهزة الأمنية أو دخل السجن ليس على خلفية ايديولوجية أو تنظيمية وإنما ظروف الطمع والتجارة بالسلاح وبيعه، هذه الأمور عن طريق الخطأ لعناصر توضّح بعد ذلك بأنه ينتمي لإحدى المنظمات ومنهم من له سوابق جنائية.. سرقات وما شابه.
*العدْل أسلم الطرق*
ان المعاناة والظلم الذي يقاسيه الأسرى الفلسطينيون.. أسرى الحرية وخصوصًا بالتحديد أسرى القدس وأسرى الداخل من حاملي الهوية الإسرائيلية قسرًا.. ما هي الا معاناة مضاعفة عن بقية أسرى الضفة والقطاع وعلى وجه الخصوص من ناحية قضائية فدائمًا يصدرون ضدهم أحكاما شديدة مستغلين "قانون تمير" الإرهابي والعنصري وبالاتهام الباطل من قبل القضاة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية باننا نحن أسرى الداخل والقدس "خونة" وذلك لأننا حملة الهوية الإسرائيلية.
إن السؤال الذي اطرحه هنا، هل نحن صهاينة لكي نُتهم بخيانة الدولة التي شردت شعبنا وسرقت أراضينا في وضح النهار وما زالت تتعامل معنا نحن الباقين على ارض وطننا بنفس السياسة بل بأسوأ من ذلك.. أم نحن عرب فلسطينيون نناضل من اجل حريتنا ومن اجل السلام العادل؟!! أما السؤال الذي أوجهه للقادة الإسرائيليين على المستويين السياسي والأمني، ماذا قدمت لنا دولتكم من حقوق ومن مساواة غير القتل العشوائي في يوم الأرض وانتفاضة سنة 2000 وحتى قبل هذه التواريخ بقتل ستة شبان من الداخل على الحدود.. ماذا قدمت غير القمع والمصادرة والهدم وعبث "الشاباك" وعملائه لتخريب المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل؟!! لم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما طالت سياستكم حضارتنا وتراثنا وتحاول ان تغتصب عقولنا ووجداننا، ابعد كل هذه الممارسات اللاانسانية تتهموننا باننا "خونة للدولة"؟!! بتحملونا جميلة انه متحملينا بينكم وإحنا بهذا الوطن قبلكم!! فنحن لم نأتِ إلى هذا الوطن غزاة، ولم نعتد على احد، وإنما انتم من جلبتم الكوارث علينا نتيجة لظلم تاريخي بحقنا وذلك من خلال دفع ثمن من طرفنا بسبب ما حلّ من أعمال بربرية ومذابح ضدكم في الفترة النازية البغيضة. فمهما تصنعتم العدالة والديمقراطية والسلام فان "الشمس لا تغطى بغربال" وان الظلم لا بد وانه زائل وأساليب التضليل والخداع لا تفيدكم. فالمثل العربي الأصيل يقول "ان حبل الكذب قصير". ان طريق الحرية والسلام واحترام حقوق الإنسان هي اسلم الطرق للوصول إلى عيشة كريمة يحترم فيها الإنسان أخاه الإنسان ويرفرف فوق سمائها علم المساواة والعدالة والحرية والسلام.
(الأسير السياسي وأسير الحرية – سجن الجلبوع – قسم 5)
