عندما طَفح الكيل الذي امتلأ بتعابير الوطنية قال رالف والدو إمرسُن 1803-1883 أديب أمريكا وفيلسوفها: "لقد أمسَتْ كلمة (وطنية) مبتذلة وفي متناول كُلِّ من يريد أن يتشدق بشعار قومجي حتى ذابَ الفرق بينها وبين (العُهر)."
لعلني لا أبالغ إذا ما وجدت كلام إمرسن ينسحب على كلمة (تعايش) التي بتكرارها في كل مقام ومقال أصبحت مرادفة لكلمة (تناهش).
نتحدث كذبًا عن التعايش فنراه تناهشًا بين أبناء الصف الواحد أو المدرسة الواحدة.. بين أبناء البيت والحمولة.. بين أحزابنا ومذاهبنا.. بين سكان الوطن الواحد ناهيك عن تناهش الشعوب على صعيد الدول.
تذكرتُ هذا كلَّه وأنا في (زغرب) عاصمة كرواتيا، وتحديدًا عندما زرت مع مجموعة من الاخوة اليهود كبرى مقابر المدينة: جنّات من الرخام والورد والشموع على مد النظر.. قبور شامخة بشواهدها المنقوشة بأسماء الراقدين.. على شاهد أكثر من ضريح رأيت اجتماعًا بين الصليب ونجمة داود والهلال، فالجثامين داخل القبر الواحد أصحابها من المسيحيين واليهود والمسلمين.. مشاهد مهيبة عن اجتماع الطوائف في قبر واحد.. رحم الله تيتو العظيم الذي هنْدس مهندسو بلاده ومفكرو أمته عظَمة هذه المقبرة.
معذور أنا إذا ما حسدت أموات كرواتيا وأنا استعرض قبح مقابرنا المتروكة للأشواك وتصدع الجدران وبقايا أكاليل الورد التي كانت ورودًا..
أعرف كما يعرف الجميع أن البلاد التي كان اسمها يومًا يوغسلافيا قد عاش أهلها الاحتراب وتفككت إلى دويلات بسبب أطماع القيادات والانقسامات السياسية.. لكن من يجالسهم اليوم ويتابع أنماط حياتهم يجدهم في بوتقة واحدة يتعايشون ويعيشون المواطنة الصادقة بعيدًا عن التشرذم وسوْءات التمذهب والطائفية..
إنهم لعمري يتعايشون في الحياة والممات بعكس ما نفعله نحن فوق الأرض وتحت ترابها.